روسيا تعزز دفاعاتها وراء القوقاز

تنشر منظومة «إسكندر» الصاروخية في أرمينيا بعد سوريا

روسيا تعزز دفاعاتها وراء القوقاز
TT

روسيا تعزز دفاعاتها وراء القوقاز

روسيا تعزز دفاعاتها وراء القوقاز

وصف الرئيس الأرميني سيرج ساركيسيان نصب روسيا على أراضي بلاده منظومة الصواريخ المتطورة «إسكندر»، بأنه «أمر اضطراري يرمي إلى الحفاظ على الاستقرار في المنطقة»، مضيفا أن «الهدف من نشر إسكندر هو تحقيق التوازن العسكري في المنطقة». إلا أن أهداف روسيا من ذلك تتجاوز مجرد احتواء النزاع الأرميني - الأذري حول قره باخ.
الرئيس ساركيسيان ربط هذا التحرك الروسي كخطوة موازية لإمكانيات منافسته أذربيجان، مضيفا أن «أذربيجان كانت قد اقتنت خلال السنوات الماضية أحدث أنواع الأسلحة»، بينما «لا تتوفر لدى أرمينيا إمكانات مالية (لشراء الأسلحة مثل أذربيجان)». وأوضح أن أرمينيا لهذا السبب تبحث دوما على سبل للعثور على «مضاد للسم»، واصفا نشر منظومة إسكندر على أراضي بلاده في هذا السياق بأنها «مضاد للسم».
ومن الواضح أن الرئيس الأرميني ينظر إلى تعزيز روسيا لوجدها العسكري على الأراضي الأرمينية انطلاقا من حاجته لامتلاك القوة العسكرية على خلفية النزاع الدائر منذ مطلع التسعينات مع الجارة أذربيجان حول إقليم «قره باخ»، وهو يعول في هذا الشأن على التعاون العسكري مع روسيا بصورة خاصة، وينظر إلى دورها في المنطقة على أنه عامل استقرار. إذ أشار في تصريحاته إلى «الاتفاق بين موسكو ويرفان حول الحفاظ على موازين القوى في المنطقة»، ودوما يقصد ميزان القوى بين أرمينيا وأذربيجان. الرئيس الأرميني يضع تلبية روسيا للطلب الأرميني بنشر منظومة إسكندر المتطورة في سياق إدراك روسيا لأهمية هذا الأمر.
ومع إشادته بالتعاون العسكري مع موسكو فإن الرئيس الأرميني ما زال يرى أن تسوية النزاع حول إقليم قره باخ ممكنة عبر الحلول الوسط فقط، معيدا إلى الأذهان ما قال إنها مبادئ رئيسية للتسوية تم وضعها في إطار مجموعة مينسك الخاصة بالنزاع في قره باخ، موضحا أن «المبادئ هي: عدم اللجوء إلى العنف أو التهديد باللجوء للعنف، وحدة أراضي الدول، والمساواة بين الشعوب في حقها بتقرير مصيرها»، مشددا على استعداد بلاده للعودة إلى المفاوضات مع أذربيجان على أساس تلك المبادئ.
الحاجة بقوة عسكرية تضمن الأمن ولاستقرار في المنطقة عبر تشكيل عامل ردع يحول دون تجدد النزاع بين أرمينيا وأذربيجان ويدفعهما للتمسك بالخيار السياسي للخروج من الأزمة، نقطة رئيسية تتقاطع فيها مصلحة موسكو ويرفان بالانتشار العسكري الروسي على الأراضي الأرمينية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن القاعدة العسكرية الروسية في أرمينيا، وتحديدا في مدينة غيومري على بعد 126 كلم عن العاصمة الأرمينية يرفان، هي آخر قاعدة تحتفظ بها روسيا في المنطقة المعروفة باسم الدائرة العسكرية لمنطقة ما وراء القوقاز، وكانت تضم قواعد في جورجيا وأرمينيا وأذربيجان في الحقبة السوفياتية. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي اضطرت روسيا لسحب قواتها من تلك الجمهوريات في سنوات مختلفة، بينما تمكنت من الاحتفاظ بقاعدتها في أرمينيا حيث تعرف حاليا باسم «قاعدة الوحدة المؤللة 102» وتقوم بالمناوبة القتالية في إطار منظومة الدفاع الجوي المشتركة لرابطة الدول المستقلة، وتخضع لقيادة مجموعة القوات الروسية في منطقة ما وراء القوقاز التابعة للمديرية العسكرية الجنوبية. ويبلغ عدد الأفراد في تلك القاعدة 4 آلاف ما بين جندي وضابط، وتتقسم إلى قوات دفاع جوي مزودة بما في ذلك بمنظومة «إس – 300»، وقاعدة جوية تستخدم مطار إيريبوني وتضم مقاتلات «ميغ - 29) ومروحيات «مي - 24 ب» و«مي - 8 م ت»، هذا فضلا عن منظومة إسكندر التي تم نشرها مؤخرا.
