فندق الكونتيننتال.. ينفض عن جدرانه غبار الزمن

أمر الخديو بتشييده عام 1869 ولورانس العرب وسعد زغلول كانوا أشهر نزلائه

فندق الكونتيننتال شيده معماري إيطالي وتعرضه للهدم والحريق أكثر من مرة حرمه من تسجيله كأثر («الشرق الأوسط»)
فندق الكونتيننتال شيده معماري إيطالي وتعرضه للهدم والحريق أكثر من مرة حرمه من تسجيله كأثر («الشرق الأوسط»)
TT

فندق الكونتيننتال.. ينفض عن جدرانه غبار الزمن

فندق الكونتيننتال شيده معماري إيطالي وتعرضه للهدم والحريق أكثر من مرة حرمه من تسجيله كأثر («الشرق الأوسط»)
فندق الكونتيننتال شيده معماري إيطالي وتعرضه للهدم والحريق أكثر من مرة حرمه من تسجيله كأثر («الشرق الأوسط»)

عند تجولك في ميدان الأوبرا بوسط القاهرة المعروف بالقاهرة الخديوية، ستجد مبنى ضخمًا يتوارى خلف محال تجارية للأحذية والملابس ينم طرازه المعماري عن تاريخ عريق وتبدو الحكايات والأسرار قابعة في كل ركن من أركانه. إذا سألت أحدًا من سكان المنطقة المحيطة بميدان الأوبرا لن يفيدك أحد، ولكن اللافتة الضخمة المعلقة على واجهة المبنى تقول «مشروع توثيق مبنى فندق الكونتيننتال - وزارة الآثار» على الرغم من كونه غير مسجل كأثر.
يحتل الفندق مكانًا مميزًا في ميدان الأوبرا فهو يطل على حديقة الأزبكية التي كانت تضم مسرح الكوميدي فرانسيز وكانت تقام بها حفلات لألمظ وعبده الحامولي، وعلى المسرح القومي، وعلى بعد خطوات من الفندق قصر عابدين الملكي، يمتلك الكونتيننتال واجهة على شارع عدلي لذا فهو على مقربة من معبد «بوابة السماء» اليهودي، وواجهة أخرى على شارع عماد الدين الذي اشتهر بالمسارح ودور السينما، وكان قبلة لكبار النجوم والفنانين، كما تطل واجهة أخرى له على شارع 26 يوليو، وهو أيضًا على مقربة من المتحف المصري بالتحرير.
فندق «الكونتيننتال سافوي» أو «نيو أوتيل» أو «شبرد» كلها مسميات أطلقت على هذا المبنى الذي شوهت معالمه وطبع على عدد كبير من كروت البوستال لمصر في أواخر القرن التاسع عشر والعشرين، وتنتشر صورًا له على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسميات مختلفة ومعلومات وتواريخ مغلوطة، لكن الأمر المؤكد أن الفندق ظل مهجورًا منذ عام 1980. ومؤخرًا أعلن عن أنه سوف يعود للحياة مرة أخرى ليرتدي حلة جديدة وفقًا لما أعلنته مؤخرًا الشركة المصرية لفنادق «إيجوث» عن مشروع لإعادة إحيائه واستغلاله كفندق 4 نجوم يضم 250 غرفة ومولاً تجاريًا بتكلفة تزيد عن مليار جنيه مصري. هذا المشروع أثار الجدل خاصة وأن حالة الفندق يرثى لها، مما يجعل ترميمه بالكامل أمرًا مستحيلاً، من جانبها أعلنت شركة «إيجوث» أن الفندق قيمة تاريخية كبيرة لذا سيتم الإبقاء على واجهته فقط مع إعادة بناء باقي الفندق من جديد.
وهو ما أكده المهندس محمد أبو سعدة، رئيس جهاز التنسيق الحضاري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المبنى مسجل ضمن المباني ذات الطراز المعماري المتميز وهو يخضع لرؤية التنسيق الحضاري، لكن الإشراف على المشروع والترميم تقوم به محافظة القاهرة. للأسف المبنى لم يسجل كأثر على الرغم من قدم تاريخ تشييده لأنه تعرض للتعديل والبناء والهدم لأكثر من مرة تغيرت خلالها الكثير من معالمه.
