الأسد يوجه ضربة لـ«جنيف 2» بإقالة جميل

محللون: إما أنه تجاوز ما هو مرسوم له أو انتهى دوره.. أو حاول تسويق نفسه كبديل مقبول > نائب رئيس الوزراء المعزول: خروجنا من الحكومة أسهل من دخولنا إليها

قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)
قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)
TT

الأسد يوجه ضربة لـ«جنيف 2» بإقالة جميل

قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)
قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري الذي اقاله الاسد أمس (رويترز)

تلقت جهود عقد مؤتمر «جنيف 2» الخاص بسوريا ضربة جديدة تشكك في جدية نظام بشار الأسد في الجهود التي بنت عليها واشنطن آمالا في تحقيق حل سياسي. ففي بيان رسمي مفاجئ من الرئاسة السورية، أعلن عزل نائب رئيس مجلس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية، قدري جميل، إثر لقائه مع مسؤولين أميركيين.
وبينما برر النظام السوري قرار إعفاء جميل بـ«تغيبه عن مقر عمله وقيامه بـ(لقاءات في الخارج من دون التنسيق مع الحكومة) السورية»، أكدت وزارة الخارجية الأميركية لقاء السفير الأميركي الخاص بسوريا روبرت فورد بجميل السبت الماضي. وفسر محللون في لندن وواشنطن الخطوة التي أثارت تساؤلات في عواصم العالم المعنية بأنه إما أن يكون جميل قد استنفد الغرض المطلوب منه بعد أن بدأت الريح تتجه لصالح الأسد، أو أنه قد يكون قد تخطى الدور المرسوم له والذي كان يقوم خلاله بإطلاق بالونات اختبار.
وربط أحمد رمضان، القيادي في الائتلاف السوري المعارض، بين إعفاء جميل من منصبه ولقاءات مع مسؤولين أميركيين أجراها في جنيف، التي زارها انطلاقا من موسكو، مكان إقامته في الأسابيع الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأميركيين سبق أن أبلغوا معارضين في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بأن جميل التقى مسؤولين أميركيين، بناء على طلبه، وأبدى أمامهم الاستعداد للقبول بمرحلة انتقالية لا يكون الرئيس السوري بشار الأسد جزءا منها»، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن «الأميركيين لم يبدوا أي اهتمام بمواقفه لإدراكهم المسبق عدم تأثيره في صنع القرار السوري الرسمي».
وعقد جميل السبت الماضي لقاء في جنيف مع فورد، السفير الأميركي لدى سوريا، المقيم خارجها بسبب الأزمة والمكلف بالملف السوري، وبحث معه في التحضيرات لعقد مؤتمر «جنيف 2». وبحسب المصادر فإن جميل طلب من فورد المشاركة في «جنيف 2» كجزء من وفد المعارضة، إلا أن المسؤول الأميركي رفض شارحا أنه من الصعوبة بمكان أن يكون المرء في الحكومة والمعارضة في الوقت نفسه.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول «شرق أوسطي» قوله إن جميل «قدم ما اعتبره فورد في ما يبدو مقترحات غير قابلة للتنفيذ في ما يتعلق بمحادثات جنيف. وحاول أيضا دون جدوى كسب الدعم الأميركي لضمه إلى صف المعارضة في محادثات جنيف». وكان من اللافت أن جميل سعى إلى قيادة وفد ثالث في مفاوضات «جنيف 2» على أساس مستقل.
وذكرت رئاسة مجلس الوزراء السوري، في مرسوم الإعفاء الذي نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، أمس، أنه نتيجة «لغياب جميل عن مقر عمله ومن دون إذن مسبق، وعدم متابعته لواجباته المكلف بها كنائب اقتصادي في ظل الظروف التي تعاني منها البلاد، إضافة إلى قيامه بنشاطات ولقاءات خارج الوطن من دون التنسيق مع الحكومة وتجاوزه العمل المؤسساتي والهيكلية العامة للدولة، صدر مرسوم رئاسي بإعفائه من منصبه».
