بعد الانتقادات اللاذعة التي تعرضت لها رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بعد زيارتها للهند التي استغرقت ثلاثة أيام، تحولت جولتها الثنائية الأولى إلى حقيبة تحمل كثيرا من الأوراق المختلطة.
تعتبر زيارتها من الزيارات ذات الأهمية نظرا لأنها أول زيارة تقوم بها خارج الاتحاد الأوروبي. ووسط الأجواء المعتادة التي تصحب الزيارات الثنائية لزعماء الدول، كانت التجارة من بين العناصر المهمة على جدول الأعمال بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي التي هي في حاجة ماسة إلى مزيد من الخيارات المتاحة في أعقاب فقدان القدرة على الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة.
ومن خلال البحث عن الأسواق الجديدة لتعويض الخسارة المحتملة في التجارة مع الاتحاد الأوروبي بمجرد خروج بريطانيا فعليا من عضوية الاتحاد، لم يكن من المستغرب أن يكون لدى الهند أسرع اقتصاد من حيث النمو على مستوى العالم، وأن تكون هي المحطة الأولى لزيارة رئيسة الوزراء البريطانية خارج الاتحاد. ومع سعي المملكة المتحدة لإعادة تعريف دورها العالمي فيما بعد الخروج البريطاني غالبا ما عطفت ماي على ذكر الهند ضمن البلدان ذات الأولوية في سياق الوصول إلى اتفاقية التجارة الحرة من أجل تعزيز علاقات المملكة المتحدة خارج حدود الاتحاد الأوروبي.
وأبرمت صفقات تجارية بقيمة 1.25 مليار جنيه إسترليني بين المملكة المتحدة والشركات الهندية. كما أعلنت ماي كذلك عن خططها لإدراج أربعة من «سندات ماسالا» بقيمة إجمالية تبلغ 600 مليون جنيه إسترليني في لندن خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وعن الاتفاقيات الرئيسية الأخرى التي أبرمت وتتضمن موافقة الجانبين على استثمار ما يصل إلى 120 مليون جنيه إسترليني في الصندوق الهندي البريطاني الفرعي لتمويل مشروعات البنية التحتية في الهند.
وعلى الرغم من العلاقات التاريخية التي تربط الهند وبريطانيا منذ الحقبة الاستعمارية، يقف حجم التبادل التجاري السلعي بين البلدين عند مستوى 14 مليار دولار في عام 2015 – 2016، وهو المستوى الأقل من حجم التجارة بين الهند وألمانيا على سبيل المثال. وكانت الهند قد تلقت 23.10 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة من بريطانيا خلال أبريل (نيسان) من عام 2000 وحتى مارس (آذار) من العام الحالي، وهو ثالث أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة والأعلى بين دول مجموعة العشرين. وتعمل الشركات الهندية في المملكة المتحدة على خلق فرص العمل، وهي تمثل 5.5 في المائة من فرص العمل المتاحة في القطاع الخاص البريطاني.
ومع وجود ما يقرب من 1.5 مليون مواطن من أصول هندية في المملكة المتحدة، فإن الهند ثاني أكبر موجد لفرص العمل في العالم، وفي العام الماضي وحده، خلقت الهند 7105 فرص عمل جديدة في بريطانيا وحدها من خلال 140 مشروعا، إلى جانب 800 شركة هندية توظف ما يقرب من مائة ألف موظف في المملكة المتحدة.
قامت ماي بزيارة مدينتين في الهند، حيث بدأت بالعاصمة نيودلهي، حيث افتتحت القمة التكنولوجية الهندية البريطانية إلى جانب رئيس الوزراء ناريندرا مودي، ووقعت الاتفاقيات بقيمة 9 بلايين جنيه إسترليني خلال زيارة مودي إلى المملكة المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2015. ولا يزال مصير هذه الاتفاقيات أو المراحل التي توصلت إليها غير معروف، ولكن التركيز الوحيد على التجارة يعكس الواقع الذي يفيد بحاجة بريطانيا الملحة الآن إلى التعاون مع الهند أكثر من أي وقت مضى.
ومن الناحية النظرية، لا يمكن للمملكة المتحدة البدء في المفاوضات التجارية الرسمية مع أي دولة أخرى مثل الهند حتى تغادر عضوية الاتحاد الأوروبي بصورة رسمية، الأمر غير المرجح حدوثه قبل عام 2019.
