مصابيح الإنارة الذكية.. هل تكون الهدف التالي لقراصنة الإنترنت؟

باحثون نجحوا في اختراق شبكة «إنترنت الأشياء» داخل مبنى من سيارة بعيدة

مصابيح «هيو» الذكية تنظم لاسلكيًا بالهواتف الجوالة والكومبيوترات
مصابيح «هيو» الذكية تنظم لاسلكيًا بالهواتف الجوالة والكومبيوترات
TT

مصابيح الإنارة الذكية.. هل تكون الهدف التالي لقراصنة الإنترنت؟

مصابيح «هيو» الذكية تنظم لاسلكيًا بالهواتف الجوالة والكومبيوترات
مصابيح «هيو» الذكية تنظم لاسلكيًا بالهواتف الجوالة والكومبيوترات

للشبكة التي يطلق عليه «إنترنت الأشياء» كثير من المنافع، على حد قول مؤيديها، فهي تساعد في توفير الطاقة، وتقدم تكنولوجيا قادرة على توقع ما يريده المستخدم، بل وتساعد في الحد من التكدس المروري. ومع ذلك هناك نبأ غير سار، وهو أن وضع مجموعة من الأجهزة المتصلة لاسلكيًا بالإنترنت في مكان واحد يجعلها عرضة لقراصنة الإنترنت، حيث يسمح لهم بنشر شفرة خبيثة في الهواء، وكأن هناك فيروس أنفلونزا منتشرا في طائرة.
أوضح باحثون في ورقة بحثية، قدمت للنشر حديثا، أنهم قد كشفوا عن عيب في تكنولوجيا اللاسلكي التي كثيرًا ما تتوافر في الأجهزة الذكية في المنزل مثل أجهزة الإنارة، والمفاتيح، والأقفال، وأجهزة قياس الحرارة، وغيرها من مكونات «المنزل الذكي» الذي يتم الترويج له بقوة.
وركز الباحثون على مصباح الإنارة الذكي «فيليبس هيو Hue»، ووجدوا أن اللاسلكي به يمثل عيبًا يتيح لقراصنة الإنترنت التحكم في مصابيح الإنارة، وذلك بحسب باحثين في جامعة «دالهاوزي» في هاليفاكس بكندا، وباحثين آخرين.
قد لا يبدو هذا الأمر مهمًا أو خطيرًا، لكن تخيل وجود آلاف أو مئات الآلاف من الأجهزة المتصلة بالإنترنت بالقرب من بعضها البعض، هنا يمكن أن تنتشر أي برامج خبيثة يصنعها قراصنة الإنترنت، مثل مسببات الأمراض بين الأجهزة، حيث تكفي إصابة جهاز واحد بها.
ولن يكون هناك حاجة إلى اتصال مباشر بالأجهزة حتى تصاب بها، إذ تمكن الباحثون من نشر العدوى في شبكة داخل مبنى من خلال قيادة سيارة على بعد 229 قدما (69 مترا).
وتجدر الإشارة إلى أن بضعة أسابيع مرت فقط عندما نجح قراصنة الإنترنت في منع المستخدمين من الدخول على الإنترنت لفترة وجيزة، من خلال الضغط على مزودات الخدمة في شركة «داين» في نيوهامبشير، وهو ما ساعد في السيطرة على المكونات الرئيسية للإنترنت. ويقول خبراء الأمن إنهم يعتقدون أن القراصنة قد وجدوا القوة اللازمة لتنفيذ هجومهم من خلال السيطرة على مجموعة من الأجهزة المتصلة بالإنترنت، لكنهم في الواقع لم يستخدموا الطريقة الموضحة في التقرير الجديد.
وقال مسؤولون في الشركة الصينية المنتجة للكاميرات اللاسلكية (التي اخترقت حينها)، إن كلمات السر الضعيفة الموجودة على بعض منتجاتها كانت السبب في نجاح الهجوم. ورغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يستخدم فيها القراصنة إنترنت الأشياء في تنفيذ هجوم، كان نطاق المحاولة ضد شركة «داين» ذا دلالة واضحة بالنسبة لمن لم يدركوا أن استخدام أشياء متصلة بالإنترنت في الحياة اليومية أمر يتضمن مخاطر جديدة.
وقال أدي شامير، خبير تشفير مرموق ساعد في عمل طرق التشفير الحديثة، وأحد مؤلفي التقرير: «حتى أفضل تكنولوجيا للدفاع على الإنترنت لا تستطيع التصدي لمثل هذا الهجوم». ومصدر الخطر الجديد هو بروتوكول أو برنامج لاسلكي لا يُعرف كثير عنه، يسمى «زيغبيغ» ZigBee. وهو معيار لاسلكي، تم ابتكاره في التسعينات، ويستخدم على نطاق واسع في الأجهزة الاستهلاكية المنزلية. وفي حين أنه من المفترض أن يكون آمنًا، لم يصمد أمام تدقيق وسائل الأمن الأخرى المستخدمة في مجال الإنترنت.