وجميل عضو في ما يصفه الرئيس السوري «بالمعارضة الوطنية»، وهي أحزاب سياسية تعتبر نفسها منافسة للرئيس لكن لم تنضم للانتفاضة المندلعة ضد حكمه منذ سنتين ونصف السنة، ويطلق عليها البعض بـ«معارضة الداخل». وفي رد أولي على القرار، كتب جميل على صفحته على موقع «فيس بوك»: «نقول منذ زمن إن خروجنا من الحكومة أسهل بكثير من دخولنا إليها».
ويبدو أن نبأ إعفاء جميل من منصبه، مع تسارع التحضيرات لعقد مؤتمر «جنيف 2» وبالتزامن مع وجود المبعوث العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي في دمشق، لم يفاجئ السوريين أنفسهم، لا سيما أنه موجود منذ أسابيع في إجازة يقضيها مع عائلته في روسيا، وفق ما سبق أن أعلنته مصادر في الحكومة السورية الأسبوع الماضي.
وقال أندرو تابلر، الباحث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، إنه من غير الواضح أبعاد إقدام الأسد على إقالة جميل و«هل سيتم القبض عليه لأنه اجتمع مع مسؤولين أميركيين». وأوضح تابلر أن جميل يتواصل مع المعارضة السورية ويحاول التعاون معها، ويعد أحد أعضاء ما يطلق عليه المعارضة الوطنية التي لم تشارك في «العنف المسلح» ضد نظام الأسد، وهذا لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع السوري، فلا يمكن أن يكون أحد رموز النظام وعضو المعارضة في وقت واحد. واستبعد تابلر أن تقبل المعارضة السورية تعاونا مع جميل الذي يعد أحد رموز حكومة الأسد، كما استبعد أن تؤثر إقالة جميل من منصبه على قدرة الأسد على التفاوض في «جنيف 2»، والذي يصر على رفض أي شروط مسبقة لها.
وعلق ديفيد باتلر، المحلل في برنامج الشرق الأوسط بالمعهد الملكي «تشاتام هاوس» في لندن، قائلا إن إقالة جميل ليست مفاجأة، فالرجل كان يقوم بإعطاء تصريحات تبدو كبالونات اختبار، أو ربما تكون لخدمة أهدافه هو. وأضاف أنه عندما أجرى الأسد التعديل الأخير في حكومته سحب بعض اختصاصاته، فالفكرة الأساسية بأن يكون قائد الفريق الاقتصادي في الحكومة لم تنجح على ما يبدو. أما على الجانب السياسي فرأى باتلر أنه ربما يكون هناك شعور لدى النظام أن جميل يقدم نفسه كبديل مقبول، أو أنه قد تكون الفائدة منه انتهت. ويتابع باتلر قائلا إن «جنيف 2» بالنسبة إلى الأسد هي فرصة ليجمع بقية العالم على طاولة حول رؤيته للحل السياسي التي تتماشى سواء أزيد أو أقل مع خريطة الطريق التي أعلنها سابقا.
وأعرب عن اعتقاده أن الأسد يريد العملية السياسية بهدف أن يرى العالم الأزمة من خلال رؤيته هو. وعن جميل، يرى باتلر أنه «ليس رقما مهما في النظام السوري، وأنه قد يكون مفيدا لبعض الوقت، وأنه يمثل معارضة في إطار النظام ولكن الآن مع اتجاه الريح لصالح الأسد لم تعد هناك حاجة له، وربما حدثت لديه أوهام حول مقدار نفوذه».
أما أندرو بوين، من معهد بيكر لأبحاث الشرق الأوسط، فقال إنه يعتقد أن الأسد جاد حول التفاوض، لكنه سيطيح بأي شخص يحاول التفاوض يتجاوز ما هو محدد له لتفادي أي واسطة أو صفقة قد تخرج عن شروطه. وقال إن فصله لا بد أن يكون سببه مناقشة لم يكن يجب أن تحدث، أو شيئا قوى مركزه وليس موقف بشار. وقال «أعتقد أيضا أن الدائرة المحيطة به لم تقرر بعد من يجب أن يمثلهم، أو كيف سيكون شكل المفاوضات أو ما هي التنازلات المستعد النظام تقديمها».
