أسوان.. الأزمة المكتومة

اشتباكات جنوب مصر نكأت جراح النوبيين

أسوان.. الأزمة المكتومة
TT

أسوان.. الأزمة المكتومة

أسوان.. الأزمة المكتومة

«كان الخلاف بسيطا.. يحدث في أي مكان بين الشباب، لكن بعد رفع السلاح وسقوط قتلى، أصبح لا بد أن نتحدث عن ظلم مستمر منذ عشرات السنين، وأن يسمع العالم صوتنا». هكذا يقول الشاب المصري مجدي حسن، الذي طلبته النيابة في محافظة أسوان، ذات الطابع السياحي، للتحقيق معه ضمن عدد من المتهمين في اشتباكات أودت بحياة 30 من قبيلتي الدابودية (النوبية) والهلالية (العربية) منذ مطلع هذا الشهر.
وبينما يقدر النادي النوبي العام في مصر إجمالي عدد أبناء النوبة، سواء المقيمين أو المهاجرين، بعدة ملايين، إلا أنه لا توجد فوصل داخل القوائم الرسمية لإحصاءات السكان تبين أعراق وديانات المصريين. ويبلغ عدد سكان محافظة أسوان نحو 1.2 مليون نسمة، ويتشكل هذا العدد من أعراق نوبية تعود إلى الممالك القديمة بمصر، وأخرى عربية جاءت مع هجرات القبائل قبل نحو ألف سنة.
وفي أعقاب استقلال مصر عن بريطانيا وانفصالها عن السودان، وقيامها بزيادة مشروعات تخزين المياه في أسوان، ظهرت جروح كثيرة للنوبيين لم تندمل، ليس بإقامة السد العالي في ستينات القرن الماضي فقط، ولكن القضية تعود إلى أكثر من مائة سنة، وهذا ما أظهرته الاشتباكات الأخيرة، كما يقول مجدي حسن، لـ«الشرق الأوسط» وهو أحد أبناء قبيلة الدابودية ممن جرى تهجيرهم في ثلاثينات القرن الماضي من الأرض الأم جنوب مدينة أسوان إلى داخل المدينة وبعض المناطق المجاورة.
ومنذ بداية الأحداث التي عصفت بالمحافظة، وكان أبرزها اشتباكات يوم الجمعة قبل الماضي الذي استخدمت فيه الأسلحة الآلية، شعر الكثير من المسؤولين بوجود بعض الأصوات التي تجنح إلى الاستغلال السياسي للقضية ومحاولة طرحها كقضية دولية، وعدم التعامل معها على أنها نوع من الاشتباكات وقعت ين مواطنين مصريين كما يحدث في الكثير من المحافظات، كما يقول أحد مسؤولي المحافظة لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن البعض أخذ يتحدث عن «المشكلة النوبية» منذ بداية عمليات تهجير أبناء النوبة التي ترجع لنحو عشرة عقود، حتى اليوم.
وبدأت عمليات التهجير للنوبيين على عدة مراحل بهدف إفساح مساحات شاسعة من الأراضي لتخزين مياه النيل، سواء مع عملية التخزين الأولى التي بدأت في عام 1902 أو عمليات التخزين التالية التي استمرت في الثلاثينيات أيضا، إلى أن جاء بناء السد العالي في الستينيات، مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من النوبيين إلى الكثير من المحافظات المصرية والإقامة بها، وإنشاء نواد للالتقاء حول الثقافة النوبية ولغتها الخاصة وفنونها ذات المسحة الفرعونية العتيقة.
وبمرور الزمن، تحولت قضية النوبة إلى ما يشبه المعضلة المستمرة منذ سنوات التهجير، إلى أن اندلعت شرارة الاشتباكات المسلحة الأخيرة، رغم أن السبب في المشكلة لا علاقة له بموضوع التهجير من الأساس، إلا أن الأصوات التي بدأت تظهر من هنا وهناك لا تغفل الإشارة إلى أن قضية أراضي النوبيين وما آل إليه مصيرهم، هي القضية الرئيسة، خاصة بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وتراجع السياحة التي يعتمد عليها أبناء الدابودية، إلى جانب التدهور الاقتصادي ونقص الخدمات التي تعانيها البلاد منذ ثلاث سنوات.
