عند تجولك في ميدان الأوبرا بوسط القاهرة المعروف بالقاهرة الخديوية، ستجد مبنى ضخمًا يتوارى خلف محال تجارية للأحذية والملابس ينم طرازه المعماري عن تاريخ عريق وتبدو الحكايات والأسرار قابعة في كل ركن من أركانه. إذا سألت أحدًا من سكان المنطقة المحيطة بميدان الأوبرا لن يفيدك أحد، ولكن اللافتة الضخمة المعلقة على واجهة المبنى تقول «مشروع توثيق مبنى فندق الكونتيننتال - وزارة الآثار» على الرغم من كونه غير مسجل كأثر.
يحتل الفندق مكانًا مميزًا في ميدان الأوبرا فهو يطل على حديقة الأزبكية التي كانت تضم مسرح الكوميدي فرانسيز وكانت تقام بها حفلات لألمظ وعبده الحامولي، وعلى المسرح القومي، وعلى بعد خطوات من الفندق قصر عابدين الملكي، يمتلك الكونتيننتال واجهة على شارع عدلي لذا فهو على مقربة من معبد «بوابة السماء» اليهودي، وواجهة أخرى على شارع عماد الدين الذي اشتهر بالمسارح ودور السينما، وكان قبلة لكبار النجوم والفنانين، كما تطل واجهة أخرى له على شارع 26 يوليو، وهو أيضًا على مقربة من المتحف المصري بالتحرير.
فندق «الكونتيننتال سافوي» أو «نيو أوتيل» أو «شبرد» كلها مسميات أطلقت على هذا المبنى الذي شوهت معالمه وطبع على عدد كبير من كروت البوستال لمصر في أواخر القرن التاسع عشر والعشرين، وتنتشر صورًا له على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسميات مختلفة ومعلومات وتواريخ مغلوطة، لكن الأمر المؤكد أن الفندق ظل مهجورًا منذ عام 1980. ومؤخرًا أعلن عن أنه سوف يعود للحياة مرة أخرى ليرتدي حلة جديدة وفقًا لما أعلنته مؤخرًا الشركة المصرية لفنادق «إيجوث» عن مشروع لإعادة إحيائه واستغلاله كفندق 4 نجوم يضم 250 غرفة ومولاً تجاريًا بتكلفة تزيد عن مليار جنيه مصري. هذا المشروع أثار الجدل خاصة وأن حالة الفندق يرثى لها، مما يجعل ترميمه بالكامل أمرًا مستحيلاً، من جانبها أعلنت شركة «إيجوث» أن الفندق قيمة تاريخية كبيرة لذا سيتم الإبقاء على واجهته فقط مع إعادة بناء باقي الفندق من جديد.
وهو ما أكده المهندس محمد أبو سعدة، رئيس جهاز التنسيق الحضاري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المبنى مسجل ضمن المباني ذات الطراز المعماري المتميز وهو يخضع لرؤية التنسيق الحضاري، لكن الإشراف على المشروع والترميم تقوم به محافظة القاهرة. للأسف المبنى لم يسجل كأثر على الرغم من قدم تاريخ تشييده لأنه تعرض للتعديل والبناء والهدم لأكثر من مرة تغيرت خلالها الكثير من معالمه.
في الحقيقة لم أكن أدرك أن البحث عن تاريخ هذا الفندق أمر مرهق للغاية، وتكاد المعلومات أن تكون مشوشة وغير دقيقة وأحيانًا متضاربة بسبب تداخل تاريخه مع تاريخ فندق شبرد الذي شغل تلك البقعة لفترة من الزمن أيضًا قبل أن ينتقل لموقعه الحالي. للأسف التاريخ الشفهي للمكان قد فُقد للأبد؛ نظرًا لأنه شيد منذ أكثر من قرن ونصف تقريبًا. في موقع الفندق لن تجد الكثير من المعلومات فأصحاب المحال التجارية التي تحاصر الفندق يرددون: «الفندق من أيام الخديو إسماعيل» والبعض يشير إليه إلى أنه «من أيام الملك فاروق»، لكنهم يدركون أنه مبنى عريق ويذكرون بفخر أنهم وقفوا ضد هدمه من قبل «المقاولين الفاسدين» بينما المارة لا يعيرون المبنى العتيق اهتمامًا؛ فهم يسيرون وسط الزحام ويحاولون الهروب من السيارات المتلاحقة بضجيجها المزعج بينما يهرول آخرون للحاق بالمترو من محطة مترو العتبة المجاورة.
