مواقع التواصل الاجتماعي أمام تحد هز العالم

ربع سكان العالم يستخدمون «فيسبوك».. وفوز ترامب ليس سوى قمة جبل الجليد

مواقع التواصل الاجتماعي أمام تحد هز العالم
TT

مواقع التواصل الاجتماعي أمام تحد هز العالم

مواقع التواصل الاجتماعي أمام تحد هز العالم

مع بداية تقبُّل صناعة التكنولوجيا لنتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت الأسبوع الماضي والتي جاءت على غير ما توقعت، فقد خلُص كثيرون في وادي السيليكون «سيليكون فالي» إلى أن انتشار المعومات المغلوطة وتداولها عبر الإنترنت كان السبب الرئيسي في النتائج المفاجئة للسباق.
الاثنين الماضي، غير موقعا «غوغل» و«فيسبوك» سياستهما الإعلانية لتصبح أكثر حسما في مواجهة المواقع التي تنشر الأخبار الكاذبة وتتكسب منها، وهي الخطوة التي جاءت في محلها، وإن تأخرت كثيرا. فقد أضعفت الإنترنت من حالة التوافق الجمعي بشأن حقيقة ما، وبات من الضروري مواصلة الجهد لمواجهة ذلك المنحى المرعب.
وسيكون الخطأ كبيرا لو أننا توقفنا عن السعي والتحري لمعرفة مصادر وأسباب انتشار الأخبار الكاذبة. في الحقيقة، فإن خطورة انتشار الأكاذيب ليست سوى كشف لحقيقة أعمق أخذت في الانتشار في العالم، وهي أنه مع انكفاء العالم على مواقع مثل «فيسبوك»، و«واتساب»، و«ويتشات»، و«إنستغرام»، و«تويتر»، و«يبدو»، وغيرها من المواقع الخدمية التي باتت تحظى بشعبية كبيرة، فقد باتت مواقع التواصل الاجتماعي تمثل قوى ثقافية وسياسية متنامية للدرجة التي جعلتها قادرة على تغيير مجرى الأحداث العالمية.
ربما كان انتخاب دونالد ترامب المثال الأوضح في العالم بأسره، على أن مواقع التواصل الاجتماعي قد ربطت المجتمع الإنساني حول العالم بأسلاك، وتفوقت على الإعلام التقليدي حتى في مزاياها السياسية وفي جمع التبرعات وفي تحقيق أقصى استفادة من الإعلانات. كذلك تسببت مواقع التواصل في زعزعة استقرار المؤسسات الإعلامية التقليدية وحلت محلها في مخاطبة مختلف الشرائح والاتجاهات، ومنها الأحزاب السياسية والمنظمات الدولية، وفي معالجة المحظورات الاجتماعية وفي التصدي للمصطلحات العنصرية ورهاب الأجانب.
والأهم هو أنه بفضل حرية التواصل بين الأفراد التي تمنحها تلك المواقع، فإنها تساعد على خلق كيانات اجتماعية مؤثرة وسط الجماعات التي كانت مهمشة حتى وقت قريب. وتتنوع هذه الحركات بدرجة كبيرة من ناحية الشكل، بدءا من جماعات اليمينيين من العنصريين البيض في الولايات المتحدة، إلى أنصار الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، إلى تنظيم داعش في الشرق الأوسط، إلى تجمعات قراصنة الإنترنت في أوروبا الشرقية وروسيا. لكن ما يحدث الآن هو أن كل جماعة من تلك الجماعات التي لم يكن لأحد أن يتوقع لها أن تصبح قوة يوما ما أخذت في الالتحام لتنتج في النهاية ما يشبه نوبات جيوسياسية نشطة وغير متوقعة، تعمل على زعزعة الاستقرار.