كريستوفر فيليبس، المحاضر في جامعة «كوين ماري» والزميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» أوضح «قد يكن الأمر متعلقا بترتيب المنزل من الداخل، ولتوصيل رسالة لأي طرف قد يفكر في التآمر: لا تتآمرو وراء ظهري» (أي ظهر الأسد) وغير ذلك. أو قد تكون إشارة إلى الروس وآخرين بأنه «إما تعملون من خلالي أو لا تعملون كليا». وأضاف «أعتقد أن الأسد ليس جادا في ما يخص التخلي عن السلطة، هكذا أنظر إلى الأمر. إذا كان ينوي التوجه إلى جنيف من أجل مسايرة الروس، فسيفعل ذلك، وأعتقد أن ما نراه حاليا مسرحية من النظام في ما يخص جنيف».
ومن جهته، أوضح فيصل ايتاني، الباحث بمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع لمركز أتلانتك، أن قيام الرئيس بشار الأسد بطرد قدري جميل يرسل رسالتين، الأولى للمجتمع الدولي يؤكد فيها أنه يملك كل مفاتيح السلطة، وأنه يسيطر على مسار أي مفاوضات حول سوريا، وأنه الرجل القوي في الحكم ولديه كل القدرات والإمكانيات. والرسالة الثانية يرسلها إلى الروس، فمن المعروف أن قدري جميل من الشخصيات المقربة لدى الدوائر الروسية، وبتنحية قدري من منصبه يقول الأسد للروس إنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا آراءهم عليه أو أن يضغطوا عليه في أي مجال يتعلق بالمفاوضات مع المعارضة.
ويقول ايتاني «من الممكن أن قدري كان يحاول التوصل للتقارب بين النظام السوري والمعارضة، ومن الواضح أنه كان يعمل وراء ظهر الرئيس الأسد لذا كان قرار إقالته من منصبه رسالة واضحة بأنه لن يشارك في أي مفاوضات».
وجاءت إشارة المصادر الحكومية السورية إلى أن جميل يقضي إجازة، فيما يفترض أنه في مهمة عمل رسمية، عقب تصريحات أطلقها من موسكو، أعلن فيها تحديد موعد مؤتمر «جنيف 2» في الثالث والعشرين من الشهر المقبل، الأمر الذي أثار حفيظة «الخارجية الروسية». ووجه الناطق باسمها ما يشبه التوبيخ بقوله إن تحديد موعد المؤتمر «ليس من شأن المسؤولين السوريين».
بعد هذه الواقعة، كثرت الشائعات عن انشقاق جميل، لكن سرعان ما نفتها مصادر مقربة من الحكومة وبشكل غير رسمي، قبل أن يتبين عمليا أنه في إجازة مفتوحة في موسكو، وتلت ذلك توقعات بإعفائه من مهامه. ولهذا لم يكن مفاجئا أن يعفى من منصبه بل كان أمرا متوقعا، خصوصا مع استمرار عقده لقاءات مع المعارضة السورية في الخارج، تردد أنه يجريها من دون تنسيق.
وأفادت معلومات بلقائه قبل يومين «وفدا عالي المستوى من وزارة الخارجية الأميركية» بحث معه في «قضايا أساسية جدا»، بحسب ما صرح به جميل. وقال، في تصريحات صحافية، إنه التقى «ممثلين عن الخارجية الأميركية بصفتي ممثلا عن جزء من المعارضة السورية». ونقلت وسائل إعلام موالية لقائه أعضاء في هيئة التنسيق (معارضة الداخل)، مشيرة إلى أنه عقد «اجتماعات سرية مع رئيس هيئة التنسيق حسن عبد العظيم، وأطراف معارضة أخرى في إطار التحضير لانضمام هذه الأطراف إلى الائتلاف الوطني السوري للمشاركة في وفد معارض واحد في (جنيف 2)».
وكانت مصادر في دمشق كشفت في وقت سابق عن زيارات يجريها قدري جميل بين موسكو وجنيف، بالتنسيق مع النظام السوري ومسؤولين في القيادة الروسية. كما جرى اتصال هاتفي بين جميل والإبراهيمي، طالبه فيه بضرورة عدم التفكير في تأجيل مؤتمر «جنيف 2».
