مهرجان {ترايبكا} ينطلق في جو من المنافسة المتعددة بنيويورك

يجمع بين المستقل والوافد وأفلام المرأة

TT

مهرجان {ترايبكا} ينطلق في جو من المنافسة المتعددة بنيويورك

انطلقت الدورة الثالثة عشرة لمهرجان ترايبكا مساء يوم أمس الأربعاء وتستمر حتى السابع والعشرين من الشهر وفي حاضنتها أكثر من مائة فيلم تقوم بعرضها على قاطني مدينة نيويورك من الذين باتوا زبائن دائمين لمشروع أقدم عليه الممثل روبرت دينيرو وصحبه مباشرة بعد عملية الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001.
آنذاك، صرّح الممثل أن هذا المهرجان‪«مطلوب اليوم للتأكيد على أن المدينة لن تتراجع عن كونها ملتقى ثقافات من حول العالم» وأن هويّتها الفنية «لن تتأثر».
المثقفون وهواة السينما والإعلاميون رحبوا بالمهرجان الوليد أيما ترحيب. كيف لا وهو قرن القول بالفعل وجمع لنفسه المواهب والأفلام عاما بعد عام؟ لم يعبّر عن مقاومة مدينة فحسب، بل عن الحاجة لتفعيل الفن والثقافة في مواجهة عالم يخطط لتقويضهما.
لكن هناك شيء ما مواز أخذ يتبلور خلال السنوات القليلة الماضية. فكلما ابتعدت المسافة الزمنية عما حدث لنيويورك من مأساة، بدا المهرجان وقد انفصل عن ذلك الجزء من الحاجة التي توسّم العمل لتأمينها. اليوم، هو أقرب لأن يكون حدثا سينمائيا آخر تعرفه المدينة وتشهده سلسلة المهرجانات الدولية المتتابعة. ما يميّزه لم يعد هوية جديدة بقدر ما أصبح مرتبطا بنجاح البحث عن أفلام ذات قيمة. عملية مجهدة كما يعرف كل من أشرف أو لا يزال على برمجة واحد من المهرجانات السينمائية وعددها اليوم، من دون مغالاة، بالألوف.
دفع ذاتي
الواقع أن المهرجان لا يستطيع الاتكال على أعمال المخرجين الكبار وحدهم. هؤلاء لديهم مهرجانات كان وبرلين وفينيسيا، في المقام الأول، وبضعة اختيارات أخرى بالغة الأهمية مثل تورونتو. حتى مهرجان توليارايد القابع في أعالي جبال ولاية كولورادو بات ملهما بسبب نجاحه في اختياراته التي تبقى سرّا حتى أيام قليلة جدّا قبل الافتتاح. كذلك لا يزال ترايبكا ثانيا في محيط استقطاب المخرجين الجدد (الذين يشكّلون هذه السنة النسبة الغالبة من المخرجين المشاركين) بعد مهرجان «صندانس» الذي يديره منذ نحو ثلاثين سنة روبرت آخر هو روبرت ردفورد.
المأزق، الذي لا يتحدّث عنه أحد، هو أن صندانس، في هذا المجال، هو من استقطب هوليوود التي باتت تفد إليه لاكتشاف هذه المواهب الجديدة التي يأتي بها المهرجان من عوالم الغيب. ترايبكا لا يملك سوقا وهوليوود ليست حاضرة فيه. هذا يعني أنه في الوقت الذي يمنح فيه غياب السوق ثقلا ثقافيا شبه صاف للمهرجان النيويوركي، فإن هذا الغياب يؤثر، ولو إلى حد، في دفع ترايبكا إلى الأمام ليتقدّم على ما وصل إليه من مكانة في السنوات السابقة.
على ذلك، هناك ما يشكّل دافعا ذاتيا لهذا الجهد الكبير الذي يبذله «ترايبكا» كل سنة للحفاظ على مكانته. إنه، في نهاية المطاف، مهرجان للأفلام المستقلة. وإذا ما نجح «صندانس»، الذي يقع في مستهل كل سنة، في لعب دور الجسر بين المخرج المستقل والاستوديو الهوليوودي لجانب نجاحه في جذب مواهب أسست نفسها هناك عبر عقود، فإن ترايبكا فهم أن الدور المناط به يجب أن يكون فعل الشيء ذاته على الجانب الآخر من البلاد. طبعا، وجود الاستوديوهات الأميركية الكبيرة ليس ملحوظا البتّة