ووجد الباحثون أنه من الممكن استخدام معيار «زيغبيغ» بهدف تطوير دودة كومبيوترية لنشر برمجيات خبيثة بين الأجهزة المتصلة بالإنترنت. ولا يتم الانتباه كثيرًا هذه الأيام لدودة الكومبيوتر، التي تستطيع أن تنتقل من جهاز إلى آخر من خلال استنساخ ذاتها؛ مع أنها كانت تشكل خطرًا خلال السنوات الأولى من عمر الإنترنت التجاري. وفي عام 1988 أصابت دودة واحدة عُشر عدد أجهزة الكومبيوتر المتصلة بالإنترنت.
ومنذ ذلك الحين ازداد عدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت، إلى أن وصل لعدة مليارات، وتزايدت معها المخاطر الناجمة عن الديدان التي يتم صنعها بحذق ومهارة.
ماذا يمكن أن يصنع قراصنة الإنترنت بالأجهزة المعرضة للخطر؟ أولا يمكنهم عمل برامج تساعد في تنفيذ هجمات، مثل الهجوم على شركة «داين». كذلك يمكن استخدام هذه البرامج منصة انطلاق لسرقة المعلومات، أو إرسال رسائل غير مرغوب فيها عن طريق البريد الإلكتروني. كذلك يستطيعون إعادة ضبط مصباح إنارة بالصمامات الباعثة للضوء «ليد» بحيث يكون شعاعه صاعقًا وقد يسبب نوبات صرع، أو يمنع الناس من الشعور بالراحة. قد يبدو هذا احتمالاً بعيدًا، لكن الباحثين أثبتوا صحته بالفعل.
يمكن التحكم في لون، ودرجة إضاءة مصباح «فيليبس هيو» الذكي باستخدام كومبيوتر، أو هاتف ذكي. وأوضح الباحثون أنه يمكن لمصباح واحد إصابة عدد كبير من مصابيح الإضاءة القريبة بالعدوى في غضون دقائق معدودة. يحمل برنامج الدودة عنصرًا خبيثًا موجهًا لكل مصباح، حتى لو لم يكن جزءًا من الشبكة الخاصة نفسها.
من خلال عمل نموذج لعملية العدوى، قاموا بمحاكاة توزيع الأضواء في باريس في منطقة تبلغ مساحتها نحو 40 ميلا مربعا، ولاحظوا أن الهجوم قادر على الانتشار عندما يكون هناك عدد من الأجهزة يبلغ 15 ألفًا في تلك المنطقة. وقال الباحثون إنهم أخطروا شركة «فيليبس» بهذا الخطر المحتمل، وطلبت الشركة من الباحثين عدم نشر الورقة البحثية إلى أن يتم إصلاح الأمر. وأصلحت شركة «فيليبس» الخلل في المجموعة، التي تم طرحها في 4 أكتوبر (تشرين الأول)، ونصحوا العملاء بتركيبها باستخدام تطبيق على الهاتف الذكي. يبدو أنها لم تدرك مدى خطورة المشكلة. وذكرت بيث برينر، المتحدثة باسم شركة «فيليبس» في بيان عبر البريد الإلكتروني: «لقد كان تقييمنا للتأثير الأمني منخفضًا بالنظر إلى أن المكونات التخصصية، والبرامج غير المطروحة، والقرب الشديد من مصابيح (هيو) ضروري لتنفيذ الهجوم نظريًا».
قال الباحثون إنهم كانوا بحاجة لتخطي تحديين فنيين منفصلين حتى يجعلوا الهجوم مثاليًا. لقد وجدوا في البداية «جرثومة كبيرة» في الطريقة التي يتم استخدامها لعمل نظام الاتصال اللاسلكي في المصابيح، وهو ما أتاح لهم استهداف المصابيح التي تم نزعها بالفعل من الشبكات التي تمثل هذه المصابيح جزءًا منها. واستخدم الباحثون بعد ذلك ما يصفه خبراء التشفير بأنه هجوم «قناة جانبية» من أجل سرقة المفتاح، الذي تستخدمه شركة «فيليبس»، من أجل التحقق من البرنامج الجديد. ويشير مصطلح «القناة الجانبية» إلى الاستخدام الذكي للمعلومات الخاصة بكيفية استخدام نظام تشفير محدد.
وكتب الباحثون: «لقد استخدمنا المعدات المتاحة، التي لا تبلغ تكلفتها سوى بضع مئات من الدولارات، وتمكنا من العثور على هذا المفتاح دون أن نرى أي تحديثات فعلية. ويوضح هذا مرة أخرى مدى صعوبة عملية التأمين، حتى بالنسبة إلى شركة كبيرة تستخدم تقنيات تشفير معيارية لحماية منتج كبير».

