د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

الناقد العراقي عمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس
TT

د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس

مع سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي - الغربي في أبريل (نيسان) 2003، اكتشف الناقد والأكاديمي العراقي الدكتور نجم عبد الله كاظم، معنى مختلفًا لـ«الآخر»، الذي ظلّ يدرسه باعتبار وجوده ضروريًا للوجود الإنساني برمته «من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر»، هكذا يقول، لكن بعد الغزو أصبح مهتمًا أكثر بدراسة الآخر وصوره علميًا وأكاديميًا ونقديًا، وذلك في الأدب، وبشكل خاص في الرواية. وتمخض مشروعه في دراسة الآخر في الأدب عن أربعة مؤلفات وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، التي تصب في هذا الموضوع، من بين كتبه: «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، و«الآخر في الشعر العربي الحديث».
مشروعه الآخر، كان العمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام، عبر مؤلفه «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» ضمن مشروع غير مكتمل لـ«الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019».

> درستَ موضوع «الآخر» في الأدب والشعر، وحصلتْ بعضُ دراساتكَ عن هذا الموضوع على جوائز عربية.. ماذا يعني لك «الآخر»؟
- بعيدًا عن تمثّله في الأدب والإبداع، يمثّل «الآخر» لي مكمِّلاً، بل أشعر بأن ليس من وجود إنساني حقيقي لي دونه، ولهذا تراني أريد الآخر دومًا، فأكون قريبًا منه بكل أنواعه؛ الآخر طائفيًا أو دينيًا أو قوميًا أو سياسيًا أو جنسًا. بل إني لأستغرب أنْ أجد الكثيرين لا يتقبلون إلا المشابه لهم، ولا أفهم لماذا يكتفون به بينما من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر. ولكن لأعترف بأنّ هناك نوعًا من الحيرة في الموقف الذي يجب أن نتخذه من الآخر أحيانًا، وهي عندي نشأت من رؤيتي لاحتلال الآخر - الأميركي وإلى حد ما الأوروبي - لبغداد، ورؤيتي لها في أعقاب عودتي إليها بعد غربة سبع سنوات، محتلّةً منه، ورؤية قسوته وهمجيته، مع تواصل حضور هذا الآخر - عينه تقريبًا، أعني الأوروبي والأميركي - في ذاكرتي بشكل أصدقاء وأحبة عشت وإياهم في بلدانهم وخبِرت تحضرهم ورقيّهم، بل تعلّمت منهم وتطورت بهم.
> لكن هذه الحيرة كانت حافزًا..
- نعم، هذه الحيرة إزاء هاتين الصورتين المتناقضتين جعلت دراسة الآخر وصوره موضوعي الأثير الذي أهتم به، ولكن في الأدب، وبشكل خاص في الرواية، أي علميًا وأكاديميًا ونقديًا، محاولاً حل إشكالات هذا التناقض، والإجابة عن أسئلة كثيرة تُثار فيها، وربما، على العكس، إثارة أسئلة أخرى. وهكذا جاءت أربعة من كتبي، وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، تصب في هذا الموضوع.
> وما سمات هذا «الآخر» في الأدب؟
