د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

الناقد العراقي عمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس
TT
20

د. نجم كاظم: التحولات السياسية أنتجت طفرة روائية في العراق

د. نجم كاظم - غلاف فهرس
د. نجم كاظم - غلاف فهرس

مع سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي - الغربي في أبريل (نيسان) 2003، اكتشف الناقد والأكاديمي العراقي الدكتور نجم عبد الله كاظم، معنى مختلفًا لـ«الآخر»، الذي ظلّ يدرسه باعتبار وجوده ضروريًا للوجود الإنساني برمته «من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر»، هكذا يقول، لكن بعد الغزو أصبح مهتمًا أكثر بدراسة الآخر وصوره علميًا وأكاديميًا ونقديًا، وذلك في الأدب، وبشكل خاص في الرواية. وتمخض مشروعه في دراسة الآخر في الأدب عن أربعة مؤلفات وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، التي تصب في هذا الموضوع، من بين كتبه: «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، و«الآخر في الشعر العربي الحديث».
مشروعه الآخر، كان العمل على رصد وتوثيق الرواية العراقية في مائة عام، عبر مؤلفه «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» ضمن مشروع غير مكتمل لـ«الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019».

> درستَ موضوع «الآخر» في الأدب والشعر، وحصلتْ بعضُ دراساتكَ عن هذا الموضوع على جوائز عربية.. ماذا يعني لك «الآخر»؟
- بعيدًا عن تمثّله في الأدب والإبداع، يمثّل «الآخر» لي مكمِّلاً، بل أشعر بأن ليس من وجود إنساني حقيقي لي دونه، ولهذا تراني أريد الآخر دومًا، فأكون قريبًا منه بكل أنواعه؛ الآخر طائفيًا أو دينيًا أو قوميًا أو سياسيًا أو جنسًا. بل إني لأستغرب أنْ أجد الكثيرين لا يتقبلون إلا المشابه لهم، ولا أفهم لماذا يكتفون به بينما من يعطيك ويزيدك ويضيف إليك، ومن يُريك نفسك هو الآخر، بل الذي يُمتعك هو الآخر. ولكن لأعترف بأنّ هناك نوعًا من الحيرة في الموقف الذي يجب أن نتخذه من الآخر أحيانًا، وهي عندي نشأت من رؤيتي لاحتلال الآخر - الأميركي وإلى حد ما الأوروبي - لبغداد، ورؤيتي لها في أعقاب عودتي إليها بعد غربة سبع سنوات، محتلّةً منه، ورؤية قسوته وهمجيته، مع تواصل حضور هذا الآخر - عينه تقريبًا، أعني الأوروبي والأميركي - في ذاكرتي بشكل أصدقاء وأحبة عشت وإياهم في بلدانهم وخبِرت تحضرهم ورقيّهم، بل تعلّمت منهم وتطورت بهم.
> لكن هذه الحيرة كانت حافزًا..
- نعم، هذه الحيرة إزاء هاتين الصورتين المتناقضتين جعلت دراسة الآخر وصوره موضوعي الأثير الذي أهتم به، ولكن في الأدب، وبشكل خاص في الرواية، أي علميًا وأكاديميًا ونقديًا، محاولاً حل إشكالات هذا التناقض، والإجابة عن أسئلة كثيرة تُثار فيها، وربما، على العكس، إثارة أسئلة أخرى. وهكذا جاءت أربعة من كتبي، وبضع أوراق بحثية والعشرات من المقالات والدراسات الأخرى، تصب في هذا الموضوع.
> وما سمات هذا «الآخر» في الأدب؟