الصورة القديمة تختلف تمامًا عن وقتنا الحالي، في الصور التذكارية ستجد «تراسًا كبيرًا».. شرفة تطل على ميدان الأوبرا وأناسًا في أبهى حلة سيدات أنيقات ورجالاً يرتدون القبعات أو الطربوش أشجار باسقة وعربات حنطور أنيقة. أثناء التجول في رحاب الفندق المهجور يمكنك أن تستحضر في حزن عبق الزمن الجميل، فقد كان هذا المكان قبلة للملوك والزعماء من مختلف أنحاء العالم، وكان ميدان الأوبرا حتى منتصف القرن الماضي رمزًا للتمدن المصري، فعلى الضفة الأخرى من الميدان كانت هناك دار الأوبرا الخديوية أول دار أوبرا إيطالية في الشرق الأوسط وأفريقيا، والتي احترقت في أحداث حريق القاهرة عام 1952، ولوهلة ستكتشف أن كل ذلك اختلف الآن ولم تعد معالم الفندق واضحة حتى مداخله تكاد تكون مطموسة.
وفقًا للدكتور محمد حسام الدين إسماعيل في كتابه «مدينة القاهرة من ولاية محمد علي إلى إسماعيل» الصادر عن دار الآفاق العربية عام 1999، فقد أشار إلى أن علي مبارك في موسوعته الرائعة «الخطط التوفيقية» قد ذكر ما يسمى «اللوكاندة الخديوية» وكان موقعها بمنطقة الأزبكية (شارع الألفي حاليًا) أنشأتها جمعية إنجليزية ثم اشتراها الخديو إسماعيل وباعها للحكومة عند بيعه لأملاكه في تسويه صندوق الدين، الذي باعها لشخص إيطالي يدعى جوزيف اللوكانتجي» ويرجح المؤلف أن يكون ذلك هو فندق الكونتيننتال الذي شيده الخديو عام 1869م على يد اليوغوسلافي جورج ننجوفتش.
بعض المصادر التاريخية الأخرى تشير إلى أن تاريخ تشييده يعود لأواسط القرن الثامن عشر، ولكن الأرجح أنه أنشأ مع افتتاح قناة السويس مثله مثل كثير من الفنادق والقصور التي شيدها الخديو إسماعيل لاستقبال ملوك العالم ولكي ينال إعجاب الإمبراطورة أوجيني ويفاخر بأن مصر لا تقل عن أوروبا.
مبنى الفندق الضخم يضم 4 طوابق ويتخذ شكل حرف (H) ووفقًا لمدونة المصري الأميركي سمير رفعتMy Egy.com والتي تؤرخ لمصر الخديوية، فإن الفندق شيده المعماري الإيطالي جاستوني روسي، الذي قام بتشييد عدد من المباني والعمائر الهامة بالقاهرة، وهو ما تؤكده أوراق المركز الثقافي الإيطالي «تم بناء الفندق لاستضافة المدعوين لحضور حفل افتتاح قناة السويس، وهو مشيد على الطراز المعماري الفرنسي الإيطالي في أواخر القرن التاسع. وتم هدم الفندق وإعادة بنائه بنفس حجم ونسب المبنى القديم من قبل المعماري جاستون روسي، وقام بشراء الفندق چورچ نانجوفيتش وأعاد تسميته بـ(غراند أوتيل)».