- قد تشتبك مجموعة صور للآخر مع بعضها، وقد تحضر واحدة منها في هذا العمل وتحضر أخرى في عمل آخر. وكل ذلك يعتمد، بظني، على مجموعة عوامل، لعل أهمها اثنان، الأول تجربة الكاتب العملية والحقيقية، وأعني هنا تجربي أنا الشخصية مع الآخر، والثاني الرؤية الثقافية والفكرية وربما السياسية له التي تجعل الفرد باحثًا أو مفكرًا أو دارسًا أو قارئًا أو حتى إنسانًا عاديًا يرى الآخر، ولا سيما الغربي، بهذا الشكل أو ذلك، أو تسهم في صياغة هذه الرؤية وبالتالي رسم صورته.
> ومن أين يستمد وجوده؟
- في الأدب وفي الفن، يستمد وجوده من تجربة الكاتب ومن رؤيته الفكرية، وقد يمكن إضافة عوامل كثيرة تلعب دورًا أو أدوارًا في هذا الوجود وطبيعته، كما تطرقت إلى هذا فعلاً في دراساتي.
> هل تعريف الآخر معتمد على تعريف الذات؟
- بشكل أدق أقول: معرفتك بالآخر تنطلق في بدايتها على معرفتك لنفسك، بتعبير آخر تعتمد معرفة الآخر، في كثير منها، على معرفة الذات، والعكس صحيح، لتعرف نفسك يجب أن تعرف الآخر. وكلامي هنا يخرج عن حدود الآخر الذي أُعنى به، فالآخر هنا كل من هو ليس أنت، على مستوى الشخص والعائلة والملّة أو الشعب والديانة والطائفة.. إلخ.
> على الصعيد الأدبي، كتبتَ «الرواية العربية والآخر»، كيف عالجتْ الرواية العربية هذا الموضوع؟
- الحقيقة أن لدي كتابين: الكتاب الأول، هو الذي تشير إليه، وهو عبارة عن مجموعة دراسات، واحدة منها فقط تُعنى بالآخر حضورًا وصورةً في الرواية العربية وموقف العربي منه وعلاقته به. أما بقية دراسات هذا الكتاب فهي عن الرواية والآخر من حيث علاقتها به وبأدبه والتأثير والتأثّر بينهما، أحدها عن «كافكا» في الرواية العربية. الكتاب الثاني هو «الآخر في الرواية العربية المعاصرة» أحد أسسه الدراسة التي ضمها الكتاب الأول عن الآخر في الرواية العربية، وهو الفائز بجائزة الإبداع العربية التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي المعروفة. فضلاً عن دراسات كثيرة عالجت جوانب مختلفة من هذا الموضوع في الرواية العربية، مثل المرأة الغربية في الرواية العربية، ونحن والآخر إلى أين؟ وغيرها، إضافة إلى كتاب خرجت فيه عن الرواية إلى الشعر، وهو «الآخر في الشعر العربي الحديث».
> بعيدًا عن موضوع «الآخر»، لك كتاب «مشكلة الحوار في الرواية العربية»، الذي قد يكون الكتاب الوحيد عربيًا الذي قام على موضوع «الحوار في الرواية العربية». ما هذه المشكلة؟
- الواقع (مشكلات) وليست مشكلة واحدة، وبظني أن الكثير من العرب، كتّابًا وروائيين وقاصين ومؤلفي أفلام ودراما وكتّاب سيناريو ومخرجين وممثلين، يُخفقون في الحوار. ولكي تعي هذا وتتلمسه تلمّس اليد، إن لم تكن منتبهًا إلى هذا أصلاً، يمكنك أن ترجع إلى كثير من الأفلام والأعمال الدرامية العربية، التي لا تكاد تسلم من الضعف في الحوار، ولهذا بدأتُ كتابي، في المقدمة، بأمثلة مضحكة من أفلام عربية، بوصفها جزءًا من مبررات تأليف كتابي، وكنت أتمنى أن أتناول الفيلم والدراما، ولكن لأن تخصصي واهتمامي بالرواية، فقد جاء الكتاب عن هذه المشكلة في الرواية العربية، وهي مشكلة موجودة، على أية حال، فيها. ومن أهم جوانب الضعف والخطأ اللذين يجعلان من القضية مشكلة، التعامل مع العربية من حيث فصحاها وعاميّاتها، وطول الحوار والجملة الحوارية، وتناسب وعدم تناسب الحوار مع الشخصية المتكلمة به، واستخدام الحوار بوصفه تقنية فنية، وغير ذلك.