- قد تشتبك مجموعة صور للآخر مع بعضها، وقد تحضر واحدة منها في هذا العمل وتحضر أخرى في عمل آخر. وكل ذلك يعتمد، بظني، على مجموعة عوامل، لعل أهمها اثنان، الأول تجربة الكاتب العملية والحقيقية، وأعني هنا تجربي أنا الشخصية مع الآخر، والثاني الرؤية الثقافية والفكرية وربما السياسية له التي تجعل الفرد باحثًا أو مفكرًا أو دارسًا أو قارئًا أو حتى إنسانًا عاديًا يرى الآخر، ولا سيما الغربي، بهذا الشكل أو ذلك، أو تسهم في صياغة هذه الرؤية وبالتالي رسم صورته.
> ومن أين يستمد وجوده؟
- في الأدب وفي الفن، يستمد وجوده من تجربة الكاتب ومن رؤيته الفكرية، وقد يمكن إضافة عوامل كثيرة تلعب دورًا أو أدوارًا في هذا الوجود وطبيعته، كما تطرقت إلى هذا فعلاً في دراساتي.
> هل تعريف الآخر معتمد على تعريف الذات؟
- بشكل أدق أقول: معرفتك بالآخر تنطلق في بدايتها على معرفتك لنفسك، بتعبير آخر تعتمد معرفة الآخر، في كثير منها، على معرفة الذات، والعكس صحيح، لتعرف نفسك يجب أن تعرف الآخر. وكلامي هنا يخرج عن حدود الآخر الذي أُعنى به، فالآخر هنا كل من هو ليس أنت، على مستوى الشخص والعائلة والملّة أو الشعب والديانة والطائفة.. إلخ.
> على الصعيد الأدبي، كتبتَ «الرواية العربية والآخر»، كيف عالجتْ الرواية العربية هذا الموضوع؟
- الحقيقة أن لدي كتابين: الكتاب الأول، هو الذي تشير إليه، وهو عبارة عن مجموعة دراسات، واحدة منها فقط تُعنى بالآخر حضورًا وصورةً في الرواية العربية وموقف العربي منه وعلاقته به. أما بقية دراسات هذا الكتاب فهي عن الرواية والآخر من حيث علاقتها به وبأدبه والتأثير والتأثّر بينهما، أحدها عن «كافكا» في الرواية العربية. الكتاب الثاني هو «الآخر في الرواية العربية المعاصرة» أحد أسسه الدراسة التي ضمها الكتاب الأول عن الآخر في الرواية العربية، وهو الفائز بجائزة الإبداع العربية التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي المعروفة. فضلاً عن دراسات كثيرة عالجت جوانب مختلفة من هذا الموضوع في الرواية العربية، مثل المرأة الغربية في الرواية العربية، ونحن والآخر إلى أين؟ وغيرها، إضافة إلى كتاب خرجت فيه عن الرواية إلى الشعر، وهو «الآخر في الشعر العربي الحديث».
> بعيدًا عن موضوع «الآخر»، لك كتاب «مشكلة الحوار في الرواية العربية»، الذي قد يكون الكتاب الوحيد عربيًا الذي قام على موضوع «الحوار في الرواية العربية». ما هذه المشكلة؟
- الواقع (مشكلات) وليست مشكلة واحدة، وبظني أن الكثير من العرب، كتّابًا وروائيين وقاصين ومؤلفي أفلام ودراما وكتّاب سيناريو ومخرجين وممثلين، يُخفقون في الحوار. ولكي تعي هذا وتتلمسه تلمّس اليد، إن لم تكن منتبهًا إلى هذا أصلاً، يمكنك أن ترجع إلى كثير من الأفلام والأعمال الدرامية العربية، التي لا تكاد تسلم من الضعف في الحوار، ولهذا بدأتُ كتابي، في المقدمة، بأمثلة مضحكة من أفلام عربية، بوصفها جزءًا من مبررات تأليف كتابي، وكنت أتمنى أن أتناول الفيلم والدراما، ولكن لأن تخصصي واهتمامي بالرواية، فقد جاء الكتاب عن هذه المشكلة في الرواية العربية، وهي مشكلة موجودة، على أية حال، فيها. ومن أهم جوانب الضعف والخطأ اللذين يجعلان من القضية مشكلة، التعامل مع العربية من حيث فصحاها وعاميّاتها، وطول الحوار والجملة الحوارية، وتناسب وعدم تناسب الحوار مع الشخصية المتكلمة به، واستخدام الحوار بوصفه تقنية فنية، وغير ذلك.