في الحقيقة لم أكن أدرك أن البحث عن تاريخ هذا الفندق أمر مرهق للغاية، وتكاد المعلومات أن تكون مشوشة وغير دقيقة وأحيانًا متضاربة بسبب تداخل تاريخه مع تاريخ فندق شبرد الذي شغل تلك البقعة لفترة من الزمن أيضًا قبل أن ينتقل لموقعه الحالي. للأسف التاريخ الشفهي للمكان قد فُقد للأبد؛ نظرًا لأنه شيد منذ أكثر من قرن ونصف تقريبًا. في موقع الفندق لن تجد الكثير من المعلومات فأصحاب المحال التجارية التي تحاصر الفندق يرددون: «الفندق من أيام الخديو إسماعيل» والبعض يشير إليه إلى أنه «من أيام الملك فاروق»، لكنهم يدركون أنه مبنى عريق ويذكرون بفخر أنهم وقفوا ضد هدمه من قبل «المقاولين الفاسدين» بينما المارة لا يعيرون المبنى العتيق اهتمامًا؛ فهم يسيرون وسط الزحام ويحاولون الهروب من السيارات المتلاحقة بضجيجها المزعج بينما يهرول آخرون للحاق بالمترو من محطة مترو العتبة المجاورة.
الصورة القديمة تختلف تمامًا عن وقتنا الحالي، في الصور التذكارية ستجد «تراسًا كبيرًا».. شرفة تطل على ميدان الأوبرا وأناسًا في أبهى حلة سيدات أنيقات ورجالاً يرتدون القبعات أو الطربوش أشجار باسقة وعربات حنطور أنيقة. أثناء التجول في رحاب الفندق المهجور يمكنك أن تستحضر في حزن عبق الزمن الجميل، فقد كان هذا المكان قبلة للملوك والزعماء من مختلف أنحاء العالم، وكان ميدان الأوبرا حتى منتصف القرن الماضي رمزًا للتمدن المصري، فعلى الضفة الأخرى من الميدان كانت هناك دار الأوبرا الخديوية أول دار أوبرا إيطالية في الشرق الأوسط وأفريقيا، والتي احترقت في أحداث حريق القاهرة عام 1952، ولوهلة ستكتشف أن كل ذلك اختلف الآن ولم تعد معالم الفندق واضحة حتى مداخله تكاد تكون مطموسة.
وفقًا للدكتور محمد حسام الدين إسماعيل في كتابه «مدينة القاهرة من ولاية محمد علي إلى إسماعيل» الصادر عن دار الآفاق العربية عام 1999، فقد أشار إلى أن علي مبارك في موسوعته الرائعة «الخطط التوفيقية» قد ذكر ما يسمى «اللوكاندة الخديوية» وكان موقعها بمنطقة الأزبكية (شارع الألفي حاليًا) أنشأتها جمعية إنجليزية ثم اشتراها الخديو إسماعيل وباعها للحكومة عند بيعه لأملاكه في تسويه صندوق الدين، الذي باعها لشخص إيطالي يدعى جوزيف اللوكانتجي» ويرجح المؤلف أن يكون ذلك هو فندق الكونتيننتال الذي شيده الخديو عام 1869م على يد اليوغوسلافي جورج ننجوفتش.
بعض المصادر التاريخية الأخرى تشير إلى أن تاريخ تشييده يعود لأواسط القرن الثامن عشر، ولكن الأرجح أنه أنشأ مع افتتاح قناة السويس مثله مثل كثير من الفنادق والقصور التي شيدها الخديو إسماعيل لاستقبال ملوك العالم ولكي ينال إعجاب الإمبراطورة أوجيني ويفاخر بأن مصر لا تقل عن أوروبا.
مبنى الفندق الضخم يضم 4 طوابق ويتخذ شكل حرف (H) ووفقًا لمدونة المصري الأميركي سمير رفعتMy Egy.com والتي تؤرخ لمصر الخديوية، فإن الفندق شيده المعماري الإيطالي جاستوني روسي، الذي قام بتشييد عدد من المباني والعمائر الهامة بالقاهرة، وهو ما تؤكده أوراق المركز الثقافي الإيطالي «تم بناء الفندق لاستضافة المدعوين لحضور حفل افتتاح قناة السويس، وهو مشيد على الطراز المعماري الفرنسي الإيطالي في أواخر القرن التاسع. وتم هدم الفندق وإعادة بنائه بنفس حجم ونسب المبنى القديم من قبل المعماري جاستون روسي، وقام بشراء الفندق چورچ نانجوفيتش وأعاد تسميته بـ(غراند أوتيل)».
