حراك دولي لاستيعاب التصعيد في حلب.. والمعارضة تنفي تقديم عروض مالية

دي ميستورا للأسد: اتصل بنا وقل أنا مستعد لحكم انتقالي ولمفاوضات فعلية

سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)
سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)
TT

حراك دولي لاستيعاب التصعيد في حلب.. والمعارضة تنفي تقديم عروض مالية

سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)
سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)

ارتأت القوى الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن هدف المسارعة لاستيعاب التصعيد العسكري الذي تنتهجه موسكو والنظام السوري في مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري، فرض موسكو ودمشق شروطهما في أي مفاوضات مقبلة لحل سياسي للأزمة المتمادية منذ عام 2011. وفي حين جددت كل من تركيا وألمانيا تمسكهما برحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد كـ«بوابة للحل»، لفت ما أوردته صحيفة «التايمز» البريطانية عن أن الاتحاد الأوروبي اقترح خلال لقاء مع قادة المعارضة قبل أسبوعين تقديم مساعدات مالية لكل الأطراف في سوريا بما فيها النظام في إطار الحل السياسي للصراع، وهو أمر نفته المعارضة نفيًا قاطعًا، متحدثة عن عدم امتلاك أوروبا رؤية واضحة للحل بعد.
الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة حذرا أمس السبت من «وهم» تحقيق انتصار عسكري في مدينة حلب، مشددين على ضرورة إجراء مفاوضات تكفل مستقبلاً آمنًا لسوريا. وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، خلال مؤتمر حول المتوسط في العاصمة الإيطالية روما مخاطبة رئيس النظام السوري بشار الأسد: «تستطيع أن تكسب حربًا لكنك قد تخسر السلام». وتساءلت موغيريني: «مَن لديه مصلحة في كسب حرب والحصول على جائزة تتمثل في بلد منقسم ومسلح ويضيق بالإرهابيين.. ومعزول على الساحة الدولية؟».
من جهته، قال موفد الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا خلال المؤتمر نفسه: «حان الوقت الآن للبدء بمفاوضات فعلية». وتوجه للأسد قائلاً: «اتصل بالأمم المتحدة لتقول: أنا مستعد لحكم انتقالي، ولمفاوضات فعلية».
ونبّه دي ميستورا من أن «الانتصار العسكري الذي ترتسم ملامحه في حلب قد يدفع الحكومة السورية إلى القول: لقد كسبنا الحرب ولم نعد نحتاج بالتالي إلى مفاوضات»، مضيفًا: «آمل ألا يحصل ذلك لأنه لن يحل شيئًا». وإذ جدد الموفد الدولي دعوة روسيا وإيران إلى استخدام «نفوذهما لإقناع دمشق بالتفاوض جديًا»، فإنه أشار إلى أن «البديل يمكن أن يكون نهاية الحرب، ولكن بداية حرب عصابات رهيبة من دون أي إعادة إعمار». وأكد دي ميستورا أن هذه المفاوضات ينبغي أن تشمل «تقاسمًا للسلطة»، ومحذرًا من أي تقسيم لسوريا.
وتطرق الموفد الدولي إلى سوريا لوعد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بإلحاق «الهزيمة» بتنظيم داعش، وقال: «إذا كنتم تتحدثون عن إلحاق الهزيمة بـ(داعش) وليس التصدي له، فستحتاجون إلى حل سياسي شامل»، لافتًا إلى تجربتي العراق وليبيا، حيث لا يزال السلام بعيد المنال.
هذا، وتزامنت تصريحات موغيريني ودي ميستورا مع ما نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية عمّا قالت إنّه عرض قدّمه الاتحاد الأوروبي يقضي بـ«تقديم مال لنظام الأسد مقابل صفقة سلام في سوريا». وأوضحت الصحيفة أن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قدمت مقترحات جديدة لقادة المعارضة السورية في اجتماع قبل أسبوعين، مع عرض بتقديم مساعدات واستثمارات كمقدمة لإرضاء جميع الأطراف. وبحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة فإن تلك المقترحات تنسجم مع قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى «تحوّل سياسي» في سوريا، «خاصة وأن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا دعمت دائمًا إصرار المعارضة السورية على أن مصطلح (الانتقال السياسي) يعني إزالة الأسد من السلطة، إلا أن مناقشة التحديد الدقيق للانتقال تركت الآن إلى المستقبل».
وأشار التقرير إلى أن مقترحات الاتحاد الأوروبي تتضمن نقل السلطات إلى المحافظات السورية، الأمر الذي سيسمح لقوى «المعارضة المعتدلة» بالاندماج بالقوات الأمنية المحلية، مع الحفاظ على المؤسسات المركزية للدولة، ولكن تحت تنظيم أكثر ديمقراطية. ولم تذكر المقترحات شيئًا بشأن مستقبل الأسد.