الرواية العراقية

> لديك دراسات توثيقية وبيلوغرافيا عن الرواية العراقية في 100 عام، ما نتائج هذه الدراسة؟
- نعم، أصبتَ، والعمل المركزي فيها هو «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» وهو في بعض حقيقته طبعة لمشروع غير مكتمل كما أريده وهو «الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019» أنوي أن أنشره، إذا أمدّ الله في عمري، سنة 2020، وعليه يكون المنشور حاليًا هو بمثابة «الفهرست غير الكامل للرواية العراقية في مائة عام». أما عن النتائج التي تسألني عنها، فهي كثيرة، لكن النتيجة الأساسية أو الرئيسية أو المركزية فهي بالطبع عدد العناوين التي ضمها، التي زادت على 1200 عنوان رواية عراقية صدرت خلال 95 سنة. ومن النتائج الأخرى ما قدمته في فهارس فرعية، وملاحق. من ذلك مثلاً «فهرست الرواية النسوية في العراق»، وضمّ أكثر من 150 رواية، و«فهرست رواية الفتيان في القرن العشرين» وضم 50 رواية، وملحق «أرقام وإحصاءات».
> كيف تفسر غياب العراقيين عن الرواية سنوات طويلة، هل للأمر علاقة بهيمنة الشعر؟
- عدم توجه العراقيين نحو الرواية هو من عدم توجه العرب عمومًا نحوها إلا بعد ظهورها في العالم بعد أكثر من مائتي سنة، ولهذا أسباب كثيرة قد يكون بعضها حقائق، بينما يبقى بعضها الآخر اجتهادات نظرية، قد نتفق معها وقد لا نتفق، وفي كل الأحوال لا بد أن يكون لذلك علاقة بطبيعة الشخصية العربية من جهة، وتعلّقًا بذلك بطبيعة الثقافة العربية المتوارثة.
> ماذا عن الطفرة الروائية التي شهدها العراق خلال العقدين الأخيرين، هل للأمر علاقة بالتحول السياسي الناجم عن تغير نظام وصعود قوى أخرى؟
- نعم، قد يكون هذا صحيحًا، وقد تكون محقًا في أن لهيمنة الشعر علاقة بتأخر الطفرة التي تشير إليها. البداية الحقيقة للرواية الفنية العراقية التي نستطيع أن نسميها إنجازًا، تعود إلى منتصف الستينات، وجاءت الطفرة في العقدين الأخيرين تقريبًا، ومرة أخرى لأسباب كثيرة منها ما تشير إليه. نعم للتحولات التي شهدها العراق في العقدين أو الثلاثة الأخيرة، سلبيّها وإيجابيّها، دور في ذلك. ولعل بعض مؤشرات هذه الطفرة تعبّر عن ذلك، ومنها: أولاً ازدياد عدد الروايات، فبعد أن كان عدد الروايات التي تصدر كل عام قبل عقدين أو ثلاثة يتراوح ما بين 10 و20 صار العدد في السنوات الأخيرة عادة ما يتعدى الستين، وثانيًا ازدياد عدد الروائيات والروايات النسوية، وثالثًا حصول الروائيين العراقيين على جوائز كثيرة، وغير ذلك.

سيرة ذاتية

> ولد في بلدة بهرز بمحافظة ديالى عام 1951. حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1973، ثم الدبلوم العالي في التربية من الجامعة نفسها. وحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة إكستر في بريطانيا، عام 1984.
>عمل أستاذًا في جامعات العراق وليبيا والأردن وسلطنة عمان، وأستاذًا زائرًا في بريطانيا. وهو حاليًا أستاذ الأدب المقارن والحديث والنقد، في كلية الآداب بجامعة بغداد.
> حصل على كثير من الجوائز، بينها جائزة خليفة التربوية في الإمارات، لسنة 2015، عن كتاب «رواية الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات». وجائزة الإبداع العربي لمؤسسة الفكر العربي في لبنان، لسنة 2014، عن كتاب «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة». جائزة يوسف بن أحمد كانو في البحرين لسنة 2009، عن كتاب «الآخر في الشعر العربي الحديث».
ألَّف أكثر من ثلاثين كتابًا، من بينها:
> «الرواية العربية في القرن العشرين» (تحرير واشتراك في التأليف)، الدوحة، 2016.
> أميركا والأميركي في الرواية العربية، بيروت، 2016.
> «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014»، بغداد، 2015.
> رواية «الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات»، بيروت، 2014.
> «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، بيروت، 2013.
> «أيقونات الوهم.. الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث»، عمّان، 2011.
> «الآخر في الشعر العربي الحديث.. تمثُّل وتوظيف وتأثير»، بيروت، 2010.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.