* خدمة «نيويورك تايمز»



ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
TT

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

أطلقت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) مهمة «أرتميس ‌2» (Artemis II) في أول رحلة مأهولة ضمن برنامج العودة إلى القمر منذ عقود. ورغم أن الأنظار تتجه عادة إلى الصاروخ الضخم الذي يحمل المركبة إلى الفضاء، فإن جوهر المهمة يكمن في منظومة معقدة من التقنيات التي تعمل خلف الكواليس. تقنيات لا تهدف فقط إلى الوصول، بل تمكين البشر من العيش، والعمل خارج الأرض.

مهمة اختبار... لا مجرد رحلة

لا تستهدف «Artemis II» الهبوط على سطح القمر، بل تمثل رحلة اختبار شاملة للأنظمة التي ستعتمد عليها المهمات المستقبلية. وتشمل هذه الأنظمة الملاحة، والاتصال، ودعم الحياة، وإدارة الطاقة، إضافة إلى التفاعل بين الإنسان والآلة في بيئة الفضاء العميق. هذا التحول يعكس تغييراً في فلسفة الاستكشاف الفضائي. فبدلاً من التركيز على «الوصول»، أصبح التركيز على «الاستمرارية»، أي القدرة على البقاء في الفضاء لفترات طويلة، وهي خطوة أساسية نحو رحلات أبعد، مثل المريخ.

مهمة «أرتميس ‌2» التابعة لوكالة «ناسا» تنطلق من مركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال بفلوريدا (رويترز)

«أوريون»... مركبة أم نظام تشغيل؟

في قلب المهمة تأتي مركبة «أوريون» (Orion) التي يمكن النظر إليها بوصفها منصة متكاملة تجمع بين عدة أنظمة تعمل بتناغم. فهي ليست مجرد كبسولة لنقل الرواد، بل بيئة مغلقة تحاكي قدر الإمكان ظروف الحياة على الأرض. تشمل هذه المنظومة أنظمة دعم الحياة التي تتحكم في الأكسجين، والضغط، والرطوبة، وأنظمة تنقية المياه، وإدارة النفايات، إضافة إلى أنظمة مراقبة صحية تتابع حالة الطاقم بشكل مستمر. كل هذه العناصر تجعل المركبة أقرب إلى «نظام تشغيل» بيئي يدير كل ما يتعلق بحياة الإنسان داخل الفضاء.