قال إيان بريمر، رئيس مجموعة «الأوراسيا» البحثية المعنية برصد المخاطر العالمية، إن «هناك الآن بلايين الناس على الإنترنت، وأغلبهم ليس سعيدا بالوضع الراهن، ويعتقدون أن حكوماتهم فاشستية وأنهم يقفون على الجانب الخطأ، ويشعرون بالاضطهاد نتيجة سياسة الهوية وتلاشي الطبقة المتوسطة».
كثير من العناصر كانت تشير إلى فوز ترامب، مثل قلق الطبقة الصناعية المتوسطة في الغرب الأوسط «ميد ويست» والرغبة في التغيير على المستوى الوطني، والمزيج من العنصرية الكامنة ورهاب الأجانب، والتمييز على أساس الجنس في مراكز الاقتراع. لكن حتى وفق اعتراف ترامب نفسه خلال مقابلة صحافية مع برنامج «60 دقيقة» الذي يذاع كل أحد، فقد لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا حاسما في السباق.
ففي الماضي، قال بريمر، ربما لم يهتم كثيرون بحالة القلق التي انتابت أنصار ترامب، وكان ترشحه عرضة للفشل. ودوليا، استبعد غالبية النقاد الكبار احتمالية فوزه، وواجه مشكلات في التمويل والتنظيم والقدرة على إقناع النخب السياسية التقليدية، غير أن رسالة ترامب التي كتبها للناس على الإنترنت كان لها صدى كبير وبات الأعلى كعبا في الكيانات السياسية كافة.
أضاف بريمر: «فمن خلال هذه التكنولوجيا الجديدة، بات بمقدور الناس الآن التعبير عن مظالمهم واتباع من يرون أنه يستجيب لمظالمهم. فلولا مواقع التواصل الاجتماعي لما كان لترامب أن يفوز».
أما بالنسبة لمن يتطلعون للعيش في عالم منظم وخال من المفاجآت، فبكل تأكيد سيرون «فيسبوك» مخيفا، ليس لأنه مليء بالأكاذيب (وهي مشكلة قابلة للحل)، لكن لأن مداه واتساعه يجعله قادرا على تغيير مجريات التاريخ بكل جرأة وبصورة غير متوقعة.
لكن هذا هو ما وصلنا إليه، ولذلك فقد حان الوقت كي ندرك أن شبكات التواصل الاجتماعي باتت بالفعل قوى لتمزيق العالم كما وعد مؤيدوها قبل زمن، وبات من الضروري أن نفزع من كل ما تقذف به في وجوهنا من تغييرات اجتماعية هائلة، لا أن نبتهج بها.
ليست هناك مفاجآت، حيث إننا نعيش نمطا غريبا من المدينة الفاضلة التي ارتأى البعض أن مواقع التواصل سوف تطلقها.
فعلى مدار أغلب فترات العقد الماضي، شاهدنا حركات اجتماعية تقدمية شكلت الإنترنت قوتها الدافعة حول العالم. فقد شاهدنا الثورة الخضراء في إيران، والربيع العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي الولايات المتحدة، شاهدنا حركة «فلنحتل وول ستريت» واحتجاجات «بلاك لايفس ماترز» التي قام بها السود.
والعام الحالي في بريطانيا، لعب الحشد على «فيسبوك» دورا مهما في الدفع غير المتوقع باتجاه خروج بريطانيا من منظومة الاتحاد الأوروبي. وفي الفلبين، نجح رودريغو دتريت، وهو عمدة مدينة كان قد واجه حربا شرسة من قبل خصومه، في حشد حملة تأييد واسعة على الإنترنت، وفي النهاية تمكن من الفوز برئاسة البلاد.
كذلك استخدم تنظيم داعش مواقع التواصل الاجتماعي في تجنيد المتطرفين من جميع أنحاء العالم، للحرب في العراق وسوريا، وأيضا لتكون مصدر إلهام للإرهابيين حول العالم لتنفيذ عمليات مشابهة.