ويقول عمرو سامح طلعت في كتابه الصادر عن دار الشروق «سعديون أم عدليون؟» إن الفندق «كان في الأصل قصرًا بناه الخديو إسماعيل أثناء احتفالات افتتاح قناة السويس، وقام بمد خط سكة حديد للقطار من محطة القاهرة إلى بابه الرئيسي. وبعد انتهاء الاحتفالات اشتراه رجل ثري يدعى سوارس ثم جاء إلى مصر رجلان نمساويان هما جورج ننكوفيتش وألسكندر رستوفيتش فأسس شركة للفنادق اشترت القصر وحولته إلى فندق الكونتيننتال وجعلت الباب الرئيسي من ميدان الأوبرا». ويذكر المؤلف أن الفندق شهد الكثير من الأحداث الاجتماعية والسياسية، حيث كان أحد أهم فنادق مصر، ومنها بحسب المؤلف: «انعقاد البرلمان به بعد أن أمر الملك فؤاد بحله، وكان به شرفة تطل على الميدان كان الملك فاروق يحب أن يجلس بها كلما زار الفندق ويستمتع بطبق من الحلوى ابتكره طاهي الفندق له خصيصًا ووعد الملك ألا يقدمه لغيره!»
الأمر المؤكد أن الفندق كان قبلة لكبار الشخصيات الدبلوماسية المصرية والأجنبية حيث كان يقطن بمصر ما يزيد عن 50 جالية من مختلف أنحاء العالم، ومن أشهر الشخصيات التي ترددت على الفندق: سعد زغلول، وعدلي يكن، والنحاس باشا، وعلي ماهر باشا، وقد ورد في مدونة «grandhotelsegypt.com» أن الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورانس الشهير بـ«لورانس العرب» قد أقام فيه حينما وصل إلى مصر عام 1914 وأنه ذكر الكونتيننتال في مذكراته. وأن أحد أشهر نزلاء الفندق اللورد «كارنافون» ممول أبحاث هاورد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون، ويقال إن لعنة الفراعنة أصابت اللورد مما أدى لوفاته في أحد حجرات الفندق عام 1923، بعد عودته الأقصر حيث لدغته بعوضة في وجهه توفي بعدها.
ونظرًا لأن الفندق كان قبلة للسياسيين ورجال الدول المصرية والمسؤولين الأوروبيين، فيبدو أنه كان شاهدا على كثير من المظاهرات والاحتجاجات. فعلى الصفحات التاريخية بموقع «فيسبوك» توجد صورة نادرة توثق لمظاهرة حاشدة مؤرخة بتاريخ عام 1947، ويقول التعليق عليها أنها: «صورة نادرة جدًا لأحد المظاهرات في ميدان الأوبرا القديم التقطت في 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 1947، للاحتجاج على قرار الأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 بتقسيم فلسطين».
في الحقيقة لا يوجد أبلغ من عبارة الأستاذ نجيب محفوظ التي أطلقها على لسان أحد أبطاله في رائعته «ثرثرة فوق النيل»: «إذا أردت حقًا أن ترتكب حماقة للفت الأنظار إليك فتجرد من ثيابك وتبختر في ميدان الأوبرا! هناك ستجد إبراهيم باشا فوق جواده وهو يشير إلى فندق الكونتيننتال كأطرف دعاية سياحية في بلادنا»، فهي تختزل الكثير حول طبيعة المكان كما لو كنت تنظر عبر نظارة الواقع الافتراضي لترى الصورة ثلاثية الأبعاد. ينتظر الفندق عودة للحياة بعد 3 سنوات من الآن لن يستعيد بها مجده ولكنه سيبقى شاهدًا على عصر مضى.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».