وفي حين نفت مصادر في «هيئة التنسيق الوطني» السورية نفيًا قاطعًا أن تكون موغيريني قد قدّمت طرحًا مماثلاً لوفد الهيئة الذي التقاها أخيرًا، أوضحت المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المسؤولة بالاتحاد الأوروبي التقت 3 وفود من المعارضة هي إلى جانب وفد الهيئة، وفد من «الائتلاف الوطني»، ووفد الهيئة العليا للمفاوضات في اجتماع موحد، مؤكدة أنّه لم يُطرح خلاله تقديم أي أموال للتوصل لحل سياسي، بل جرى الحديث عن وجوب التأهب لعملية إعادة إعمار سوريا. وأضافت مصادر الهيئة: «تاريخنا يشهد بأننا لا نُشترى ولا نُباع ولا نقبض ثمنًا لقراراتنا ومواقفنا. لا نعلم إذا تم طرح شيء مماثل من تحت الطاولة على الوفدين الآخرين..».
من جهته، أشار هادي البحرة، الأمين السابق لـ«الائتلاف الوطني» المعارض، إلى أن الورقة التي قدمتها موغيريني «لا تتضمن رؤية للحل بل مجموعة من الآراء التي تم تجميعها، تقوم على إقامة نظام برلماني في سوريا مع تحديد صلاحياته»، نافيًا نفيًا قاطعا أن تكون تطرقت لأي عروض مالية. وقال البحرة لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «نحن كنا ولا نزال نتمسك ببيان جنيف لحل الأزمة، الذي يقول بعملية انتقالية لا يكون الأسد ولا الدائرة الضيقة حوله ولا الأطراف التي ارتكبت جرائم في سوريا جزءًا منها». واستبعد أصلا أن تكون الأرضية الحالية مهيأة لانطلاق مفاوضات جديدة «خاصة وأن كل الأطراف وخصوصًا موسكو والنظام يستفيدان من الفراغ الحاصل على صعيد السياسة الأميركية ومن مرحلة انتقال السلطة في واشنطن لتغيير الواقع الميداني في سوريا، وفرض شروطهما في مرحلة لاحقة».
على صعيد متصل، لفت يوم أمس تقاطع موقف وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان مع المواقف التي أطلقها أول من أمس كل من وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير لجهة وجوب رحيل الأسد لحل الأزمة السورية. وفي هذا السياق، قال ليبرمان أثناء مشاركته في «منتدى سابان» المنعقد في العاصمة الأميركية واشنطن، إن تسوية الأزمة في سوريا تتطلب ترك الأسد منصبه وانسحاب الفصائل الإيرانية من الأراضي السورية، معتبرًا أن الأسد لم يعد شخصية مقبولة على الصعيد الدولي. ثم قال: «يجب علينا وضع الأسد والإيرانيين في مكانهم». وإذ حث ليبرمان الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب على عدم النأي بالنفس عما يجري في الشرق الأوسط، تحدث عن وجود «حوار شفاف وتنسيق» بين موسكو وتل أبيب في الكثير من المسائل، لا سيما حول سوريا، «وذلك أمر مفيد للغاية»، على حد قول الوزير الإسرائيلي.
وحول التطورات الأخيرة رأى المحلل الاستراتيجي اللبناني الدكتور خطّار بو دياب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «التصريحات الأوروبية وحتى التركية عن مسألة رحيل الأسد، لا تبدو فاعلة، لأن هذه الدول غير قادرة على التأثير في تغيير مجرى الأحداث في سوريا»، معتبرًا أن اللافت في المواقف كلام أفيغدور ليبرمان، لكونه مقربًا جدًا من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومعروف بعلاقاته الوثيقة مع الروس، عدا عن أنه أول موقف إسرائيلي بهذا الوضوح». وأوضح أن «مثل هذا التصريح يترجم خططًا روسية غير سريعة، لكنها على المدى المتوسط».
وشدد بو دياب، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس، على أن مصير الأسد «يتوقف كثيرًا على نوع التسوية التي قد يتوصل إليها فلاديمير بوتين مع دونالد ترامب... وأعتقد أن الأسد استنزف، ولولا الميليشيات الطائفية والقوة الروسية لما بقي في السلطة منذ عام 2013». وتابع: «من الواضح أن الأسد سيستخدم لوقت إضافي من قبل الروس، لكنهم يعرفون أنه لم يعد حصانًا رابحًا يراهنون عليه لحكم سوريا».
من ناحية ثانية، لم يجد بو دياب في كلام وزير خارجية تركيا ووزير خارجية ألمانيا، وقبلهما الموقف الفرنسي عن ضرورة رحيل الأسد، سوى «محاولة تجميل قباحة العجز والتخلي الدولي عن سوريا». وأشار إلى أنه «منذ إعلان (الرئيس الأميركي) باراك أوباما في أغسطس (آب) من عام 2011 عن أن أيام الأسد باتت معدودة، تبين أنه كان يبيع للشعب السوري أوهامًا، لأن كلامه لم يترجم إلى أفعال عن دعم الجيش الحرّ». ورأى الأكاديمي اللبناني أن «هناك دولا كثيرة في العالم قدمت دعمًا للنظام، إلى أن ظهر في عام 2014 تنظيم داعش، وبدأ العالم يركز على أولوية محاربة الإرهاب»، مشيرًا إلى أن «مصير منظومة الأسد تحدد في مؤتمر جنيف 1، لكن الدور الروسي عطل هذا القرار، وترافق ذلك مع السعي لحسم عسكري على الأرض، وتأكيده بأنه لا مناص من التعاون مع الأسد على الحل السياسي في سوريا».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».