فيه، لكن شركات التوزيع الصغيرة التي تبحث عن الفيلم الذي لم يكلف كثيرا لكي تشتريه بمبلغ محدود يمكّنها من تحقيق ربح لا بأس به عبر توزيعه في الصالات المستقلة في طول وعرض الولايات المتحدة، حاضرة. إنها مغامرة كون حسابات «الحقل قد لا توافق حسابات البيدر» كما يقول المثل المعروف، خصوصا أن السينما المستقلة شهدت انتكاسة كبيرة في الأعوام الخمسة الأخيرة. الجمهور وقد تعددت الوسائط أمامه، بات أقل هتافا للنوع المستقل حتى وإن حمل أسماء ممثلين معروفين في بعض الأحيان.
ما يؤمن القدر الأكبر من الترويج والاهتمام حقيقة أن السلطة الرابعة تخدم هذا المهرجان جيّدا لأن نيويورك مركز إعلامي (بالصوت والصورة والكلمة المطبوعة) متقدّم عن أي مدينة أميركية أخرى. فيها تتوزع كبريات الصحف («ذا نيويورك تايمز» مثلا) وتتجاذبها مجلات أسبوعية ثقافية شاملة (مثل «ذا نيويوركر» و«نيويورك» و«فيلاج فويس») وهذه تضمن تغطية شاملة لكل ما يجول في المهرجان من نشاطات وعروض.
ومن يراجع ما كتبته مسبقا لبدء الدورة الجديدة، يجد أنها اتفقت على أن الدورة تشهد هذا العام انصبابا كبيرا على أفلام إما من إخراج شبّان جدد، أو ذات مواضيع شبابية أو - في الكثير من الأحوال - لقاء ما بين مخرجين شبّان بمواضيعهم الشبابية معا.
حياة شابّة
أحد هذه الأفلام هو «غبريال» الذي يرصد حياة شاب خرج من المصحّة النفسية ليواجه العالم الذي كان سببا في دخول المصحّة أساسا. الفيلم من إخراج الجديد لو هاو وبطولة روري كولكين وهو واحد من 55 فيلم برميير لم يسبق لها أن عُرضت في أي مكان من العالم.
في «خمسة نجوم» يقدّم كيث ميلر حكاية ضياع آخر في نيويورك. البطولة هنا في نطاق فتيان سقطوا باكرا في الفخ فنجد حكاية فتى خسر والده في معركة بين عصابتين من عصابات الحي الشرقي من نيويورك ليجد نفسه وقد أصبح مقرّبا من تاجر مخدرات ذي دراية وخبرة شوارع. الفيلم ليس من أفلام التشويق والعصابات، بل كناية عن قدر من الدراسة في حياة الشوارع في عالم متضارب يواجه فيه المراهقون خيارات غير ملائمة.
وما في نيويورك نراه متمثلا في المكسيك: ها هو الفيلم الأول لمخرج جديد اسمه ألونسو روزيبالاشيوس وعنوانه «جيوروس» يدور حول توهان آخر: فتى يبحث عن مغن ذائع الصيت ليتعرّف شخصيا عليه. خلال رحلته ينظر المخرج إلى ما يقع في الجوار من أوضاع شبابية: مظاهرات الطلاب، ضياع المراهقين، العالم غير المستقر وتوهان البحث فيما قد لا يكون مجديا.
هذه الغلبة للأفلام الصغيرة والمستقلة لا تستطيع وحدها تلبية رغبات الجمهور المتحلق حول صالات السينما الذي يحتاج إلى أسماء كبيرة أو معروفة أو إلى أفلام أكثر تنوّعا ونضجا. هنا يجد المهرجان في دورته الجديدة نفسه وقد احتاج لجمع عدد من الأفلام التي سبق لها وأن عرضت في مهرجانات أخرى. في ذلك يستعير جانبا من نشاطات مهرجان «نيويورك» (الذي ينعقد في الشهر العاشر من كل سنة) والذي يحرص على عرض جديد ما تم عرضه في المهرجانات الدولية قبله. وغني عن القول أن إدارة مهرجان «نيويورك» الذي انطلق من الستينات لم تكن مبتهجة بمهرجان يقاسمها تمثيل المدينة على نطاق المهرجانات الدولية، لكن المنافسة الحالية، وإن كانت موضوعة في قمقم مختوم، مرئية، خصوصا أن كلا المهرجانين يستحوذ كذلك على نصيب كبير من الأفلام الجديدة والشابة في برنامجه.
