لبنان.. «الفراغ» يهدد الدولة

فشل في تأليف الحكومة وإجراء انتخابات برلمانية.. وعجز في تعيين قادة للأجهزة الأمنية والعسكرية

لبنان.. «الفراغ» يهدد الدولة
TT

لبنان.. «الفراغ» يهدد الدولة

لبنان.. «الفراغ» يهدد الدولة

يكاد اللبنانيون يستسلمون أمام فكرة «الفراغ» الذي يضرب في بنية الدولة ومؤسساتها نتيجة العجز عن القيام بتداول طبيعي للسلطة كما هي حال النظم الديمقراطية التي حافظ لبنان على الحد الأدنى منها في أحلك الظروف التي مرت بها البلاد خلال الحرب الأهلية وما قبلها من أحداث وقعت في البلاد.
ويقال إن اللبنانيين يحملون المظلات إذا ما أمطرت السماء في الصين، للدلالة على حجم التأثير الخارجي في مسار الحياة السياسية والأمنية، فكيف إذا ما كانت الأزمة هذه المرة تضرب «الشقيقة» سوريا، الدولة الجارة التي كانت تملك نفوذا هائلا فيه!
لقد ربى النظام السوري طيلة عقود من وجوده الأمني والعسكري المباشرين في لبنان، كثيرا من العداوات و«الصداقات» التي نفعته يوم احتاجها في الحرب الدائرة على أرضه هذه المرة. أما لبنان فقد دفع ثمن قربه الجغرافي وانخراط القوى السياسية فيه في الحرب بطريقة مباشرة، وغير مباشرة، تجميدا للحياة الطبيعية فيه. وهذا الجمود كان ثمنا بسيطا يدفعه لبنان لعدم انخراطه في الحرب السورية بعد أن اجتمع الرعاة الدوليون على ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان. وفيما ينتظر الساسة اللبنانيون أن تجري رياح الظروف الإقليمية وفق ما تشتهيه سفنهم، فيتمكنوا من قطف ثمار موقفهم السياسي في سوريا، يأكل الفراغ المؤسسات اللبنانية واحدة تلو الأخرى حتى بات لبنان قاب قوسين أو أدنى من انهيار كل مؤسساته والطعن في شرعيتها.