وأكدت وزارة الخارجية الأميركية أمس لقاء السفير الأميركي لدى سوريا روبرت فورد مع جميل السبت الماضي في جنيف. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» إن جميل «كان يقود حزبا معارضا مرتبطا بالحكومة، ويبدو أنه ترك هذا المنصب الآن». وبينما أثيرت تساؤلات عن سبب لقاء فورد مع مسؤول سوري رفيع المستوى، أوضح المسؤول الأميركي: «إننا نلتقي بالكثير من السوريين من خلفيات سياسية كثيرة.. ونلتقي بشكل نظامي مع سوريين لديهم اتصال مباشر مع النظام في دمشق، ونحن نقوم بذلك لأننا نريد أن يصل النظام والمعارضة إلى اتفاق سياسي مثلما تم تحديده في بيان جنيف في يونيو (حزيران) 2012».
وكانت رسالة فورد واضحة لجميل ولمن يلتقيهم من سوريين من طرفي النظام والمعارضة، بأنه من الضروري ألا يكون الأسد والمقربون منه جزءا من أي حكومة انتقالية، وهذا أمر ترفضه الحكومة السورية. ويذكر أن اجتماع وزراء خارجية الدول الـ11 الأساسية الأسبوع الماضي شدد على ضرورة عدم إشراك الأسد في السلطة، وأن عليه أن يتخلى عن «السلطات التنفيذية» لحكومة انتقالية. وأوضح المسؤول الأميركي «اننا واضحون، لا يوجد حل عسكري للطرفين، يجب أن تكون هناك عملية تفاوض سياسي لا آلية حكم انتقالية جديدة بناء على التراضي وبسلطات تنفيذية كاملة». وأضاف المسؤول أن الولايات المتحدة ملتزمة بالبيان الختامي الصادر عن اجتماع لندن والذي «يطالب المعارضة بحضور اجتماع (جنيف 11) المزمع والذي يؤكد على ضرورة أن تكون المعارضة ممثلة عن الشعب السوري بالإضافة إلى ضرورة معالجة قضية توصيل المساعدات الإنسانية وإطلاق المعتقلين، ونحن نوصل هذه الرسائل لكل السرويين الذين نلقتي بهم».
وتعليقا على ما تناقلته وسائل الإعلام عن اجتماع عقد في جنيف بين مسؤولين أميركيين وجميل، قال وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية السوري علي حيدر أمس بعد لقائه الإبراهيمي «أظن أن واشنطن تفكر جديا في فتح قنوات مع سوريا. ولكن من المبكر التكلم عن ذلك وخصوصا أن أميركا لم تتوقف عن الدعم السياسي والإعلامي (للمعارضة السورية في الخارج) وحتى التكلم عن التسليح والتمويل والتدريب». وتمنى أن «يكون التغيير في الموقف الأميركي حقيقيا لا شكليا».
وفي غضون ذلك، التزمت مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية جانب الحذر في التعليق على إقالة جميل بسبب «الغموض» الذي يحيط بموضوع إقالته والأسباب التي أفضت إليه. بيد أن هذه المصادر بدت «واثقة» لجهة الرابط بين الإقالة وبين التحضيرات والاتصالات الجارية حاليا بشأن الدعوة إلى مؤتمر جنيف 2 وزيارة الإبراهيمي لدمشق.
وترى المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أن «مسارعة» الأسد للتخلص من قدري جميل تبين «خوفه» من تفكك الدائرة التي تلتف حوله مع اقتراب موعد المؤتمر الموعود حيث «تسعى كل مجموعة للعب ورقتها الخاصة إذا تيقنت أن مصير النظام لن يكون مضمونا للمستقبل». فضلا عن ذلك، تعتبر هذه المصادر أن الأسد «لا يريد أن يسمح لأي صوت بأن تكون له لهجة ونبرة مختلفتين عن لهجته ونبرته» وبالتالي فإن كل من يتجرأ على الابتعاد قيد أنملة عن الخط العام فإما يقال أو يجري التخلص منه».
وتربط هذه المصادر بين «خروج» اللواء علي حبيب قبل أسابيع و«انشقاق» جميل لجهة المعنى السياسي من جانب ولجهة الغموض الذي يحيط بهما من جانب آخر. كما أنها تذكر بإبعاد نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع الذي لم يعلن عن انشقاقه بل عن «مقاربة مختلفة» لكيفية التعاطي مع الأزمة السورية وصعوبة الانتصار العسكري فيها لأي من الطرفين.