ويضيف حسن وهو يستعد للتوجه لنيابة أسوان للرد على التهم الموجهة إليه: «أنا مطلوب للتحقيق بالنيابة في تهم بالتحريض على الأحداث، وبأنني كنت مع الشباب الذين نفذوا العملية» التي جرت يوم الجمعة قبل الماضي.
وهنا، يتدخل أحد أبناء الدابودية أيضا، ويدعى مختار محمود، قائلا إن النوبيين والعرب في أسوان يعيشون في سلام منذ عشرات السنين، و«كنا نعمل جنبا إلى جنب في السياحة والزراعة، لكن غالبية الشباب والرجال الذين كانوا يعتمدون في عملهم على النشاط السياحي، تعرضوا لضربة كبيرة تسببت في إذلالهم، حين تراجعت السياحة بشكل كبير وغير مسبوق منذ سقوط (نظام الرئيس الأسبق) حسني مبارك، لدرجة أن الرجل منا لم يكن يجد ثمن عشاء بيته».
ويقول سعد شمس الدين، وهو من قبيلة الهلالية بأسوان، إن سبب المشكلة التي تفجرت أخيرا في منطقة «وادي السيل الريفي» بالمحافظة، يرجع تاريخها إلى نحو تسعة أشهر مضت، وذلك حين تعارك عدد من الشباب من القبيلة مع شباب من الدابودية، بسبب خلافات حول أسبقية الحصول على أسطوانات غاز الطهي من الموزع. وحدث هذا أيام أزمة شح أسطوانات الغاز التي كان يعانيها المصريون في كل المحافظات تقريبا، في أواخر عهد الرئيس السابق محمد مرسي.
ويضيف: «أنت تعلم أن السلاح منتشر في مصر مع الكثير من الناس، خاصة في محافظات الصعيد. سلاح يأتي من ليبيا ومن السودان ويباع في السوق السوداء.. ومعروف عن أسوان أنها مسالمة ولا تعرف العنف ولا يعرف أبناؤها حمل السلاح، تحولت خلال الانفلات الأمني في أعوام 2011 و2012 و2013 إلى ترسانة أسلحة خاصة بين سكان المناطق الجبلية».
ودفعت الأحداث التي هزت الرأي العام بمصر، كبار المسؤولين في الدولة، بمن فيهم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، إلى التوجه إلى أسوان ومقابلة أطراف المشكلة للتوصل إلى مصالحة دائمة بين القبيلتين.
لكن، وإلى جانب جهود المصالحة التي يبدو أنها دخلت طور التنفيذ بنجاح حتى الآن، فإن الحادثة تسببت في فتح أبواب كانت مغلقة منذ عقود طويلة عن أراضي النوبيين وقيمة ما حصلوا عليه من تعويضات من الحكومات السابقة عن عمليات التهجير، وأخطاء السلطات التنفيذية في العقود الغابرة، منذ أيام الرئيس جمال عبد الناصر، وما قبلها حتى اليوم، لكن الملاحظ أن عموم النوبيين - كما يقول الشيخ حامد الدابودي، من عواقل الدابودية - يتحدثون عن قضيتهم «باعتبارها قضية مواطنين مصريين، ويبعدون عن أنفسهم، أولا بأول، الأقاويل والإيحاءات التي تريد استغلال الحادث الأخير وتصور المسألة كقضية أقليات».
ويرفض ناجي عبد الله، من هيئة الدفاع عن الضحايا النوبيين، قيام البعض بمحاولة الاستغلال السياسي لضحايا الحادث من القبيلتين، مشيرا إلى أن الدابودية، بل النوبيين عموما: «يتعاملون مع الجميع كمصريين، يخدمون في الجيش وفي الشرطة، وبينهم كتاب ومطربون وقيادات معروفة ومشهورة، وحين يعلن النوبيون أنهم تعرضوا للظلم في الماضي، وأن لهم مطالب لا بد من الاستماع لها من جانب المسؤولين.. هم يقومون بذلك مثلهم مثل أي منطقة مصرية.. أبناء سيناء (شمال شرقي البلاد) لهم مظالم ومطالب وأبناء مطروح (شمال غربي البلاد) كذلك.. السلطة المركزية لا تنصت عادة لسكان الحدود بشكل عام».