وفي الولايات المتحدة، قام برني ساندرز، وهو اشتراكي ترشح للرئاسة، وترامب الذي صب عليه غالبية أعضاء الحزب الذي يتزعمه الآن اللعنات، بحشد حركات في الإنترنت لتغيير الوضع على الأرض.
لماذا كل هذا الآن؟ يرى كلاي شيركي، الأستاذ بجامعة «نيويورك» الذي درس تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي، أن هناك عدة عوامل قد تكون سببا لما يحدث، وهي كالتالي:
أولا، ضخامة حجم «فيسبوك» الذي شكل ما يشبه الملحمة. فالشهر الماضي، أفادت الشركة بأن نحو 1.8 مليار شخص الآن يستخدمون تلك الخدمة كل شهر. ولأن شبكات التواصل تغذي عمليات تبادل التفاعل بين المجموعات، فقوتهم تزداد مع زيادة أعدادهم. وبعدما بات نحو ربع سكان العالم الآن يستخدمون «فيسبوك»، أصبحت الاحتمالات مذهلة.
ومن ضمن التأثيرات الاجتماعية ما يطلق عليه شيركي «تغيير نافذة أوفرتون»، وهو المصطلح الذي ابتكره الباحث جوسيف أوفرتون في وصفه لنطاق الأشياء التي يعتبرها الإعلام التقليدي مقبولة شعبيا ومن الممكن مناقشتها.
ومنذ أوائل الثمانينات حتى بداية العقد الماضي، لم يكن يروق للساسة قبول الأفكار التي يراها غالبية المجتمع خارج التفكير الجمعي، مثل الدعوات الصريحة للتحيز العنصري (رغم بعض الاستثناءات التي شهدناها في حالات مثل إعلانات ويلي هورتون)، غير أن الإنترنت غيرت تلك النافذة.
وفي ذات السياق أفاد شيركي: «لم يكن التحيز للعرق الأبيض واضحا بسبب الجهل بنطاق التعددية. فكل شخص كان يجلس في غرفته وحيدا أمام شاشة التلفزيون يصرخ في المهاجرين، أو من كان يريد القول إن المسيحيين البيض أكثر ولاء لوطنهم من غيرهم من الأميركيين، لم يكن لديهم علم بعدد من يشاركونهم نفس الآراء».
لكن بفضل الإنترنت، أصبح كل صاحب رؤية معيبة في السابق يرى أنه ليس وحده من يرى ذلك. وعندما تقابل هؤلاء الناس، أصبحوا قادرين على أن يفعلوا شيئا ما، وعلى تبادل الأفكار والتعليقات والكلمات القادرة على تعزيز رؤياهم ثم الانطلاق بها لتشكل تيارا سائدا. كذلك أصبحت مجموعات الإنترنت أهدافا جاهزة للساسة مثل ترامب، ممن يدركون طاقتهم وحماسهم ويعتمدون عليها لتحقيق الانتصارات في العالم الحقيقي. ويشير شيركي إلى أن «نافذة أوفرتون» لا تتحرك إلى اليمين فقط، إذ إننا نراها تتحرك لليسار أيضا. فكانت الحملة موجهة لمنصة المناهضين لحي المال «وول ستريت»، وهو أمر ما كان ليتخيله أحد بالنسبة لديمقراطي حتى عقد واحد مضى.
والآن، وبعد خسارة كلينتون، فإن الطريق لتقدم الديمقراطية سوف يحدده في الغالب مستخدمو «فيسبوك» كما ستحدده الصفوة في واشنطن. ونتيجة لذلك، فغالبا سنرى مرشحين غير متوقعين ومواقف سياسية غريبة أكثر مما اعتدنا في الماضي، وستكون النتيجة هي مزيد من الأحداث غير المسبوقة. أضاف شيركي: «بكل تأكيد سنرى كثيرا من المرشحين المتمردين، وكثيرا من التأثيرات الاجتماعية».
فترامب ليس سوى قمة جبل الجليد، ولننتظر جميعا أوقاتا مسلية مقبلة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.