وتعتمد «Orion» أيضاً على وحدة الخدمة الأوروبية التي طورتها وكالة الفضاء الأوروبية لتوفير الطاقة، والدفع، والموارد الأساسية. هذا التكامل الدولي يعكس تحول برامج الفضاء من مشاريع وطنية إلى بنى تحتية عالمية مشتركة.

الملاحة خارج الأرض... استقلالية أكبر

في الفضاء العميق، لا يمكن الاعتماد بشكل كامل على الأنظمة الأرضية. فالإشارات تحتاج إلى وقت للوصول، ما يفرض تحدياً في اتخاذ القرارات الفورية.

لهذا، تعتمد «أرتميس ‌2» على مزيج من الملاحة الذاتية، والاتصال الأرضي، ما يمنح المركبة قدراً من الاستقلالية. هذه القدرة ليست تفصيلاً تقنياً، بل ضرورة، خصوصاً مع التفكير في رحلات أبعد، حيث يصبح التأخير الزمني أكبر.

كبسولة «أوريون» جزء من مهمة «أرتميس 2» التابعة لوكالة «ناسا» في فلوريدا (إ.ب.أ)

إدارة الطاقة... والعودة إلى الأرض

تعمل المركبة بالطاقة الشمسية، لكن التحدي لا يكمن فقط في توليد الطاقة، بل في إدارتها بكفاءة. فالأجهزة، وأنظمة الحياة، والاتصالات، كلها تعتمد على توزيع دقيق للطاقة. إلى جانب ذلك، تمثل الحرارة تحدياً أساسياً. ففي الفضاء يمكن أن تتعرض المركبة لدرجات حرارة متطرفة، ما يتطلب أنظمة تحكم حراري دقيقة تحافظ على استقرار البيئة الداخلية.

رغم أن الإطلاق يمثل لحظة حاسمة، فإن العودة إلى الأرض تُعد من أكثر مراحل المهمة تعقيداً. إذ تدخل المركبة الغلاف الجوي بسرعات هائلة، ما يولد حرارة شديدة تتطلب درعاً حرارياً متقدماً.

هذا الدرع لا يحمي المركبة فقط، بل يحدد أيضاً مدى نجاح المهمة في إعادة الطاقم بأمان، وهو عنصر أساسي في أي برنامج فضائي طويل الأمد.

الإنسان كجزء من المنظومة

ليست «أرتميس ‌2» اختباراً للآلات فقط، بل أيضاً للإنسان. سيتم تزويد رواد الفضاء بأجهزة استشعار لمراقبة المؤشرات الحيوية، بهدف فهم تأثير الرحلات الفضائية على الجسم. هذا يعكس تحولاً في النظرة إلى الطاقم، من «مستخدمين» للمركبة إلى عناصر بيانات داخل نظام متكامل. فالقدرة على تحليل هذه البيانات ستكون حاسمة في تصميم المهمات المستقبلية.

تعد أنظمة الاتصال من الجوانب التي لا يمكن إغفالها. فالحفاظ على اتصال مستقر بين المركبة والأرض يتطلب بنية تحتية معقدة، خاصة مع المسافات المتزايدة. هذه الأنظمة لا تضمن فقط التواصل، بل تلعب دوراً في نقل البيانات، وتحديث الأنظمة، ودعم اتخاذ القرار، ما يجعلها جزءاً أساسياً من نجاح المهمة.

بعد 53 عاماً... «ناسا» تعيد البشر إلى عتبة القمر

بين الطموح والتحديات

رغم التقدم التقني، لا تخلو المهمة من تحديات. فتعقيد الأنظمة، وتعدد الجهات المشاركة، والتكاليف المرتفعة، كلها عوامل تضيف ضغوطاً على البرنامج. كما أن بعض الاختبارات والتأخيرات التي سبقت المهمة تعكس طبيعة هذا النوع من المشاريع، حيث لا مجال للخطأ في بيئة عالية المخاطر.