ويقول عمرو سامح طلعت في كتابه الصادر عن دار الشروق «سعديون أم عدليون؟» إن الفندق «كان في الأصل قصرًا بناه الخديو إسماعيل أثناء احتفالات افتتاح قناة السويس، وقام بمد خط سكة حديد للقطار من محطة القاهرة إلى بابه الرئيسي. وبعد انتهاء الاحتفالات اشتراه رجل ثري يدعى سوارس ثم جاء إلى مصر رجلان نمساويان هما جورج ننكوفيتش وألسكندر رستوفيتش فأسس شركة للفنادق اشترت القصر وحولته إلى فندق الكونتيننتال وجعلت الباب الرئيسي من ميدان الأوبرا». ويذكر المؤلف أن الفندق شهد الكثير من الأحداث الاجتماعية والسياسية، حيث كان أحد أهم فنادق مصر، ومنها بحسب المؤلف: «انعقاد البرلمان به بعد أن أمر الملك فؤاد بحله، وكان به شرفة تطل على الميدان كان الملك فاروق يحب أن يجلس بها كلما زار الفندق ويستمتع بطبق من الحلوى ابتكره طاهي الفندق له خصيصًا ووعد الملك ألا يقدمه لغيره!»
الأمر المؤكد أن الفندق كان قبلة لكبار الشخصيات الدبلوماسية المصرية والأجنبية حيث كان يقطن بمصر ما يزيد عن 50 جالية من مختلف أنحاء العالم، ومن أشهر الشخصيات التي ترددت على الفندق: سعد زغلول، وعدلي يكن، والنحاس باشا، وعلي ماهر باشا، وقد ورد في مدونة «grandhotelsegypt.com» أن الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورانس الشهير بـ«لورانس العرب» قد أقام فيه حينما وصل إلى مصر عام 1914 وأنه ذكر الكونتيننتال في مذكراته. وأن أحد أشهر نزلاء الفندق اللورد «كارنافون» ممول أبحاث هاورد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون، ويقال إن لعنة الفراعنة أصابت اللورد مما أدى لوفاته في أحد حجرات الفندق عام 1923، بعد عودته الأقصر حيث لدغته بعوضة في وجهه توفي بعدها.
ونظرًا لأن الفندق كان قبلة للسياسيين ورجال الدول المصرية والمسؤولين الأوروبيين، فيبدو أنه كان شاهدا على كثير من المظاهرات والاحتجاجات. فعلى الصفحات التاريخية بموقع «فيسبوك» توجد صورة نادرة توثق لمظاهرة حاشدة مؤرخة بتاريخ عام 1947، ويقول التعليق عليها أنها: «صورة نادرة جدًا لأحد المظاهرات في ميدان الأوبرا القديم التقطت في 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 1947، للاحتجاج على قرار الأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 بتقسيم فلسطين».
في الحقيقة لا يوجد أبلغ من عبارة الأستاذ نجيب محفوظ التي أطلقها على لسان أحد أبطاله في رائعته «ثرثرة فوق النيل»: «إذا أردت حقًا أن ترتكب حماقة للفت الأنظار إليك فتجرد من ثيابك وتبختر في ميدان الأوبرا! هناك ستجد إبراهيم باشا فوق جواده وهو يشير إلى فندق الكونتيننتال كأطرف دعاية سياحية في بلادنا»، فهي تختزل الكثير حول طبيعة المكان كما لو كنت تنظر عبر نظارة الواقع الافتراضي لترى الصورة ثلاثية الأبعاد. ينتظر الفندق عودة للحياة بعد 3 سنوات من الآن لن يستعيد بها مجده ولكنه سيبقى شاهدًا على عصر مضى.
فندق الكونتيننتال.. ينفض عن جدرانه غبار الزمن
أمر الخديو بتشييده عام 1869 ولورانس العرب وسعد زغلول كانوا أشهر نزلائه
فندق الكونتيننتال شيده معماري إيطالي وتعرضه للهدم والحريق أكثر من مرة حرمه من تسجيله كأثر («الشرق الأوسط»)
فندق الكونتيننتال.. ينفض عن جدرانه غبار الزمن
فندق الكونتيننتال شيده معماري إيطالي وتعرضه للهدم والحريق أكثر من مرة حرمه من تسجيله كأثر («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