الرواية العراقية

> لديك دراسات توثيقية وبيلوغرافيا عن الرواية العراقية في 100 عام، ما نتائج هذه الدراسة؟
- نعم، أصبتَ، والعمل المركزي فيها هو «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014» وهو في بعض حقيقته طبعة لمشروع غير مكتمل كما أريده وهو «الرواية العراقية في مائة عام 1919 - 2019» أنوي أن أنشره، إذا أمدّ الله في عمري، سنة 2020، وعليه يكون المنشور حاليًا هو بمثابة «الفهرست غير الكامل للرواية العراقية في مائة عام». أما عن النتائج التي تسألني عنها، فهي كثيرة، لكن النتيجة الأساسية أو الرئيسية أو المركزية فهي بالطبع عدد العناوين التي ضمها، التي زادت على 1200 عنوان رواية عراقية صدرت خلال 95 سنة. ومن النتائج الأخرى ما قدمته في فهارس فرعية، وملاحق. من ذلك مثلاً «فهرست الرواية النسوية في العراق»، وضمّ أكثر من 150 رواية، و«فهرست رواية الفتيان في القرن العشرين» وضم 50 رواية، وملحق «أرقام وإحصاءات».
> كيف تفسر غياب العراقيين عن الرواية سنوات طويلة، هل للأمر علاقة بهيمنة الشعر؟
- عدم توجه العراقيين نحو الرواية هو من عدم توجه العرب عمومًا نحوها إلا بعد ظهورها في العالم بعد أكثر من مائتي سنة، ولهذا أسباب كثيرة قد يكون بعضها حقائق، بينما يبقى بعضها الآخر اجتهادات نظرية، قد نتفق معها وقد لا نتفق، وفي كل الأحوال لا بد أن يكون لذلك علاقة بطبيعة الشخصية العربية من جهة، وتعلّقًا بذلك بطبيعة الثقافة العربية المتوارثة.
> ماذا عن الطفرة الروائية التي شهدها العراق خلال العقدين الأخيرين، هل للأمر علاقة بالتحول السياسي الناجم عن تغير نظام وصعود قوى أخرى؟
- نعم، قد يكون هذا صحيحًا، وقد تكون محقًا في أن لهيمنة الشعر علاقة بتأخر الطفرة التي تشير إليها. البداية الحقيقة للرواية الفنية العراقية التي نستطيع أن نسميها إنجازًا، تعود إلى منتصف الستينات، وجاءت الطفرة في العقدين الأخيرين تقريبًا، ومرة أخرى لأسباب كثيرة منها ما تشير إليه. نعم للتحولات التي شهدها العراق في العقدين أو الثلاثة الأخيرة، سلبيّها وإيجابيّها، دور في ذلك. ولعل بعض مؤشرات هذه الطفرة تعبّر عن ذلك، ومنها: أولاً ازدياد عدد الروايات، فبعد أن كان عدد الروايات التي تصدر كل عام قبل عقدين أو ثلاثة يتراوح ما بين 10 و20 صار العدد في السنوات الأخيرة عادة ما يتعدى الستين، وثانيًا ازدياد عدد الروائيات والروايات النسوية، وثالثًا حصول الروائيين العراقيين على جوائز كثيرة، وغير ذلك.

سيرة ذاتية

> ولد في بلدة بهرز بمحافظة ديالى عام 1951. حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1973، ثم الدبلوم العالي في التربية من الجامعة نفسها. وحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة إكستر في بريطانيا، عام 1984.
>عمل أستاذًا في جامعات العراق وليبيا والأردن وسلطنة عمان، وأستاذًا زائرًا في بريطانيا. وهو حاليًا أستاذ الأدب المقارن والحديث والنقد، في كلية الآداب بجامعة بغداد.
> حصل على كثير من الجوائز، بينها جائزة خليفة التربوية في الإمارات، لسنة 2015، عن كتاب «رواية الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات». وجائزة الإبداع العربي لمؤسسة الفكر العربي في لبنان، لسنة 2014، عن كتاب «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة». جائزة يوسف بن أحمد كانو في البحرين لسنة 2009، عن كتاب «الآخر في الشعر العربي الحديث».
ألَّف أكثر من ثلاثين كتابًا، من بينها:
> «الرواية العربية في القرن العشرين» (تحرير واشتراك في التأليف)، الدوحة، 2016.
> أميركا والأميركي في الرواية العربية، بيروت، 2016.
> «فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014»، بغداد، 2015.
> رواية «الفتيان.. خصوصية الفن والموضوعات»، بيروت، 2014.
> «نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة»، بيروت، 2013.
> «أيقونات الوهم.. الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث»، عمّان، 2011.
> «الآخر في الشعر العربي الحديث.. تمثُّل وتوظيف وتأثير»، بيروت، 2010.



المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة
TT
20

المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية. ثم يذبحون كلابهم ويرشّون دماءها على العظام، فتتلوّن وتتشبّع بها. من مزيج عظام الجنود الشجعان، مع حرارة قلوب كلاب الحراسة، تنبعث قوى سحريّة تدافع عن المدينة ضدّ الأعداء.