لا يمكن النظر إلى «أرتميس ‌2» بوصفها مهمة منفصلة، بل هي جزء من مسار طويل. فالقمر هنا ليس الهدف النهائي، بل محطة اختبار. الهدف الأكبر هو تطوير تقنيات تتيح للبشر السفر إلى المريخ، والبقاء هناك. وفي هذا السياق، تصبح «أرتميس ‌2» أقل ارتباطاً بالوجهة، وأكثر ارتباطاً بالأنظمة التي تختبرها.

فما يجري اليوم ليس مجرد إطلاق جديد، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والفضاء عبر تقنيات قد تجعل الوجود خارج الأرض أمراً قابلاً للاستمرار، لا مجرد تجربة مؤقتة.


دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
TT

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

تزداد أهمية حماية البيانات الشخصية، خصوصاً المالية، مع توسع الأنظمة الرقمية التي باتت تدير جانباً كبيراً من الحياة اليومية. دراسة حديثة منشورة في «Electronic Government: An International Journal» تسلط الضوء على التحديات المتزايدة في هذا المجال، مشيرة إلى أن تعقيد البيئة الرقمية يجعل من الصعب الاعتماد على حل واحد لضمان الأمان.

توضح الدراسة أن الأنظمة المالية الرقمية لم تعد تعتمد فقط على البنية التقنية، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تشمل المستخدمين والمؤسسات والتشريعات. وفي هذا السياق، لم يعد الاختراق نتيجة ثغرة واحدة، بل نتيجة تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه، ما يجعل الحماية أكثر تعقيداً.

تركّز الدراسة على ثلاثة عناصر أساسية تشكل أساس أي نظام آمن وهي السرية وسلامة البيانات وإمكانية الوصول. فالسرية تعني حماية المعلومات الحساسة بحيث لا يتم الوصول إليها إلا من قبل المستخدمين المصرح لهم. أما سلامة البيانات تتعلق بالحفاظ على دقة المعلومات ومنع التلاعب بها. كما أن إمكانية الوصول تضمن أن يتمكن المستخدم الشرعي من الوصول إلى بياناته دون عوائق.

وتشير الدراسة إلى أن أي خلل في أحد هذه العناصر يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية مباشرة، أو إلى تراجع الثقة في الأنظمة الرقمية بشكل عام.

تهديدات تتطور بسرعة

تواجه الأنظمة المالية اليوم مجموعة متزايدة من التهديدات، أبرزها «التصيد الاحتيالي» (Phishing)، الذي يعتمد على خداع المستخدم للحصول على بياناته، إضافة إلى البرمجيات الخبيثة التي تستهدف الأجهزة بشكل مباشر. كما تشير الدراسة إلى خطر «التهديدات الداخلية» حيث قد يأتي الاختراق من داخل المؤسسات نفسها، سواء بشكل متعمد أو نتيجة سوء استخدام الصلاحيات. وتضيف أن الهجمات واسعة النطاق التي تستهدف قواعد بيانات كاملة، أصبحت أكثر شيوعاً، مع وجود أسواق سوداء لبيع البيانات المسروقة. هذه التهديدات لم تعد تقليدية، بل تتطور باستمرار لتتجاوز أنظمة الحماية المعروفة، ما يجعل من الصعب الاعتماد على أساليب الدفاع التقليدية فقط.

تتطور التهديدات السيبرانية بسرعة وتشمل التصيد الاحتيالي والبرمجيات الخبيثة والاختراقات واسعة النطاق (شاتوستوك)

الأنظمة التنظيمية... ضرورة وليست كافية

في مواجهة هذه المخاطر، تعمل المؤسسات المالية ضمن أطر تنظيمية صارمة تشمل التشفير والمصادقة متعددة العوامل والتدقيق المستمر. لكن الدراسة تشير إلى أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا توفر حماية كاملة.