ولا يعرف عن النوبة أنها سعت في السابق للانفصال عن مصر، كما يؤكد عالم المصريات، الدكتور أحمد صالح، الذي يشغل موقع مدير آثار أبو سمبل ومعابد النوبة في وزارة الآثار المصرية، مشيرا إلى أنه على مدى التاريخ «كان النوبيون المصريون مسالمين ولم يسببوا أي قلاقل ولا اضطرابات لمصر، والدليل على ذلك أن الحصن الأول المصري هو حصن (اليفانتين) كان حصنا تجاريا، بينما الحصن الثاني جنوب أسوان بـ350 كيلومترا كان حصنا عسكريا، والنوبيون المصريون كانوا يعيشون بين الحصنين».
ويضيف الدكتور صالح، مؤلف كتاب «راهب في محراب التاريخ»، في حديث له مع وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية بمناسبة أحداث أسوان، أن الحملات العسكرية الموجودة على جدران المقابر والمعابد المصرية التي تصور حملات عسكرية تجاه النوبة ما هي إلا نوع من أدبيات السلطة، لافتا إلى أن «التاريخ المصري القديم شهد زيارات على مستوى عال للحكام المصريين إلى النوبة لمقابلة زعماء القبائل النوبية والتحدث معهم في مشاكلهم ولافتتاح مشروعات كبيرة مثل زيارة الملك ببي الأول لافتتاح قناة مائية في الشلال الأول وأيضا الملك رمسيس الثاني وعائلته لافتتاح معبدي أبو سمبل».
ويوضح الدكتور صالح أن النوبيين ساهموا في الجيش المصري طوال التاريخ بفرقة عسكرية تسمي «مدجاي» كان لها دور كبير في كل انتصارات الجيش المصري طوال التاريخ الفرعوني، واشتهرت هذه الفرقة ببراعة في الرماية وكانوا يبرعون في دقة الإصابة بالسهام، كما انخرط النوبيون في الأمن والشرطة وكان قائد الأمن في تل العمارنة عاصمة إخناتون نوبيا واسمه «بانجسي».
ولأهمية قضايا المحافظات الحدودية مع غزة وليبيا والسودان، فتح عدد من المرشحين المحتملين للرئاسة في الوقت الحالي، خطوط اتصال ولقاءات مع وفود من هذه المحافظات، كان أبرزها استقبال المشير عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش السابق، عمد ومشايخ وقيادات شعبية من قبائل مطروح وسيناء وأسوان، وذلك مع اقتراب موعد الدعاية الانتخابية مطلع الشهر المقبل، في مواجهة منافسين آخرين، بينهم المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي. ويعد النوبيون من المصريين الذين لديهم قدرة على تنظيم أنفسهم أثناء الاستحقاقات الانتخابية، من خلال أكثر من أربعين جمعية نوبية منتشرة في المحافظات المصرية وتتبع النادي النوبي العام بالعاصمة المصرية.
ويسعى بعض المحامين الآخرين، لفتح باب التقاضي أمام المحاكم المصرية من جديد بشأن النزاع على أراض في أسوان بين قبائل نوبية وأخرى عربية، وتأكيد حق النوبيين في التعويض وفي أولوية التنمية، بالمحافظة التي تقع على بعد 879 كيلومترا جنوب القاهرة، وتبلغ مساحتها نحو 34 ألف كيلومتر مربع، وتضم ستة مراكز إدارية وعشر مدن و30 وحدة محلية إلى جانب مئات من القرى والنجوع والكفور، لكن وبسبب تعدد الأسماء، ما زال البعض يخلط بين مناطق وجود بعض القبائل هنا وهناك.
مثلا.. توجد قرية اسمها «دابود» في منطقة «نصر النوبة»، وهي بعيدة عن منطقة اشتباكات قبيلة الهلايل وقبيلة «دابود» التي جرت في قرية وادي السيل. والسبب يرجع إلى أن قبيلة «دابود» تفرقت بسبب التهجير الذي تعرضت له في مراحل بناء خزانات وسدود المياه خلف أسوان، ومنهم من جرى تهجيرهم أولا إلى «نصر النوبة»، ثم في عام 1933 تعرض باقي أبناء الدابودية إلى موجة تهجير أخرى، فتفرقت إلى عدة مناطق، منها منطقة «الشيخ فضل» في مركز دراو، وفي منطقة السيل الريفي، ومنطقة سيل الحقماط، إضافة إلى محافظات أخرى أيضا.
ويقول مجدي حسن: «غالبيتنا في أسوان من منطقة (الشيخ فضل)، ولم يحصل أجدادنا وآباؤنا على أي حقوق منذ جرى تهجيرنا إلى هنا قبل ثمانين سنة». ويضيف: «منذ ذلك الوقت، لم نحصل على أي تعويضات أو أراض أو مبان.. الحكومة عملت مباني في نصر النوبة، لكننا في منطقة الشيخ فضل، وفي مدينة أسوان، نقيم ببيوت نحن الذين أسسناها دون تعويض عن بيوتنا السابقة وأراضينا التي غمرتها المياه، ولذلك نطالب الحكومة ببناء بيوت لنا كما جرى من بناء للبيوت في نصر النوبة في آخر هجرة.. نطالب بهذا، ولكن لا مجيب ونطالب بمد الخدمات لنا، دون مجيب. ما يحدث لنا ظلم كبير، خاصة بعد توقف النشاط السياحي، حيث لم يعد لدينا مورد رزق، والشباب مخنوق، ويعاني البطالة.. لا أكل ولا شرب، ولهذا أصبح من السهل أن تقع الاشتباكات ويسقط ضحايا».
وعقب الحادثة المروعة، أخذت الحكومة المصرية، برئاسة المهندس إبراهيم محلب، عدة قرارات كان على رأسها سرعة الوصول لحلول جذرية تعيد علاقة الوئام والتعاون بين القبيلتين، بالإضافة إلى خطط بدأ تنفيذها بالفعل لتوفير الرعاية والخدمات الضرورية لأبناء أسوان، الذين قال عنهم محافظ المحافظة، اللواء مصطفي يسري، إنهم «إذا تعاركوا في الصباح فإنهم يتصالحون في المساء»، في إشارة إلى حالة السلام والأمان والود المشهورة بين أبناء المحافظة.
لكن أبناء النوبة في أسوان، وأبناء المحافظات الحدودية الأخرى، يريدون، وفقا للشيخ حامد الدابودي، تطبيق ما نصت عليه المادة 236 من الدستور الجديد الذي أقر مطلع هذا العام. وتعكس هذه المادة إدراك الدولة المصرية المشاكل الموجودة في تلك المناطق. ويقول نص المادة: «تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية، والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفي أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور».
كما أعطت المادة نفسها خصوصية لمشكلة النوبة المزمنة، ونصت على أن الدولة تعمل على «وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات».
ومن جانبها، أدت لقاءات شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، بقيادات أسوان الشعبية والتنفيذية، لإنهاء المواجهات ووقف إراقة الدماء بين أبناء الوطن الواحد ووضع خريطة لـ«وأد الفتنة»، والتقى ممثلو القبيلتين على باب قاعة الاجتماعات التي كان يبحث فيها شيخ الأزهر، في الديون العام للمحافظة، لم الشمل بينهما، فتقدم كل طرف من أطراف القبلتين، ومنهم شيخ الدابودية عارف صيام، وشيخ الهلايل سعودي حسين، وعانق كل منهما الآخر.
وطلب شيخ الأزهر من جميع الأطراف عدم التباهي بالأعراق والأنساب قائلا إن من يريد أن يتباهى عليه أن يتباهى بالعمل الصالح وعدم التفريق بين الناس على أسس قبلية أو عرقية، وأضاف: «نحن جميعا من أم واحدة وأب واحد». وانتهت لقاءات الطيب بقبول الطرفين تشكيل لجنة مصالحة برئاسة الدكتور منصور كباش، رئيس جامعة أسوان.