في زماننا لا تجري هذه الطقوس. لكننا نحصل بالمقابل، من خلال امتزاج عرق الأسلاف، مع بخار نباح الكلاب المتشردة، وعطور دمها أيضاً ودموعها، بالإضافة إلى قيئها وبقية فضلاتها، وهي حية وميتة، تتشكّل من هذا الخليط قوى سحريّة تقوم بغرس الحياة الروحيّة في المكان، وتحافظ عليها ما دامت كانت المدينة قائمة.

الكلاب في حقيقة أمرها، بالبراءة في العينين، والسكينة في الطبع، وتوّحشها مع الغرباء أيضاً، كأنها أطفالنا الذين سوف يحملون الأعباء عنّا في المستقبل. لقد نشأت فلسفة جديدة وغدت هي الزيّ الشائع؛ الأطفال يشبّون، وربما غادروا إلى خارج البلاد، أو حادوا عن الطريق، وفي أحسن أحوالهم فإنهم يشبهون الكلاب في دروب المدينة، وهي تزرع اللطافة والحُسن. إن أيّ مساحة وتفصيل من شارع أو مبنى، وبسبب الحياة الغزيرة والثرّة في المدينة، بإمكانهما أن يؤديا دور متحف تتجدّد فيه المعروضات الفنيّة كلّ ساعة، مع ألبوم من الصور يمثّل الناس الطيّبين (يا للعبارة الكونيّة التي لا يلمّها وصف: الناس الطيّبون). صحيح أن هؤلاء يموتون، لكنهم يتناسلون، وما ينفكّ أحفادهم يسيرون وفق هذه الطِباع والعادات. تحصل هجرات في كلّ زمن من أماكن أخرى، لكنّ البشر يشبه النبات، يتربّى على الهواء والماء وضوء القمر، فهو ابن المكان أكثر منه سليل أسلافه.

والمدينة العظيمة أيضاً ليست شيئاً من هذا العالم؛ لأنك ترى فيها كلّ أنماط الحياة، وتتحقق فيها كذلك رغبات الجميع؛ الدنيوية والصوفية، بالإضافة إلى ميول أهل الفن وشهواتهم، مهما بلغ تهوّرهم وجنونهم وشذوذهم، وتعطّشهم لابتكار رغبات جديدة. يقوم الأدب الحديث على الخيال؛ لأن جلّه من إبداع أبناء المدينة، يوسّعون به أفق القارئ ومداركه، فإن جاء واقعياً صرفاً، كان بلا روح. عن ألبير كامو: «الكلمات تفرغ من معناها، حين ينام الخيال».

كان هذا النوع من المدن شائعاً في الشرق والغرب، لكنه أخذ ينحسر أو يختفي؛ بسبب تضافر جهود هندسة ما بعد الحداثة، على أن تكون المباني والمنشآت شبيهة بأقفاص الدجاج البيّاض. البشر فيها بجثامين متماثلة، يقومون بالأفعال ذاتها، وتقدّم لهم ثقافة استهلاكية واحدة، ويتبعون وصفات طعام جاهز ومعلّب، وكلّ شيء تقوده آلة إعلانية جبارة، بإمكانها طمس الجمال الحقيقي، وإعلاء شأن الدمامة والقبح. توائم هذه الطريقة من العيش لا أحد غير رجال المال والأعمال، ويصحب هؤلاء حتماً المقامرون، وبنات الهوى، والمتصابون من الرجال بصورة خاصّة. إن علينا انتظار مئات أو ألوف السنين، المدة الكافية لكي تفعل القوى السحريّة – على أن يكون البنّاءون من أهل البلاد، فإن كانوا مستوردين من الخارج، يبطل السحر حتماً.

الناس الطيّبون باستطاعتهم الخلق من أيّ مكان، وإن كان معتقلاً مرهوباً ومنسيّاً، وطناً جميلاً وفردوساً أرضيّاً؛ لأن وداعتهم انطبعت في زواياه، فهو يتّسم بها. هل يمكننا تصوّر مدينة تخلو من الناس الطيبين؟ مطلقاً. لأن هؤلاء يشكلون الدعامة الأساسية لحياة مستقرة ومهيبة. بقية الدعامات والروابط التي تشدّ أجزاء المجتمع، تكون في العادة متناثرة أو عشوائية وغير مهمة. هل أجازف وأقول لا وجود للناس الطيّبين في المدن الحديثة؛ أقفاص الدجاج البيّاض؟