في السياق ذاته تحتفظ روسيا حتى الآن بقواعد عسكرية جوية وبحرية على البحر الأسود في جمهورية أبخازيا التي انفصلت عن جورجيا. وكانت تلك القوات وقوامها 4 آلاف فرد تقوم بقرار من رابطة الدول المستقلة بمهام حفظ السلام في منطقة النزاع بين جورجيا وأبخازيا مطلع التسعينيات. وبعد إعلان أبخازيا انفصالها عن جورجيا قررت روسيا بالاتفاق مع القيادة الأبخازية نشر قوة عسكرية روسية بصورة دائمة هناك تشمل قوات جوية وبحرية وقوات دفاع جوي مزودة هي الأخرى بمختلف أنواع الدفاعات الجوية، بما في ذلك منظومة «إس – 300» الشهيرة.
وجاء نشر روسيا قوات جوية وبحرية ومنظومات دفاع جوية صاروخية حديثة في سوريا ليشكل نقلة نوعية في إطار تعزيز موسكو لنفوذها جنوبا، حيث نقلت ما يمثل بالنسبة لها «الجبهة الجنوبية» بعيدا عن الحدود الروسية، دون أن يكون عمل المنظومات القتالية المختلفة التي تم نشرها في سوريا منفصل عن عمل متكامل لمجموعات القوات في مناطق ما وراء القوقاز. فعلى الأراضي السورية توجد اليوم منظومات «اسكندر - إم» و«إس - 400» و«إس - 300» الصاروخية للدفاع الجوي، فضلا عن منظومة صواريخ «باستيون» الساحلية القادرة على ضرب أهداف بحرية عائمة وأهداف برية. وحسب تقديرات خبراء عسكريين غربيين فإن وجود هذه المنظومات الصاروخية معا في منطقة واحدة يجعل منها قوة قادرة على تحقيق العقيدة العسكرية الروسية المعروفة باسم «منطقة حظر الدخول».
وبعد نشر «إسكندر» في أرمينيا إلى جانب «إس - 300»، تكون روسيا قد أقامت منطقة «حظر» أخرى، بوسع منظومات الدفاع الجوي والمنظومات الصاروخية الأخرى العاملة فيها التصدي لأي ضربات جوية أو صاروخية، واستهداف مواقع الدفاع الجوي والمطارات والمنشآت الحربية للخصم على بعد 500 كلم. ومن غير الواضح ما إذا كانت روسيا قد نشرت «اسكندر» في أبخازيا كذلك لكن أغلب الظن أنها قد نشرت هناك منظومة «باستيون»، وبهذا تكون لديها ثلاث مناطق «حظر» على امتداد أكثر من 1500 كلم على حدودها الجنوبية، هذا دون الأخذ بالحسبان المساحات الإضافية التي يمكن للأسلحة المحمولة على مجموعات السفن الروسية في البحرين الأسود والمتوسط تغطيتها.
ويشكل الدور الروسي في النزاعات في المناطق المذكورة أرضية استفادت منها موسكو في نشر قواتها. ففي الحالة السورية تم التوقيع على اتفاقية غير محدودة الأجل تسمح لموسكو بالاحتفاظ بقاعدتها الجوية في مطار حميميم والبحرية في ميناء طرطوس مقابل الدعم الروسي لنظام الأسد، وفي أرمينيا تم توقيع اتفاقية تسمح للقوات الروسية بالبقاء هناك حتى عام 2044، حيث ترى القيادة الأرمينية أن وجود تلك القوات هناك يشكل عامل ردع وتوازن في المواجهة مع أذربيجان، رغم أن روسيا تؤكد في الحالة الأرمينية عدم دعمها أي من طرفي النزاع حول قره باخ. وفي أبخازيا فإن روسيا كانت دوما تقدم الدعم في المواجهة مع جورجيا، وقامت عام 2008 بالتصدي للقوات الجورجية حين شنت هجوما عسكريا واسعا على أبخازيا لاستعادة السيطرة عليها، ويحمل انتشار قواتها هناك حاليا طابع «انتشار بصورة دائمة».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.