ذلك، وفي حين أن اتفاقية التجارة الحرة مع الهند ليست وشيكة، سوف تسعى ماي إلى الحصول على تطمينات رسمية بشأن هذا النوع من الاتفاقيات التجارية وغير ذلك من الروابط التي سوف تقام بين البلدين بمجرد مغادرة المملكة المتحدة لعضوية الاتحاد الأوروبي. ومن الجدير بالذكر أن ماي ومودي قد اتفقا على تشكيل مجموعة عمل مشتركة حول ملف التجارة، مما يشير إلى الاستعداد المبكر لمناقشة اتفاقية التجارة الحرة التي من المرجح أن تبدأ في وقت قريب بعد انسحاب بريطانيا النهائي من عضوية الاتحاد الأوروبي.
كتبت مجلة «سبكتاتور»، اليمينية البريطانية المؤثرة في أوساط حزب المحافظين الحاكم، في مقالها الافتتاحي الأخير: «للمرة الأولى خلال أربعة عقود، يقوم رئيس وزراء بريطاني بمناقشة عقد الصفقات التجارية، الأمر الذي كنا حتى وقت قريب مجبرين عليه من خلال المسؤولين في بروكسل». ومن الواضح، أن كلا من الهند والمملكة المتحدة لهما أولويات مختلفة فيما يتعلق بالتجارة والاستثمار.
لم تعرض بريطانيا شيئا على الهند إثر مطالبها بتخفيف القيود على إصدار التأشيرات وقواعد الهجرة الصارمة، خصوصا حيال الطلاب والعمال المهرة، ولا سيما المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات.
وكشفت بعض المصادر المطلعة عن أن هناك اختلافات كبيرة في الرأي بين مودي وماي فيما يتعلق بملف الهجرة. حيث اصطدمت ماي مع نظيرها الهندي حول ملف الهجرة، حيث أوضحت أن أي مرونة حيال إصدار التأشيرات إلى المواطنين الهنود لا بد أن تستند إلى سرعة ومقدار عودة المواطنين الهنود الذين ليس لهم الحق في البقاء داخل المملكة المتحدة.
ويطالب الجانب الهندي حال عقد الصفقات مع بريطانيا - كما هو الحال مع بلدان أخرى في الماضي - بأن يُسمح للمواطنين الهنود بالعمل في بريطانيا، في مقابل زيادة التعاون التجاري بين البلدين. ولقد شكت نيودلهي بمرارة إلى المملكة المتحدة من انخفاض عدد الطلاب الهنود المتقدمين للالتحاق بالجامعات البريطانية بواقع 50 في المائة منذ عام 2011 بسبب سياسات بريطانيا في هذا الشأن، التي بدأت في عهد ماي حينما كانت تشغل منصب وزيرة الداخلية البريطانية في عام 2010، التي تطلبت من الطلاب الهنود العودة إلى بلادهم بدلا من منحهم تصريح العمل لمدة عامين.
قال مودي في القمة البريطانية الهندية المنعقدة في دلهي إن «التعليم من الأمور الحيوية بالنسبة لطلابنا، ومن العوامل المحددة لمشاركتنا في المستقبل المشترك. وعلينا بالتالي تشجيع مزيد من التنقل ومشاركة الشباب في فرص التعليم والأبحاث».
يقول ظروفا جيشانكار، زميل السياسة الخارجية في معهد بروكينغز الهند: «الهجرة من الملفات التي سوف تواصل الهند الدفع في اتجاهها باستمرار. ولكن السيدة ماي تبدو في مأزق ما، فإذا ما رضخت للمطالب الهندية، فإن الناس الذين صوتوا للخروج من الاتحاد الأوروبي سوف يقولون: ما الذي صوتنا لأجله إذن؟».
ولقد دافعت ماي عن السياسة حيث قالت: «لدينا نظام للتأشيرات بالنسبة للبلدان من خارج الاتحاد الأوروبي، وهو يضمن أن الأفضل والأفضل فقط هو الذي يُسمح له بالمجيء إلى المملكة المتحدة».
تحرص نيودلهي على تضمين قطاع الخدمات في سياق المحادثات التجارية لتسهيل الأمر على المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات للسفر إلى المملكة المتحدة، وهو من المطالب الرئيسية من جانب هيئة صناعة تكنولوجيا المعلومات الهندية المعروفة باسم «ناسكوم» خلال القمة.
وليست الهند حريصة على الصفقات من أجل تسهيل صادرات البرمجيات وتحركات تكنولوجيا المعلومات والمتخصصين في الرعاية الصحية فحسب، ولكن تخفيض الرسوم الجمركية أيضا على المنسوجات والملابس. وتسعى بريطانيا وراء بعض التنازلات عن صادرات الخدمات المالية.
ولقد كان أمودي واضحا حيال ماي حيث قال إن منح القدر الأكبر من حرية السفر للمواطنين الهنود هو من الأمور الأساسية في أي اتفاقية تجارية فيما بعد الخروج البريطاني، وحتى تدرك ماي الأمر، فلن يكون من المرجح وجود أي صفقات بين البلدين.
قال أحد المشاركين في الوفد الدبلوماسي البريطاني خلال الزيارة الرسمية إلى الهند: «لن ينسى الساسة الهنود بسهولة أن ماي كان العائق الرئيسي الكبير في إبرام اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند».
ولقد عرضت ماي خطة السفر المتنوعة الأولى من نوعها للمواطنين الهنود المسافرين إلى المملكة المتحدة لأغراض الأعمال، التي من شأنها تسريع عملية دخولهم إلى بريطانيا؛ حيث أعربت شركات تكنولوجيا المعلومات الهندية عن قلقها من التغييرات المقترحة على نظام التأشيرات في المملكة المتحدة.
وبموجب الخطة البريطانية المقترحة، فإن المواطنين الهنود الذين يترددون كثيرا على الأراضي البريطانية ويساهمون بحق في النمو الاقتصادي في كلا البلدين سوف يواجهون شروطا أيسر بكثير لدخول المملكة المتحدة. ولقد قالت السيدة ماي عن ذلك: «القليل من الاستثمارات، والدخول على ضوابط السفر إلى الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية، والمرور السريع عبر المطارات البريطانية، وباختصار، مزيد من الفرص لبريطانيا والهند ورسالة شديدة الوضوح تفيد بأن بريطانيا مفتوحة وإلى حد كبير للتجارة والأعمال».
في الختام، أظهرت السيدة ماي بالفعل أنها تثمن الصداقة مع الهند من خلال اختيار هذا البلد تحديدا بوصفه أول وجهة لرحلاتها الرسمية خارج دول الاتحاد الأوروبي بعد توليها رئاسة الحكومة البريطانية، ولكن لا يزال هناك كثير مما يجب العمل بشأنه بأكثر من مجرد الرمزية السياسية.
يقول راجا موهان الصحافي الهندي البارز: «لقد كانت تيريزا ماي شديدة السخاء، ولكن كان ينبغي لزيارتها الرسمية أن تسهم بشكل ملحوظ في دفع العلاقات الملموسة بين البلدين إلى الأمام. الوقت فحسب هو الكفيل بإثبات ذلك من عدمه. وحيث إن ماي قد وترت الأجواء بقولها إنها سوف تنظر في مزيد من التحسينات في عروض التأشيرات الهندية شريطة أن تكثف نيودلهي من جهودها لاستعادة المواطنين الهنود المنتهية تأشيراتهم ممن ليس لهم الحق في البقاء داخل المملكة المتحدة».
بالإضافة إلى ذلك، اتخذ كلا الجانبين موقفا متشددا ضد الإرهاب، وأعربا عن التصميم على تعزيز آليات تسليم المجرمين. وفي السياق الأخير، وافق الطرفان على إسراع طلبات التسليم المعلقة، حيث طالبت نيودلهي من الجانب البريطاني تسليم 57 من المطلوبين لديها، بما في ذلك كريستيان ميتشل، الوسيط المزعوم في صفقات المروحيات الخاصة بشركة أوغوستاويستلاند، ورجل الصناعة الهارب فيجاي ماليا.
وعلاوة على ذلك، أكد الجانب البريطاني دعمه طلب الهند الحصول على العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، ودعم الحملة الهندية لعضوية المجموعة الدولية للموردين النوويين.
زيارة تيريزا ماي للهند.. حقيبة تحمل كثيرًا من الأوراق المختلطة
نظيرها مودي أراد ضمانات بتخفيف القيود على التأشيرات وقواعد الهجرة
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي خلال زيارتها الهند (إ.ب.أ)
زيارة تيريزا ماي للهند.. حقيبة تحمل كثيرًا من الأوراق المختلطة
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي خلال زيارتها الهند (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








