محمود عبد العزيز.. «القبطان» الذي غادر كبيرًا

تميز على الشاشة الذهبية.. وتفوق من خلال الفضية

لقطة من «القبطان» - من فيلم «الكيت كات»
لقطة من «القبطان» - من فيلم «الكيت كات»
TT

محمود عبد العزيز.. «القبطان» الذي غادر كبيرًا

لقطة من «القبطان» - من فيلم «الكيت كات»
لقطة من «القبطان» - من فيلم «الكيت كات»

في الفيلم الرائع والمنسي للمخرج سيد سعيد «القبطان» (1996) يشغل الممثل محمود عبد العزيز الشاشة لا بحضوره كالشخصية الأولى في الفيلم فقط، بل بأداء شديد الصلة بجوهر الشخصية التي يقوم بتأديتها. إنه شخص مصري مختلف عن المصريين وسلوكهم وتصرفاتهم وطبائعهم الشعبية. وبعض النقاد آنذاك أعاب على الفيلم هذا الاختلاف على أساس أن شخصية القبطان، التي أداها عبد العزيز، ليست واقعية.
لكن الدور يبقى أحد أهم الأدوار التي قام بها الفنان الذي رحل يوم أول من أمس عن 70 سنة بعد حياة زاخرة بالأعمال السينمائية وبعض التلفزيونية. ولو قيد لتظاهرة سينمائية حول أفلامه أن تحشد بعض أعماله الأفضل لكان «القبطان» خير افتتاح لها نظرًا لأن الممثل، وكان بلغ من النضج ما أهّله لتجسيد الدور جيدًا، يمنح الشخصية لغزها العميق وانعكاساتها الداخلية على محياه ومن خلال تصرفاته.
شاهدناه كذلك في «الكيت كات» (1991) وفي «نهر الخوف» (1988) و«الجوع» (1986) و«العار» (1982) و«البحر بيضحك ليه» (1994) ونحو 100 فيلم آخر آخرها «إبراهيم الأبيض» (2009). لم يعنِ ذلك أنه توقف عن التمثيل في ذلك العام بل هو أكمل العمل في مسلسلات تلفزيونية كان آخرها «رأس الغول» هذه السنة. لكن ما يعنيه هو أن الأدوار التي تليق به والأفلام التي تناسب تاريخه وسنّه لم تعد متوفرة. وهذا كان شأن آخرين كثيرين من أترابه الذين آثروا اللجوء إلى الشاشة الصغيرة طالما أن هناك أدوارًا مناسبة فيها ومن بينهم يحيى الفخراني وحسين فهمي ومحمود ياسين من بين كثيرين.