فالقوانين والتقنيات يمكن أن تقلل من المخاطر، لكنها لا تلغيها. إذ تبقى هناك فجوة بين ما يمكن للنظام التقني تحقيقه، وما يمكن أن يحدث نتيجة سلوك المستخدم أو تطور الهجمات.

العامل البشري... الحلقة الأضعف

من أبرز ما تؤكد عليه الدراسة أن المستخدم نفسه يمثل أحد أهم نقاط الضعف في النظام. فحتى مع وجود أنظمة حماية متقدمة، يمكن لخطأ بسيط مثل الضغط على رابط مزيف أو استخدام كلمة مرور ضعيفة أن يؤدي إلى اختراق كامل. وتشير النتائج إلى أن التوعية تلعب دوراً محورياً في تقليل هذه المخاطر. فتعليم المستخدمين كيفية التعرف على محاولات الاحتيال، واستخدام كلمات مرور قوية، وعدم إعادة استخدامها عبر منصات مختلفة، يمكن أن يكون له تأثير كبير على مستوى الأمان.

بناءً على ذلك، تقترح الدراسة أن حماية البيانات المالية يجب أن تعتمد على مقاربة شاملة تجمع بين التكنولوجيا، والتنظيم، والسلوك البشري.

فبدلاً من التركيز على أداة واحدة، يجب بناء نظام متكامل يأخذ في الاعتبار جميع نقاط الضعف المحتملة. وهذا يشمل تطوير تقنيات أكثر ذكاءً، وتحديث التشريعات بشكل مستمر، وتعزيز وعي المستخدمين.

الثقة عامل حاسم

لا تتعلق المسألة فقط بحماية البيانات، بل بالحفاظ على الثقة في النظام الرقمي ككل. فكل اختراق لا يؤثر فقط على المستخدم المتضرر، بل ينعكس على ثقة المستخدمين الآخرين في الخدمات الرقمية.

وتحذر الدراسة من أن فقدان هذه الثقة قد يكون له تأثير أوسع على الاقتصاد الرقمي، حيث يعتمد جزء كبير من النشاط الاقتصادي اليوم على التعاملات الإلكترونية.

تشير الدراسة إلى أن التحدي الحقيقي في حماية البيانات المالية لا يكمن في تطوير تقنيات جديدة فقط، بل في القدرة على دمج هذه التقنيات ضمن منظومة أوسع تشمل الإنسان والتنظيم.


«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
TT

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

أصبح بالإمكان استخدام «شات جي بي تي» (ChatGPT) داخل نظام «كاربلاي» (CarPlay) من «أبل»، في خطوة تعكس توسع حضور الذكاء الاصطناعي خارج الهاتف نحو بيئات الاستخدام اليومية مثل السيارة. ومع تحديثات «26.4 iOS » الأخيرة، فتحت «أبل» المجال أمام تطبيقات المحادثة الصوتية للعمل داخل «CarPlay»؛ ما يتيح للمستخدمين التفاعل مع أنظمة، مثل «تشات جي بي تي»، أثناء القيادة.

هذه الخطوة تبدو للوهلة الأولى امتداداً طبيعياً لانتشار الذكاء الاصطناعي، لكنها في الواقع تمثل تحولاً أوسع في كيفية استخدام هذه التقنيات، من واجهات تعتمد على الشاشة إلى تفاعل صوتي مستمر ومندمج في السياق اليومي.

تجربة صوتية بالكامل

على عكس استخدام «شات جي بي تي» على الهاتف أو الحاسوب، تقتصر التجربة داخل «كار بلاي» على الصوت. لا توجد واجهة نصية، ولا إمكانية لعرض الإجابات على الشاشة. بدلاً من ذلك، يعتمد التفاعل على طرح الأسئلة واستقبال الإجابات صوتياً، بما يتماشى مع متطلبات السلامة أثناء القيادة.

هذا القيد ليس تقنياً فقط، بل تصميمي أيضاً؛ فبيئة السيارة تفرض نمط استخدام مختلفاً، حيث يجب أن تكون التجربة بسيطة وسريعة ولا تتطلب انتباهاً بصرياً مستمراً. وفي هذا السياق، يصبح الصوت هو الوسيط الأساسي، وليس مجرد خيار إضافي.

