لم يعد الغرب يخفي قلقه من التأثير المتزايد لوسائل الإعلام الروسية، لا سيما تلك التي تبث باللغات المحلية في أوروبا أخبارها عبر الإنترنت، أو برامجها عبر قنوات التلفزة. وأصبحت كل خطوة يقوم بها الإعلام الروسي الحديث محط اهتمام وتساؤلات في الغرب، حول الأهداف المبيتة من هذه الخطوة أو تلك، وسط تزايد الاتهامات لذلك الإعلام بأنه أداة يستخدمها الكرملين لتمرير مشاريع وخطط سياسية في مختلف دول العالم.
وأخيرًا، أثارت اهتمامًا واسعًا في الأوساط الإعلامية البريطانية أنباء حول نية مؤسسة يُطلق عليها «برافدا إنترناشيونال» افتتاح مكتب لها في أدنبره، عاصمة اسكوتلندا. وكانت صحيفة «هيرالد» الاسكوتلندية أول من نشر ذلك الخبر الذي سرعان ما انتشر في صحف أخرى، بينما رأى كثيرون في خطة المؤسسة افتتاح مكتب لها في أدنبره مؤشرًا على نية روسيا تقديم المساعدة لاسكوتلندا في الحصول على استقلالها عن بريطانيا، ظنًا منهم أن الحديث يدور حول صحيفة «برافدا» السوفياتية الشهيرة، لسان حال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي.
ونقلت صحيفة «هيرالد» عن أوليفر هيست، رئيس التحرير البريطاني لمؤسسة «برافدا إنترناشيونال»، قوله إن الوسيلة الإعلامية الجديدة ستكون مستقلة، ولن تكون جزءًا من «حملات البروباغندا الحالية بروح الحرب الباردة»، مؤكدًا أن مصارف روسية خاصة ستقوم بتمويل الصحيفة التي ستصل ميزانيتها إلى 10 ملايين دولار أميركي. وقد أثارت عبارته الأخيرة اهتمامًا واسعًا، وكثيرًا من التساؤلات حول الهدف الحقيقي من افتتاح تلك الصحيفة، لا سيما أن الأمر جاء بعد افتتاح وكالة «سبوتنيك» الروسية مكتبًا لها في العاصمة الاسكوتلندية، وهذا كله في الوقت الذي تنوي فيه السلطات في اسكوتلندا إجراء استفتاء عام للرأي حول الاستقلال عن بريطانيا.
إلا أن اللافت في هذه القصة أن الصحيفتين الروسيتين اللتين تحمل اليوم اسم «برافدا»، وهي «كومسومولسكايا برافدا» وريثة صحيفة حملت الاسم ذاته وكانت لسان حال منظمة الشبيبة الشيوعية السوفياتية، و«برافدا» الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي الروسي بزعامة جينادي زوغانوف، وريثة «برافدا» لسان حال الحزب الشيوعي السوفياتي، نفيتا أي علم لهما بصحيفة «برافدا إنترناشيونال»، ونيتهما افتتاح مكاتب في أدنبره.
وكشف تحقيق أجرته «BBC» كثيرًا من المعلومات المبهمة والغامضة حول الصحيفة الجديدة. إذ يؤكد التحقيق على القناة البريطانية أن مؤسسة «برافدا إنترناشيونال» كانت قد أصدرت بالفعل صحيفة منذ عام 1992 حتى عام 1996، إلا أن تلك الصحيفة لم تعد موجودة حاليًا. أما المواقع الإلكترونية التي تحمل الاسم ذاته، فهي متعددة ولا تدل على مؤسسة إعلامية حقيقية، بل مواقع فيها صور لمشاهير هوليوود. وأما محاولات الاتصال مع أوليفر هيست، عبر حسابه على «تويتر»، فقد باءت بالفشل، ذلك أنه الحساب تم إغلاقه بعد أسبوع على نشر «هيرالد» تقريرها عن «برافدا إنترناشيونال».
وتضيف «BBC» أن الصحافي الذي أعد التقرير عن «برافدا إنترناشيونال» حصل على المعلومات عن نيتها افتتاح مكتب في أدنبره من منشور إعلامي وصل إلى صحيفته، موضحًا أن الأشخاص الذين أرسلوا ذلك المنشور رفضوا إجراء حوار عبر الهاتف، لكنهم وافقوا على الإجابة عن الأسئلة عبر البريد الإلكتروني. ويقول الصحافي من «هيرالد» إن هؤلاء الأشخاص تحديدًا هم من أكدوا علاقة «برافدا إنترناشيونال» بصحيفة «برافدا» الروسية.
وبانتظار أن تتضح الأمور حول حقيقة مؤسسة «برافدا إنترناشيونال»، فإن اهتمام الإعلام البريطاني بهذا الأمر يكشف عن قلق الغرب من توسيع روسيا لنفوذها الإعلامي في المرحلة الحالية، حيث اكتسبت المواجهة الإعلامية شكلاً جديدًا يشعر الغرب معه بفقدانه السيطرة المطلقة على الفضاء الإعلامي العالمي، وحتى على الفضاء الإعلامي في دوله، وذلك بعد أن استفادت روسيا من تطور تقنيات الاتصالات والمعلومات والآليات الحديثة للعمل الإعلامي والبروباغندا، فضلاً عن حرية الإعلام في أوروبا، وأنشأت مؤسسات إعلامية عملاقة تخاطب الرأي العام الغربي بلغته المحلية.