وتتوقع هذه المصادر أن تتكرر «حالة» قدري جميل في الأسابيع القادمة عندما يبدو أن «جنيف 2» سيعقد فعلا، وأن هناك «توافقا دوليا» خصوصا أميركيا - روسيا في الدفع باتجاه حل سياسي يبدأ بمرحلة انتقالية تحتاج لـ«إعادة تشكيل» صورة المشهد السياسي السوري.
من جهته، رجح الخبير في الشأن السوري وأستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس الجنوب، خطار أبو دياب، أن تكون إقالة جميل «رسالة سورية إلى الولايات المتحدة وروسيا تمنعهما من محاولة تركيب أي حل سياسي ينص على استثناء الأسد، على المدى المتوسط، من المرحلة الانتقالية»، مستندا إلى تفسير مؤتمر «جنيف 1» عن انتقال السلطة لهيئة انتقالية بصلاحيات كاملة، والتي «تعني أن يصبح الرئيس غير موجود».
ورأى أبو دياب أنه «حتى ضمن هذا الإطار، أراد النظام أن يقول إن أي حل سياسي لا يأتي وفق رؤية النظام.. هو حل غير مقبول». وأضاف «تؤكد هذه الفرضية، بعد إقالة جميل، أن النظام غير قابل للإصلاح»، مشيرا إلى أن «أي تغيير فيه، ولو كان طفيفا وديكوريا، فإنه لن يقبله كونه نظاما شموليا قائما على الشخص والمجموعة المرتبطة به والتي تدور في فلكه وحوله، وأي خلل ضمن النظام يعرضه للتصدع».
وعلى الرغم من ترجيحه هذه الفرضية، فإنه لم يستبعد احتمال أن تكون روسيا «أرادت إرسال جميل إلى المعارضة لتعزيز وجودها داخلها، ولتقول للغرب إنها الممسكة الفعلية بالقرار السوري والحلول للأزمة، على صعيد الحكم والمعارضة في آن معا». ولم يستبعد أن يكون اللقاء الذي جمع بين فورد والأميركيين «عقد بطلب روسي من جميل».
وبدوره، ربط عضو الائتلاف الوطني المعارض نجيب الغضبان بين قرار عزل جميل والتصريحات الأخيرة التي أدلى بها منذ شهر تقريبا بخصوص ضرورة وجود حل سياسي ما دام طرفا النزاع لم يتمكنا من إحراز نصر عسكري حاسم. وأوضح الغضبان، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، أن هذا «الكلام بالنسبة إلى نظام سلطوي مثل النظام السوري مرفوض تماما»، مشيرا إلى أن «كل مكونات الحكومة السورية عبارة عن تكنوقراط لا دور لهم في صنع القرار السياسي، ذلك أن القرار ينحصر في عائلة الأسد وبعض الضباط الممسكين بالأمن والجيش، وإذا ما حاول مسؤول حكومي تجاوز دوره التقني يتم عزله فورا كما حصل مع جميل».
ولفت المحلل السياسي السوري سمير التقي إلى أن الروس «كلفوا جميل بأن يلعب دورا داخل أوساط النظام لتهيئة الأجواء لتقديم بعض التعهدات التي قطعوها للأميركيين، بخصوص مصير الأسد والحلول الوسط». لكن النظام «وكما فعل مع معظم الشخصيات التي كان يمكنها أن تلعب دورا وسطيا، أبعد جميل»، معتبرا أن هذا الفعل «يعد أبرز مؤشرات فشل الدبلوماسية الروسية التي لن تتمكن من أخذ شيء من الأسد».
وأعرب التقي عن اعتقاده أن الأسد «يرى حلفاءه بحاجة إليه، وليس هو من يحتاج إليهم»، معتبرا أن ما حصل مع جميل «يؤكد أن كل كلام روسيا والصين عن إمكانية التوصل إلى حل سياسي «لا يتخطى كونه مناورة لكسب الوقت»، مشيرا إلى أن النظام «لا يوجد عنده ما يقدمه».



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.