لا يزال «سيري» المساعد الأساسي بينما يعمل «شات جي بي تي» بوصفه خياراً مكملاً وليس بديلاً (شاترستوك)

كسر احتكار «سيري»... جزئياً

لفترة طويلة، كان «سيري» المساعد الصوتي الوحيد داخل «كار بلاي». لكن التحديثات الأخيرة تشير إلى بداية انفتاح النظام على خدمات ذكاء اصطناعي خارجية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن «ChatGPT» حل محل «سيري»؛ فلا يزال «سيري» المساعد الافتراضي، ولا يمكن استبداله بالكامل. كما أن استخدام «شات جي بي تي» يتطلب فتح التطبيق بشكل يدوي، ولا يدعم أوامر تنشيط مباشرة مثل «Hey Siri». وهذا يضعه حالياً في موقع مكمل، وليس بديلاً.

رغم أن إدخال «شات جي بي تي» إلى «كاربلاي» يمثل خطوة لافتة، فإن قدراته داخل السيارة لا تزال محدودة. فهو لا يستطيع التحكم بوظائف السيارة، ولا الوصول إلى إعدادات النظام، ولا التفاعل العميق مع تطبيقات أخرى. بمعنى آخر، ما نراه اليوم هو وصول الذكاء الاصطناعي إلى السيارة، وليس اندماجه الكامل فيها.

لكن الأهمية لا تكمن في الوظائف الحالية بقدر ما تكمن في الاتجاه الذي تشير إليه؛ فوجود «ChatGPT» داخل «CarPlay» يعكس تحول السيارة إلى مساحة جديدة للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الهاتف والحاسوب.

تظل قدرات «شات جي بي تي» داخل السيارة محدودة دون تكامل عميق مع النظام أو وظائف السيارة (أ.ف.ب)

السيارة بوصفها واجهة جديدة للذكاء الاصطناعي

ما يتغير هنا ليس فقط مكان استخدام الذكاء الاصطناعي، بل طبيعته أيضاً. ففي السيارة، لا يكون المستخدم جالساً أمام شاشة، وإنما يصبح منخرطاً في القيادة. وهذا يفرض نمطاً جديداً من التفاعل، يعتمد على الصوت والسياق والاختصار. في هذا النموذج، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه «مرافقاً رقمياً» يمكنه الإجابة عن الأسئلة، وتقديم معلومات، أو حتى المساعدة في مهام بسيطة أثناء التنقل.

وهذا يفتح الباب أمام استخدامات محتملة تتجاوز ما هو متاح حالياً، مثل التفاعل مع أنظمة الملاحة، أو تقديم توصيات سياقية، أو إدارة بعض جوانب الرحلة.

ورغم هذه الإمكانات، لا تزال التجربة في مراحلها الأولى. فغياب التكامل العميق، والاعتماد الكامل على الصوت، وضرورة تشغيل التطبيق يدوياً، كلها عوامل تحد من سهولة الاستخدام.

كما أن هناك تساؤلات أوسع تتعلق بمدى الحاجة الفعلية لمثل هذه الخدمات داخل السيارة. فكثير من المستخدمين يعتمدون بالفعل على أنظمة قائمة مثل «سيري» أو مساعدات الملاحة؛ ما يطرح سؤالاً حول القيمة المضافة التي يقدمها «شات جي بي تي» في هذا السياق.

من الصعب النظر إلى هذه الخطوة بوصفها ميزة منفصلة فقط. فهي تشير إلى تحول تدريجي في دور الذكاء الاصطناعي، من أداة تُستخدم عند الحاجة، إلى جزء من البيئة المحيطة بالمستخدم.

في هذا الإطار، تصبح السيارة واحدة من عدة نقاط اتصال مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المنزل والمكتب والهاتف. ومع استمرار تطور هذه الأنظمة، قد يتحول هذا التفاعل من تجربة محدودة إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية.