ترامب.. مسيرة انتخابية غير تقليدية قد تتوّج بالبيت الأبيض

قاد حملته بالترهيب والإهانات ولم يعبأ بالفضائح

ترامب.. مسيرة انتخابية غير تقليدية قد تتوّج بالبيت الأبيض
TT

ترامب.. مسيرة انتخابية غير تقليدية قد تتوّج بالبيت الأبيض

ترامب.. مسيرة انتخابية غير تقليدية قد تتوّج بالبيت الأبيض

قلب دونالد ترامب تقاليد الديمقراطية الأميركية رأسا على عقب في رحلته التي بدأت قبل 17 شهرا للفوز بالرئاسة الأميركية مستغلا في ذلك قدراته الفائقة على الترهيب والمبالغة وبراعته في التعامل مع وسائل الإعلام التي جعلت منه واحدا من أشهر رجال الأعمال في العالم.
ومنذ أعلن ترامب خوضه سباق الرئاسة من خلال الحزب الجمهوري على المدخل المؤدي إلى السلم الكهربائي لبرج ترامب الفخم، استطاع الجمع بين الحضور وخوض المعارك، وبين القدرة على مخاطبة النخبة والجماهير العريضة في آن واحد.
وتمثل الانتخابات التي يخوضها ترامب اليوم في مواجهة هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي أول مرة يسعى فيها للفوز بمنصب عام. ووصف ترامب هذا السعي بأنه حركة لا حملة انتخابية. واجتذب ترامب أعدادا غفيرة من المتحمسين لمؤتمراته الجماهيرية التي هلّل له الناس فيها، لأنه «نطق بما يدور في أذهان الجميع».
ووصمه منتقدوه بكراهية النساء وعدم الإلمام بمعلومات كافية عما يتحدث عنه، وبالفظاظة والإتيان بتصرفات لا تليق برئيس وبالعنصرية والرياء وتهييج الجماهير والتحرش بالنساء. وهذه كلها اتهامات نفاها ترامب.
واستغرق ترامب البالغ من العمر 70 عاما ما يزيد قليلا على عشرة أشهر في التغلب على 16 مرشحا آخرين، ليصبح أول مرشح لأحد الحزبين الرئيسيين يخوض الانتخابات دون أن يمتلك أي خبرات حكومية منذ الجنرال دوايت أيزنهاور في الخمسينات.
واجتذب ترامب عددا قياسيا من الأصوات في الانتخابات التمهيدية، لكنه أحدث في الوقت نفسه صدعا في الحزب الجمهوري. ثم التفت إلى كلينتون (69 عاما) في سباق انتخابي اتّسم بصراعات، كان من بينها اضطراب في أوساط العاملين في حملته الانتخابية واتهامات بالتحرش بنساء وزعمه الذي لم يتأكد قط أن كلينتون ووسائل الإعلام زوروا الانتخابات لإبعاده.
وصدم ترامب الكثيرين بقوله إنه قد لا يقبل نتيجة الانتخابات إذا انهزم، مخالفا بذلك العرف الذي جرى عليه انتقال السلطة سلميا في الولايات المتحدة. كما قال: إنه سيأمر بالتحقيق مع كلينتون بسبب أسلوب تعاملها مع رسائل البريد الإلكتروني إذا ما أصبح رئيسا، وتعهد بسجنها.
وأخذت حملته الانتخابية منحى شائنا في أكتوبر (تشرين الأول) بنشر مقطع فيديو صور عام 2005، يقول فيه ترامب لصحافي تلفزيوني دون أن يدري إن ما يقوله يتم تسجيله كلمات بذيئة ويصف سلوكه المخل بالأخلاق تجاه النساء.
وقال ترامب إن هذه التعليقات مجرد ثرثرة عابرة، ونفى ما تلا ذلك من اتهامات وجهتها له أكثر من عشر نساء قلن إنه تحرش بهن جنسيا.
* إحياء «عظمة» أميركا
خلال الحملة الانتخابية، وخاصة في كلمته في مؤتمر الحزب الجمهوري في يوليو (تموز) الماضي، رسم ترامب صورة قاتمة لأميركا، وقد جثت على ركبتيها أمام الصين والمكسيك وروسيا وتنظيم داعش. وقال: إن هدفه هو إعادة «عظمة» أميركا من جديد.
وقال: إن الحلم الأميركي انتهى، إذ أخمدته مصالح خبيثة في عالم الأعمال والساسة الفاسدون، وإنه وحده يمكنه أن يحيي هذا الحلم. وقال ترامب إنه سيجدد عظمة أميركا من خلال قوة شخصيته ومهاراته التفاوضية وبراعته في إدارة الأعمال.
وطرح خططا غير واضحة للفوز بتنازلات اقتصادية من الصين، ولبناء جدار على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة لمنع تهريب المهاجرين، وإرغام المكسيك على سداد قيمة بناء الجدار. وتعهد بإلغاء برنامج الرعاية الصحية «أوباما كير»، وأن يكون في الوقت نفسه «أعظم رئيس في مجال الوظائف على الإطلاق»، كما اقترح منع مواطني دول الشرق الأوسط التي تشهد حروبا من دخول الولايات المتحدة فيما يمثل تعديلا لدعوته السابقة لحظر دخول المسلمين.
وروج ترامب لنفسه باعتباره يمثل قصة النجاح المثلى. فقد كان يواعد الجميلات، وتزوج ثلاثا منهن، وكان له برنامج تلفزيون الواقع خاص به، وأقام ناطحات سحاب تحمل اسمه بحروف ذهبية كبيرة. وقال: إن كل شيء في حياته كان الأعظم والأكبر والأفخر والأنجح، وذلك رغم أن الانتقادات انهالت عليه لما مر به من إفلاس وإخفاق النوادي الليلية التي أنشأها في أتلانتيك سيتي بولاية نيوجيرسي. وما اعتبره منتقدوه تفاخرا أبداه في غير موضعه عند مواجهته بالدليل على أنه تهرب من دفع ضرائب.
وقد سبق أن فكر ترامب في خوض انتخابات الرئاسة، ورأى البعض في بداية الأمر في مسعاه إشباعا لإحساسه بتضخم الذات وتلميع اسمه التجاري.
وكان من المتوقع ألا تطول هذه المحاولة، غير أنه مع تقدم الموسم الانتخابي أصبح ترامب في صدارة السباق، وفاز في الانتخابات التمهيدية بالولاية تلو الأخرى رغم حملته غير التقليدية التي اعتمدت على اللقاءات الجماهيرية الضخمة، وتجاهلت إلى حد كبير أنشطة الدعاية على مستوى القواعد الحزبية.
وأدرك مستشاروه له أنه ليس بوسعهم أن يفعلوا الكثير لكبح جماحه. وهيمن الثلاثة الكبار من أولاده، دونالد جونيور وإيريك وإيفانكا على دائرة المقربين منه، ومعهم جاريد كوشنر زوج إيفانكا.
* «تويتر».. منصة انتخابية بامتياز
هدد صعود نجم ترامب الذي كان في وقت من الأوقات عضوا مسجلا في الحزب الديمقراطي، بنسف الحزب الجمهوري. وتحدت مؤسسة الحزب التزامه بالأسس التي يقوم عليها الحزب، وأخذت موقفا معاديا منه. وتحاشاه أعضاء كبار في الحزب الجمهوري، أو كان تأييدهم له فاترا، ومنهم الرئيسان السابقان جورج دبليو بوش وابنه جورج بوش، وعدد من قيادات الكونغرس. واستخدم ترامب «تويتر» سلاحا، فراح يطلق الإهانات ويهزأ بمن أساءوا إليه. ومن ذلك وصفه كلينتون بأنها «محتالة»، ومنافسيه الجمهوريين مارك روبيو بـ«الصغير»، وجيب بوش بـ«أنه محدود الطاقة»، وتيد كروز بـ«الكاذب».
كما استهدف أسرة ضابط مسلم بالجيش الأميركي قتل في العراق، بعد أن انتقد والده ترامب في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي. وظل ترامب يرد على والد الضابط على مدى أيام عبر «تويتر»، رغم نصائح من حوله بتجاوز هذا الأمر والانتقال لغيره.
وحتى أواخر أكتوبر، أحصت صحيفة «نيويورك تايمز» 282 شخصا ومناسبة وجه فيها إهانات على «تويتر» منذ إعلان ترشيحه. وحفل ترشيح ترامب بالتناقضات. فبعد أن تعهد بإعادة ما نقل من وظائف للخارج إلى الولايات المتحدة، ارتدى ملابس مصنوعة في الخارج واستخدم قبعات لحملته مصنوعة في الخارج أيضا. كما أن ترامب الذي شجب ما يجلبه المال من فساد في عالم السياسة تفاخر بأنه دفع مالا لشراء النفوذ لنفسه.
ورغم استخدام عمالة غير مسجلة في بناء مشروعاته العقارية، فقد تعهد وهو مرشح بإخراج المهاجرين غير الشرعيين من البلاد. كما قال: إنه لا أحد يحترم النساء مثلما يحترمهن هو، لكنه وصف بأنه كاره للنساء لسخريته من مظهر منافسته المرشحة كارلي فيورينا، وإشارته على ما يبدو إلى الدورة الشهرية للإعلامية ميغن كيلي بقناة «فوكس نيوز» التلفزيونية.
* حملة انتخابية أشبه ببرامج تلفزيون الواقع
بدت تصرفات ترامب في حملة الدعاية الانتخابية كأنها تستفيد من خبراته في برنامج تلفزيون الواقع الذي كان يصيح فيه «أنت مفصول»، مخاطبا المتنافسين الذين يفشلون في المسابقات، مما كان يثير إعجاب الجمهور.
وفي كثير من الأحيان، كانت خطاباته مرتجلة وكان يتفاخر فيها بكل شيء من أمواله إلى مستوى ذكائه. وحفلت خطبه بإعلانات مشكوك في مصادرها وبسوء الفهم والتصريحات الزائفة. ولمح إلى أن بوسع نشطاء حقوق حمل السلاح التحرك لمنع كلينتون من ترشيح قضاة ليبراليين في المحكمة العليا، وهو تصريح وصفته حملة كلينتون بالخطر.
وتباهى ترامب بثروته التي قدّرها بمبلغ عشرة مليارات دولار، رغم أن عدد سبتمبر (أيلول) من مجلة «فوربس» قدّرها بمبلغ 3.7 مليار دولار فقط، ليحتل ترامب المركز 156 بين أثرياء أميركا.
وأدلى ترامب بانتظام بتعليقات كان من الممكن أن تقضي على فرص مرشح تقليدي، ومنها ما صدر عنه عندما قال: إن أنصاره مخلصون لدرجة أن بوسعه إطلاق النار على شخص في الشارع الخامس في نيويورك دون أن يخسر صوتا واحدا.
وفي مايو (أيار)، اجتذب اتّهامات بالعنصرية لتشكيكه في حياد قاض ولد في الولايات المتحدة لأبوين من المهاجرين المكسيكيين، كان ينظر في دعوى قضائية مرفوعة عليه. وقد شعر بالزهو عندما وصفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه «زعيم لامع وموهوب».
وسخر ترامب من السيناتور جون مكين المرشح الرئاسي الجمهوري في عام 2008 لوقوعه في الأسر خلال حرب فيتنام، وقال: إنه يريد لكم أحد المحتجين في وجهه خلال أحد المؤتمرات الجماهيرية.
* طفل صعب المراس
ولد ترامب لأسرة ثرية في 14 يونيو (حزيران) عام 1946 في حي كوينز بمدينة نيويورك، ليصبح رابع خمسة أولاد أنجبهم فريد ترامب، الذي أصبح فيما بعد واحدا من أكبر المطورين العقاريين وأصحاب العقارات في المدينة، من زوجته. وكان فريد ترامب هو الذي علم دونالد قيمة الدعاية للذات والتحلي بعزيمة لا تلين من أجل النجاح.
وباعترافه هو شخصيا، لم يكن ترامب طفلا سهل التربية. وقد قال: إن والديه أرسلاه وهو في الصف الثامن إلى أكاديمية نيويورك العسكرية، على أمل أن تغرس فيه الانضباط المطلوب.
ومن خلال التأجيل لأسباب تتعلق بالدراسة أو لأسباب طبية، لم يخدم ترامب قط في الجيش الأميركي لكنه قال: إن المدرسة منحته: «من التدريب العسكري ما يزيد بكثير على ما حصل عليه الشباب الذين يدخلون الجيش».
وبعد التخرج من جامعة بنسلفانيا، اتجه ترامب للعمل في شركة والده التي ركزت على أحياء كوينز وبروكلين وستاتن إيلاند حول مدينة نيويورك، وكانت تمتلك عددا يقدر بنحو 15 ألف شقة. وفي عام 1973. اتهمت أسرة ترامب بالتحيز العنصري في تأجير الوحدات السكنية، وذلك قبل أن تتوصل إلى تسوية مع الحكومة الأميركية.
ودخل ترامب مجال العمل بنفسه في حي مانهاتن بقرض يبلغ مليون دولار من والده، إذ أصبح من العملاء المنتظمين في بعض من أرقى نوادي المدينة.
* برج ترامب
سرعان ما ترك ترامب بصمته بسلسلة من الصفقات العقارية ومشاريع التطوير العقاري، ومنها إعادة بناء فندق قديم بمحطة غراند سنترال لقطارات الضواحي في نيويورك. وفي عام 1983، افتتح أبرز أعماله برج ترامب الذي يرتفع 58 طابقا ليصبح مقر إقامته الأساسي ومقرا لمؤسسة ترامب.
وأعقب ذلك سلسلة من المشروعات في مختلف أنحاء العالم، من بينها ملاعب للغولف، ومنتجع مارالاجو الخاص في فلوريدا، وفندق ونوادي بلازا للقمار في نيويورك.
وتباين ما لاقته مشروعات ترامب من نجاح. ومن إخفاقاته، مشروع «جامعة ترامب» وشركة ترامب للرهن العقاري، وشركة طيران ترامب، ومشروع ترامب فودكا، غير أن تجربته مع أربعة أندية للقمار في أتلانتيك سيتي هي التي نزعت البريق عن إمبراطوريته.
وكتب تيموثي أوبريان، الذي ألف كتابا عنه، يقول: إن ترامب أفلس في التسعينات، واضطر مرتين للجوء إلى أشقائه للحصول على قروض. وقال موظف سابق إنه لولا مسارعة الأسرة لنجدة مؤسسة ترامب، لكانت قد أغلقت. غير أن ترامب اعترض على ذلك في كتابه: «ترامب فن العودة للوضع السابق»، الذي صدر عام 1997.
ورغم أنه لم يتقدم شخصيا بطلب إشهار إفلاسه، فقد دفع ركود صناعة القمار ببعض وحدات إمبراطوريته إلى محكمة الإفلاس في الأعوام 1991 و1992 و2004 و2009. وفي حالة الإفلاس الأخيرة في 2009. حصل الدائنون الذين لم تكن لديهم ضمانات على أقل من سنت عن كل دولار استثمروه. واستقال ترامب من منصب الرئيس قبل أربعة أيام من رفع دعوى إشهار الإفلاس.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.