حال من الطموح
ولد محمود عبد العزيز في عام 1946 في مدينة الإسكندرية. حين أصبح شابًا درس ليكون مهندسًا زراعيًا لكنه دلف إلى التلفزيون ممثلاً فظهر في «الدوّامة» سنة 1973 وفي العام التالي ظهر في «غابة من السيقان» لاعبًا دورًا ثانويًا أمام محمود ياسين. أمام نور الشريف لعب دورًا مساندًا في «الحفيد» (1974) ثم دورًا مساندًا آخر في «يوم الأحد الدامي» (1975). لكن رحلته في الأدوار المساندة انتهت سريعًا ففي سنة 1976 قام ببطولة «حتى آخر العمر» للمخرج أشرف فهمي (عن رواية يوسف السباعي) وشاركته البطولة نجوى إبراهيم. وعندما سنحت له فرصة تمثيل دور سجين هارب يسعى لإثبات براءته في «طائر الليل الحزين» ليحيى العلمي لم يتأخر.
هذا القالب البوليسي تناوب مع النوع الدرامي، بمستوييه العاطفي والخفيف، على تشكيل سيرة حياة محمود عبد العزيز الفنية في السبعينات. صحيح أنه ظهر أيضًا في أدوار خلف ممثلين آخرين، كما الحال في «ابنتي والذئب» و«كفاني يا قلب»، إلا أن طريقه كانت قد شيدت لانطلاقة كبيرة في «البنت الحلوة الكدابة» و«حبي وأشواقي» و«وادي الذكريات».
هذه الأفلام لم يشهد لها بالاختلاف عن السائد في ذلك الحين باستثناء «حتى آخر العمر» بسبب الاختيار الدقيق الذي مارسه المخرج الراحل أشرف فهمي لما يود توقيع اسمه عليه من أعمال. والواضح لمن يشاهد هذه الأفلام الخفيفة التي أداها محمود عبد العزيز في تلك الفترة من بدايته، أن أهم ملامحه وصفاته على الشاشة يعود إلى مزجه الخفّة بالمرح وبحضوره البدني. كان طويل القامة يميل إلى الامتلاء لكنه سريع الحركة ومثير للمتابعة في آن واحد.
الفيلم المميز الثاني الذي لعبه الممثل الراحل كان «شفيقة ومتولي» لعلي بدرخان سنة 1978 بجانب سعاد حسني وأحمد زكي وأحمد مظهر من بين كثيرين أقبلوا على هذه الدراما الاجتماعية الجيدة.
لا يمكن تخطئة الممثل على الأدوار التي يختارها إذا ما انطلق، كحال الغالبية، من الطموح للنجاح الشعبي الكبير. هذا شأن معظم الممثلين شرقًا وغربًا وفي كل مكان ومحمود عبد العزيز لم يكن ليختلف. ليس أن أفلامه لم تشهد عمله تحت إدارة بعض أفضل السينمائيين المصريين بل، وعلى نحو طبيعي، لم يكن لينتظر تقدم مشاريع هذه النخبة من الممثلين إليه لكي يعمل وآثر أن يرى في المشهد السينمائي ما أفاده لا من حيث كثرة الأفلام التي لعبها فقط، بل من حيث إنها منحته الكثير من الأدوار المختلفة ما طرحه في الأسواق لأدوار كوميدية وأدوار درامية وأخرى تراجيدية على حد سواء.
مع مخرجين كبار
أما المخرجون المميّزون الذين عمل معهم محمود عبد العزيز فمن بينهم عاطف الطيب في «البريء» وأشرف فهمي (مرّة أخرى) في «ولا يزال التحقيق مستمرًا» وحسين كمال في «العذراء والشعر الأبيض» وداود عبد السيد في «الكيت كات» الذي أدّى فيه الراحل شخصية شيخ كفيف والذي يعتبره غالبية النقاد أفضل دور قام بتأديته.
إنه فيلم جيد والممثل رأى في الشخصية مناسبة لتوسيع دائرة تقمصه لشخصيات الحياة. الرائع هنا، إلى حد بعيد، أن عبد العزيز اختار الأداء الكوميدي على خلفية اجتماعية جادة، مما خلق تناقضًا جيدًا وظفه داود عبد السيد جيدًا لصالح الفيلم ومضمونه. عبد العزيز، بدا تمامًا كما يجب أن يبدو في هذا الفيلم: رجل يعوض خسارته نعمة البصر بنعمة البصيرة ويكافئ نفسه بمعالجة ما يُطرح أمامه من مسائل، بعضها يتعلق بالحي الذي يعيش فيه أكثر مما يتعلق به شخصيًا، على نحو ساخر. تصدّقه في كل ذلك لأن إحدى مهامه خلال رحلته الطويلة هي تقديم شخصيات يمكن تصديقها.
في عام 1982 استعان به المخرج علي عبد الخالق لكي يؤدي بطولة «العار» أمام ممثلين من جيله هما نور الشريف وحسين فهمي. بعد خمس سنوات أعاد عبد الخالق الكرّة، تبعًا لنجاح ذلك الفيلم، وقدّمه أيضًا مع نور الشريف وحسين فهمي في «جري الوحوش».
الثمانينات كانت الفترة الأبرز في حياته من حيث عدد الأفلام ونوعياتها. في بدايتها، وإلى جانب فيلم «العار» ظهر في «ليال» لحسن الإمام (مع حسين فهمي وسهير رمزي وتحية كاريوكا) وفي «وكالة البلح» لحسام الدين مصطفى أمام نادية الجندي ومحمود ياسين. و«الخبز المر» لأشرف فهمي مع فريد شوقي وشيريهان وشويكار. ومن بينها أيضًا مجموعة كبيرة تضم «درب الهوى» و«لك يوم يا بيه» و«مملكة الهلوسة» و«السادة المرتشون» و«العذراء والشعر الأبيض» و«تزوير في أوراق رسمية» و«عفوًا أيها القانون» والكثير سواها.
خلال رحلته هذه مثّل فيلمًا واحدًا مع المخرج محمد خان هو «نصف أرنب» سنة 1983. عن سيناريو بشير الديك، رأينا محمود عبد العزيز يؤدي شخصية موظف المصرف يوسف الذي يشهد حادثة نشل حقيبة يحيى الفخراني المليئة بالمال فيطارد السارق رفاعي (سعيد صالح) غير مدرك أن هذه السرقة مخطط لها. بذلك يورط نفسه في قضية خارج عالمه ثم يتفق مع رفاعي على استحواذ المال فعليًا لحسابهما.
يتّكل الفيلم على الحاجة الملحة لشخصيتيه يوسف ورفاعي للمال. إنهما قطعتا شطرنج صغيرتان في لعبة كبيرة وخطرة، لكنهما قد يغلبا الملكة أو هكذا يعتقدان على الأقل. بذلك لا تستطيع إلا أن تلتزم بهما وتتمنى لهما النجاح. كان يمكن لوتيرة العمل في النصف الثاني أن تتحسن، وبالتأكيد من دون قرع طبول، لكن اللافت اختيار المخرج على تمصير السيناريو البوليسي وليس استعارته من سينما أميركية كما يفعل اليوم كثيرون.

رأفت الهجان
والمال هو عصب الحياة في أكثر من عمل من أعمال محمود عبد العزيز بما فيها مسلسل «رأفت الهجان»، الذي انطلق بنجاح كبير مهّد له نقلة إضافية في عالم المسلسلات نتجت عنها مجموعة مميزة من الأعمال الرمضانية من بينها «باب الخلق» و«جبل الحلال» و«رأس الغول». هذه أعمال في العشرية الثانية من هذا القرن. كان عبد العزيز بلغ من المكانة ما يجعله الاسم الكبير في فن التمثيل ومن العمر ما يجعله مناسبًا لأدوار الرجل الذي وصل إلى مرحلة يستطيع أن يفرض فيها سطوته على محيطه.
على عكس أدوار عادل إمام، النجم التلفزيوني الكبير الآخر، فإن عبد العزيز تمسك بالصلة الواقعية لشخصياته. ذلك الحضور البدني، كان من القوّة بحيث لم يكن عليه أن يمثله. إلى ذلك تلك القوّة في التعبير والنضج الذي صاحب أدواره الأخيرة إلى حد أنه أصبح شخصياته، وأصبحت شخصياته هو أكثر من أي وقت مضى.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».