القوى السحريّة التي مرّ ذكرها هي السرّ في أن كلّاً منّا مكبّل ببلده، مثل طائر في قفص. هناك من يفتح لنا نافذة فنرتحل لأسبوع أو أكثر، ثم نعود إليه حتماً، فإذا رحنا نفتّش عن ملاذ في بلاد أخرى «متخبطين مثل حصاة دحرجت من مكانها» – التعبير لجورج سيفيريس - انتقل معنا سجننا الباهر هذا بمحض إرادتنا، وهذا هو تفسير قصيدة «المدينة» الشهيرة لكافافيس: «سأذهب إلى بلاد أخرى، سأذهب إلى ضفة أخرى سأجد مدينة أفضل كلّ جهودي محتومة بالفشل فقلبي متمدّد ومدفون هنا».

يقوم الأدب الحديث على الخيال لأن جلّه من إبداع أبناء المدينة وهم يوسّعون به أفق القارئ ومداركه

القراءة الأولى للقصيدة فيها هجاء للمدينة الأم، لكن المقاربة النقدية تكشف عن مديح هادئ النبرة. الانتقال إلى مدينة أخرى لا يُبطل القوى السحريّة، فهي السبب في دوام نعمة السجن الذي نختفي بين ظلاله، ومفتونون نحن بجدرانه. ثمة بهجة حزينة في هذه الأبيات، التي نحفظها جميعاً عن ظهر قلب، مع نوع من الأسى الناعم:

«لن تجد بلاداً جديدة، أو تجد ضفةً ثانية هذه المدينة ستطاردك. سوف تمشي في الشوارع نفسها. تشيخ في الأحياء نفسها ستُصبغُ رماديّاً في المنازل نفسها».

يبدو الأمر غريباً، لكنه الواقع؛ قوى السحر هذه يكتشفها السائح في المكان، فهي غائبة عن رؤية ابن البلد. ربما بسبب خاصيّة الإخفاء التي يؤدي إليها تكرار وقوع عين الإنسان على الشيء، فكأنما وجوده وعدم وجوده سيّان. لتوضيح القصد، أستعير شيئاً من شعر اليوناني يانيس ريتسوس، لا لكي أثبّت ما توصّل إليه، بل إلى نقضه:

«يدٌ شاحبة

تخلع المسمار

تهوي المرآة

يهوي الجدار.

يصلُ السائحون

وتُلتقط الصُّور الفوتوغرافية».

يحاول ريتسوس هنا، وعبر فذلكة شعرية، إقناعنا أن السائح غريب ومنقطع عن المكان، فهو يتنقل معصوب العين، مثل آلة حديدية في البلاد التي يزورها، بينما يُثبت الواقع العكس. السحر الخاصّ بالمدينة يكون في العادة ذائباً في دماء أهلها، ولا يستطيع أحد رؤية ما يجري في عروقه، كما هو معلوم. غير أن خاصيّة الإخفاء التي تقوم بها عين الإنسان، بسبب مداومة النظر وتكراره اللاشعوري، تكون معطّلة لدى الزائرين للبلدة، فهم الوحيدون القادرون على اكتشاف السحر، وبهذا تكون القصيدة بنسقها الصحيح: «يدٌ شاحبة تثبّت المسمار فتقوم المرآة ويقوم الجدار. يصلُ السائحون وتُلتقط الصُّور الفوتوغرافية».

الناس الطيّبون والحيوانات الطيّبة الأثر هم سرّ الحياة العجيبة في المدينة، ويمكننا إضافة أهل الفنّ إلى هذا الثنائي، ليكون الكلام أكثر رسوخاً. العالم الحقيقي موجود في كل مكان، وغياب القوى السحرية هو السرّ في عزوف الفنانين عن السكن في مدن الدجاج، أو حتى مجرّد التفكير بزيارتها سائحين. ثم هناك الفرق الأهمّ بين مدينة كافافيس الفاضلة، وبين تلك التي لا تحتفظ بشيء من الماضي؛ في الأولى يشعر أفقر الناس وأدناهم منزلة بأنه شخص له شأن، وفي مدن الدجاج يكون أحسنهم وأكثرهم ثراءً غريباً، لا يستطيع المشي في شوارعها وتنفّس هوائها؛ لأن مجتمع ما بعد الحداثة اختار أن يكون الإنسان كائناً منهوشاً ومتوارياً عن الأنظار، مثل دجاجة تأكل وتأكل وتقاسي من العزلة القاتلة، في انتظار الموت.