ولم يكن توجه روسيا نحو الرأي العام الغربي أمرًا جديدًا، إذ كانت روسيا تعتمد على وكالتي «تاس» و«ريا نوفوستي» في نقل الأخبار، وعرض وجهات النظر الروسية، عبر نشرات يومية على المواقع الرسمية للوكالتين تتضمن الأخبار السياسية والاقتصادية، وتقارير تحليلية تُنشر باللغات الإنجليزية والفرنسية، فضلاً عن لغات أخرى مثل العربية والصينية واليابانية والتركية والإسبانية وغيرها.
ويبدو أن تأثير تلك الوكالات كان محدودًا، ولم يكن يطلع على مواقعها الإلكترونية سوى الأشخاص المهتمين والمعنيين والسفارات والوزارات، في إطار المتابعات الإعلامية. وجاء افتتاح روسيا لشبكة قنوات تلفزيون «آر تي» ليشكل نقلة نوعية في نهج البروباغندا الروسية، ساهمت بدخول الإعلام الروسي إلى كل منزل، وكثفت البروباغندا الروسية نشاطها بموجب خطة عمل واضحة أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نهاية عام 2013، حين أصدر قرارا بحل وكالة «ريا نوفوستي» التي لم تكن السلطات راضية عن نشاط رئيسة تحريرها سفيتلانا ميرلنيوك، لا سيما تغطيتها المحايدة للوضع الداخلي، بما في ذلك بعض الاحتجاجات في العاصمة موسكو.
وبموجب القرار ذاته، حلت إذاعة «صوت روسيا»، وضمت إلى «ريا نوفوستيِ» ليشكلا معًا وكالة «روسيا سيغودنيا» التي ضمت لاحقًا مجموعة قنوات تلفزيون «آر تي» إليها. أما المهمة الرئيسية للوكالة الجديدة، فهي «التوضيح للعالم أن روسيا تمارس سياسة مستقلة، وتدافع بحزم عن مصالحها القومية»، حسب قول سيرغي إيفانوف، مدير الديوان الرئاسي حينها. وأما دميتري كسيلوف، مدير «روسيا سيغودنيا»، فقد قال حين تولى مهامه إن «نظرة العالم إلى روسيا حاليًا غير عادلة. وأرى أن إعادة النظرة العادلة إلى روسيا بصفتها دولة بنيات حسنة تتمتع بأهمية عالمية، هي المهمة الرئيسية للوكالة الجديدة».
ومع إطلاق تلك الوكالة الجديدة التي تضم موقع «سبوتنيك» الإخباري باللغات العالمية، وشبكة قنوات «آر تي»، كثفت روسيا وجودها في الفضاء الإعلامي العالمي، مع تركيز على العمل في الولايات المتحدة والدول الأوروبية. إلا أن الاهتمام بمتابعة وسائل الإعلام الروسية الجديدة تزايد بصورة ملموسة خلال العامين الماضيين، إثر تراكم جملة من الأزمات العالمية التي تلعب روسيا فيها دورًا محوريًا، وكذلك على خلفية تصاعد حدة التوتر بين روسيا والغرب.
تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن نية مؤسسة «برافدا إنترناشيونال» الغامضة افتتاح مكتب لها في اسكوتلندا، لم يكن الحادثة الأولى التي يتناولها الغرب من زاوية توجيه اتهامات لروسيا باستغلال أدواتها الإعلامية في سياساتها. فقد اتهمت صحيفة «بيلد» الألمانية وسائل الإعلام الروسية بالتحريض على الكراهية بحق اللاجئين. وجاءت تلك الاتهامات على خلفية ما تقول «بيلد» إنه «مونتاج عشوائي» لصورة التقطتها أنجيلا ميركل مع لاجئ سوري عمد الإعلام الروسي أن يقول إنه «إرهابي بروكسل».
ويقول أنس معضماني (بطل تلك الصورة) لـ«بيلد» إنه شعر بالصدمة بعد رؤية تلك الصورة، ووصفه بأنه «إرهابي بروكسل». ولم تكن اتهامات «بيلد» للإعلام الروسي سوى مثال على اتهامات أخرى كثيرة وجهتها وسائل إعلام ومسؤولون أوروبيون للإعلام الروسي والدور الذي يلعبه. إلا أنه بغض النظر عن تقييم هذا الإعلام أو ذاك، فإن الواقع يظهر بوضوح مواجهة حامية الوطيس بين الإعلامين الروسي والغربي، في وقت أدرك فيه الغرب أن روسيا حطمت هيمنته المطلقة على وسائل الإعلام، وتعلمت كيف يمكن استغلال تلك الوسائل للدفاع عن مصالحها، وتبرير ممارساتها، وتمرير سياساتها، والتأثير على الرأي العام المحلي عند الضرورة. وبعد أن كانت روسيا هي من يتهم الإعلام الغربي بمحاولة تأليب الرأي العام المحلي، فقد أصبحت اليوم متهمة من الإعلام الغربي بالأمر ذاته.
البرافدا في اسكوتلندا.. لدعم الانفصال أم جزء من المواجهة الإعلامية؟!
بعد اتهامها الغرب باستغلال الإعلام لتأليب الرأي العام المحلي.. روسيا تواجه الاتهامات نفسها
صحيفة «البرافدا» السوفييتية الناطق الرسمي باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي - «كومسومولسكايا برافدا» الروسية الحديثة («الشرق الأوسط»)
البرافدا في اسكوتلندا.. لدعم الانفصال أم جزء من المواجهة الإعلامية؟!
صحيفة «البرافدا» السوفييتية الناطق الرسمي باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي - «كومسومولسكايا برافدا» الروسية الحديثة («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