وبينما صرح رئيس النادي النوبي العام، المستشار محمد عدلان، بأن حل الأزمة يقطع الطريق أمام أي محاولات أخرى لإثارة الفتن، يقول بعض السياسيين إن تدخل شيخ الأزهر ومرونة السلطة التنفيذية خاصة محافظة أسوان، في التعامل مع الأزمة أسهما بشكل كبير في السيطرة عليها قبل أن تتحول إلى كرة لهب لا يعلم إلا الله إلى أين ستنتهي. وطالب منسق جبهة «مصر بلدي» في أسوان، المستشار محمد سليم، الأحزاب السياسية بدعم مبادرة شيخ الأزهر، في إنهاء «الفتنة» بأسوان، مؤكدا دعم قبائل أسوان هذه المبادرة والعمل على إنجاح لجنة المصالحة.
وتقول محافظة أسوان إنها بدأت بالفعل تنفيذ قرارات المحافظ بتوصيل المياه للمنازل في القرى وتنظيم قوافل طبية وعلاجية مجانية بشكل يومي بجوار الجمعيات التنموية التابعة لقبيلتي الدابودية والهلالية بمنطقة «السيل الريفي»، وسط تأكيدات من جانب المحافظ على عودة الحياة لطبيعتها، مع الاستمرار في الاهتمام بالمعالم السياحية لجذب مزيد من الزوار من دول العالم المختلفة على أساس أن الرواج الاقتصادي يسهم أيضا في تلطيف الأجواء بين المواطنين، بينما يعود حسن ويقول وهو يتأهب للرد على أسئلة النيابة بشأن علاقته بأحداث الجمعة الدامية: «رضينا بالمصالحة.. ورضينا بما قسمه الله لنا».
* محطات نوبية في مائة سنة

* 1902: الانتهاء من بناء أول خزان للمياه خلف أسوان، مما أدى إلى ارتفاع منسوب مياه النيل وغرق مساكن وأراض زراعية في عشر قرى نوبية.
* 1912: تسببت تعلية السد الخاص بخزان أسوان في ارتفاع جديد لمنسوب المياه، مما أدى إلى غرق ثماني قرى نوبية أخرى.
* 1932: أجرت السلطات تعلية جديدة للسد نتج عنه ارتفاع جديد في منسوب المياه التي أدت إلى غرق مزيد من القرى النوبية وصل عددها إلى عشر.
* 1933: الحكومة تصدر أول قانون بنزع ملكية أهالي النوبة وتقدير التعويضات اللازمة للمضارين من بناء سد أسوان ومراحل تعليته.
* 1936: مجلس النواب (البرلمان) يتطرق إلى انتقادات بشأن ضآلة تعويضات النوبيين في عهد حكومة مصطفى باشا النحاس.
* 1944: أول مذكرة تصدر عن تجمع نوبي وترسل للحكومة احتجاجا على طريقة تقدير التعويضات.
* 1947: نائبان نوبيان يتقدمان باقتراح للبرلمان بربط مصر والسودان بخط سكة حديدية، لإنعاش منطقة النوبة، لكن الاقتراح لم يظهر للنور.
* 1953: الحكومة تبدأ وضع دراسات لإقامة سد جديد هو «السد العالي»، تضمنت الأضرار المحتملة التي سيتعرض لها النوبيون.
* 1963: تنفيذ عملية إنقاذ آثار النوبة ونقل عدة معابد ومقابر من المناطق التي ستغمرها مياه النيل بسبب «السد العالي».
* 1964: تهجير الألوف من أبناء النوبة، إلى مناطق مرتفعة وبعيدة عن السد العالي، منها هضبة «كوم أمبو» وصحراء «إسنا».
* 1992: الحكومة توافق على مقترح للنوبيين بتعمير المنطقة التي جرى تهجيرهم إليها بطريقة جمعيات تعاونية، إلا أن المشروع لم يؤت ثماره.
* 1997: افتتاح متحف النوبة بمشاركة رؤساء الكثير من الدول الصديقة لمصر ممن شاركت في إنقاذ آثار النوبة.
* 2014: الدستور المصري الجديد يتضمن لأول مرة إلزام الدولة العمل على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وإشراك أهلها في مشروعات التنمية ومراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.