في هذا الصدد، بين ما يجلبه المهرجان من أفلام سبق عرضها، فيلم رومان بولانسكي الأخير «فينوس في الفراء» الذي عرضه مهرجان «كان» قبل سنة لكنه لم يثر الكثير من الاهتمام كما فعلت أفلام بولانسكي السابقة.
ويستقطب المهرجان أيضا فيلم المخرجة كيلي رايشارد «حركات ليلية» الذي لم يحدث، أيضا، الصدى ذاته الذي أحدثه فيلمها السابق «اختصار ميك». فيلمها الجديد عبارة عن صرخة تضيع بعد قليل من إطلاقها ضد إفساد الحياة البيئية يضطلع ببطولتها جيسي أيزنبيرغ وداكوتا فانينغ وبيتر سكارسغارد: لقد حاولوا التعبير عن مناهضتهم لتلويث البيئة بمحاولة تفجير سد صغير فإذا بالمحاولة تتسبب في مقتل رجل بريء.
أفلام نسائية
بعيدا عن التحليلات السابقة وموضع المهرجان ومنافساته، نجد أن العدد الكبير من الأفلام المعروضة حافل بما يستوجب الاكتشاف. سواء بين تلك الأفلام المستقلة الصغيرة التي ذكرنا بعضها أعلاه أو تلك الأكبر شأنا كما الحال في الفيلم العاطفي «شخص ثالث» مع ليام نيسون بعيدا عن أفلام الأكشن الأخيرة، لجانب ميلا كونيس وأدريان برودي. الفيلم من إخراج بول هاجيز.
في «قبل أن أمضي» للممثلة سابقا كورتني كوكس، حكاية شاب يرغب في زيارة البلدة التي ولد فيها قبل أن ينفذ قرارا بالانتحار. معنا هنا الموهوب شون وليام سكوت لجانب أوليفيا ثيرلبي وكايت وولش.
وفي أول فيلم بين الممثلين القديرين (والمنتمين إلى جيل سابق أو أكثر) عنوانه «الحب غريب» لمخرج جديد هو آيرا ساكس، نجد جون ليثغو وألفرد مولينو يلعبان دوري شخصيّتين مثليّتين كانا استفادا من القانون الجديد الذي أتاح لهما الزواج، لكن الحياة ما زالت مقيّدة والمفارقات التي قد تقع بين أي زوجين طبيعيين قد تقع بينهما بما في ذلك اضطرارهما لمواجهة احتمال الانفصال. المقصود هنا كوميديا خالية من المشاهد التي من شأنها دفع الفيلم صوب فئة محددة لكي يستطيع إبلاغ مضمون اجتماعي خفيف الوطأة وترفيهي حول موضوعه.
والكثير مما هو معروض نسائي الصفة والاهتمام ونسائي الإخراج أيضا ومن بينها الفيلم التسجيلي عن الكاتبة سوزان سونتاغ وضعته المخرجة نانسي كايتس. سونتاغ كانت ناقدة اعتمدت منهجا من الكتابة الحرّة والمفتوحة اجتماعيا ونرى ذلك متمثلا في فيلم آخر من بطولة جليان جاكوبس وليتون ميتسر عنوانه «شريكتا حياة» لمخرجة (جديدة أيضا) اسمها سوزانا فوغل.
وعلى نحو أكثر جدة، نجد المخرجة آمي بيرغ تترك السينما التسجيلية وتنتقل - للمرة الأولى - صوب الفيلم الروائي في دراما حول امرأتين شابّتين تودعان السجن بعد اتهامهما بخطف طفل. بعد سبع سنوات تخرجان طليقتين وها هي حادثة خطف مماثلة تقع ما يجعل الشبهات تدور حولهما من جديد. الفيلم بعنوان «كل أمر سري» وبطلتاه هما داكوتا فانينغ ودانييل ماكدونالد.
الفيلم الذي يبدو لنا آيلا إلى الكثير من الاهتمام هو كوميديا من إخراج كارن لي هوبكنز التي خطت فيلما بعنوان «مس ميدوز»، أسندت بطولته إلى كاتي هولمز التي تؤدي فيه دور أستاذة مدرسة تنقل هدفها التقويمي للطلاب من المدرسة إلى خارج جدرانها وتتحوّل إلى قاتلة (طريقة تشارلز برونسون في «رغبة موت») تنتقم من مجرمي الشوارع التي تجوبها. هذا المنوال يبدو مناسبا وآمنا فهي بقيت لغزا أمام رجال القانون إلى أن وقعت في حب شريف المدينة (جيمس بادج دايل).



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».