قبيل اندلاع الأزمة السورية، قام حزب الله وحلفاؤه بالانقلاب على رئيس حكومة الوحدة الوطنية سعد الحريري، واختاروا موعدا معبرا للاستقالة من حكومته وتطيير نصابها القانوني، وهي لحظة دخوله إلى اجتماع كان مقررا مع الرئيس الأميركي باراك أوباما. أراد السوريون أن يقولوا للأميركيين «الأمر لنا»، فكان أن طارت حكومة الحريري، وأتت الاستشارات النيابية بالرئيس نجيب ميقاتي بعد انحياز النائب وليد جنبلاط بكتلته النيابية الصغيرة إلى جانب حلفائهم في لبنان.
غير أن اندلاع الأزمة السورية بعد أشهر قليلة أعاد خلط الأوراق مجددا، فمال الرئيس ميقاتي إلى مهادنة المعارضة و«نغص» على حلفاء سوريا لحظة وصولهم إلى السلطة، لرفضه دخول المواجهة السافرة. لكن ميقاتي امتلك قدرة التعطيل، من دون أن يمتلك قدرة القرار، فكان أن جرى تجميد الأوضاع بالتوازي مع ارتفاع حدة الأزمة السورية. لم تتمكن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي من إجراء أي تعيينات على مستوى الإدارة اللبنانية بسبب الانقسام السياسي والمحاصصة الطائفية، لتقتصر التعيينات التي أجرتها على 25 تعيينا طوال فترة ولايتها.
وبحسب دراسة صادرة عن «الدولية للمعلومات» مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، فإن 31% من وظائف الفئة الأولى شاغرة، وإن 60% من وظائف الفئة الثانية و54% من وظائف الفئة الثالثة شاغرة، وترتفع هذه النسبة إلى 73.2% في الفئة الرابعة، و82% في الفئة الخامسة.
ولم تكن الإدارة الرسمية وحدها ضحية هذا التجميد، فقد انتقلت الأمور إلى البرلمان، الذي مدد لنفسه نحو سنة ونصف السنة، بعد أن قرر الفرقاء إبقاء الوضع على حاله، مفضلين عدم خوض الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في يونيو (حزيران) الماضي، مما أفقد البرلمان جزءا من شرعيته في نظر كثير من اللبنانيين. غير أن البرلمان لم يجتمع مرة واحدة منذ تمديد ولايته نتيجة تباين في تفسير الدستور بين قوى «14 آذار» التي ترى أن المجلس لا يمكن أن يجتمع للتشريع في ظل غياب الحكومة، فيما يرى رئيس المجلس نبيه بري أن البرلمان سيد نفسه ويستطيع الاجتماع واتخاذ القرارات حتى لو كانت الحكومة مستقيلة.
بعد البرلمان، أتى دور قوى الأمن الداخلي، فرئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي يقول إنه حمى قادتها من «المحاسبة السياسية» نتيجة قربهم من قوى المعارضة، لم يستطع أن يقنع شركاءه في الحكومة بتمديد ولاية المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، فكان أن اختار إعلان استقالته لهذا السبب، ليخرج ريفي من المؤسسة الأمنية من دون أن يجد من يخلفه بالأصالة، فبدأ مسلسل شغل موقعه بالوكالة من أقدم الأعضاء في مجلس القيادة، فكان أن شغله ضابط أحيل إلى التقاعد بدوره بعد أشهر، ثم شغله آخر في انتظار إحالته بدوره إلى التقاعد.
ولا يقتصر الأمر، على ريفي ومن خلفه، على صعيد قوى الأمن الداخلي، ثمة سبعة مواقع شاغرة في مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي المؤلف من 11 عضوا، هي: موقع المدير العام لقوى الأمن الداخلي (بعد إحالة اللواء أشرف ريفي إلى التقاعد)، والمفتشية العامة، والإدارة المركزية والخدمات الاجتماعية، والقوى السيارة، وهيئة الأركان، وجهاز أمن السفارات والإدارات والمؤسسات العامة، ومعهد قوى الأمن الداخلي.
ثم أتى دور الجيش، فبعد أن جرى إيجاد مخرج لقضية تقاعد مدير الاستخبارات اللواء إدمون فاضل بتمديد خدماته بقرار من وزير الدفاع، عجزت الحكومة عن تعيين بديل لقائد الجيش العماد جان قهوجي، كما عجز البرلمان عن الاجتماع لإقرار قانون يمدد سن التقاعد. فكان أن قام وزير الدفاع فايز غصن بالتنسيق مع الرئيس اللبناني ميشال سليمان باستباق انتهاء ولاية قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي بقرار مددا بموجبه خدمات قهوجي ورئيس الأركان اللواء وليد سليمان لسنتين إضافيتين، غير أنه ثمة ثلاثة مواقع شاغرة في المجلس العسكري الذي يضم ستة أعضاء، بينهم قائد الجيش ورئيس أركانه. والمواقع الشاغرة هي: المفتش العام، والعضو المتفرغ، ومدير الإدارة.
وقبل كل هؤلاء، كانت ولاية أعضاء في المجلس الدستوري تنتهي من دون تعيين بديل لهم، فكان أن فقد المجلس الذي يعد أعلى سلطة قضائية - دستورية دوره، نتيجة التدخلات السياسية وانصياع بعض أعضائه للقرار السياسي الذي رفض اجتماع المجلس للنظر في طعن مقدم بتمديد ولاية البرلمان.
وفي ظل استمرار الفراغ، باتت رئاسة الجمهورية آخر «حصون الشرعية» مع انتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال سليمان في ربيع العام المقبل. ورغم أن نحو سبعة أشهر تفصلنا عن موعد الاستحقاق، فإن السياسيين اللبنانيين يتصرفون على أساس أن لا حكومة قبل ذلك التاريخ، والأنكى أنهم باتوا ينعون انتخابات الرئاسة في ظل تسليم مبكر باستحالة وصول الطرفين إلى توافق حول اسم لرئيس الجمهورية في ظل عجز الطرفين (8 و14 آذار) عن انتخاب الرئيس بأصواتهما شبه المتعادلة في البرلمان.
وبعد أن تحدث منذ أيام وزير الداخلية عن إمكانية «تمديد» ولاية الرئيس بوصفه حلا أفضل من الفراغ، يبدو هذا التمديد مستحيلا في الظروف الحالية نتيجة اضطرار الطرفين إلى اعتماد المقاربة نفسها للانتخابات.. بالإضافة إلى أن رئيس الجمهورية أعلن رفضه التمديد صراحة، مما يتهدد البلاد بفراغ كامل ستكون له عواقبه.
وقد عبر نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم صراحة عن خيار الفراغ، عندما اتهم «جماعة (قوى) 14 آذار بأنهم رفعوا شعارا يؤدي إلى تعطيل البلد بكامله حتى انتخابات رئاسة الجمهورية». وقال في أحد خطاباته مؤخرا: «هم لا يريدون حتى سبعة أشهر (موعد انتهاء ولاية الرئيس) تقريبا أن يكون هناك حكومة في لبنان. ليس السبب أنهم مجتهدون، بل تبين لهم أن هناك مصلحة لهم، فوصلوا إلى هذا الاستنتاج، بل لأن هناك دولة عربية خليجية أمرتهم بأن يجمدوا تشكيل الحكومة في لبنان، في انتظار التطورات في سوريا، لأن هذا البلد العربي يأمل خلال شهرين أو ثلاثة أن تقلب المعادلة إلى مصلحته، وعندها يستطيع أن يتحكم كما يعتقد في تشكيل حكومة تناسبه في لبنان، فإذا كان هذا هو الحساب، لا الشهران ولا خمسة أشهر ولا غيرها من الشهور، لأن هؤلاء يحلمون، لطالما قالوا خلال شهرين ومدت إلى أكثر من سنتين ونصف سنة، وهذا ما يجعلني أقول إنهم سيبقون البلد من دون حكومة إلى الانتخابات الرئاسية».
في المقابل، ترى قوى «14 آذار» أن حزب الله يمارس سياسة الفراغ بقصد الوصول إلى أهداف أخرى هي أبعد من انتخاب رئيس وتأليف حكومة وتعيين موظف. ويقول نائب رئيس مجلس النواب اللبناني فريد مكاري لـ«الشرق الأوسط» إن الهدف من هذا الفراغ، هو الوصول إلى مؤتمر تأسيسي جديد ينجم عنه دستور جديد يرتبط بالتمثيل العددي على الأرض، في إشارة غير مباشرة منه لفكرة «المثالثة» التي اتهمت قوى «14 آذار» حزب الله بالسعي إليها عبر إلغاء المناصفة (في الحكم) بين المسيحيين والمسلمين المعمول بها حاليا في لبنان، لصالح «المثالثة» بين السنة والشيعة والمسيحيين. وردا على سؤال عمن يقف وراء هذه الخطة، يقول مكاري: «لقد لمح الأمين العام للحزب السيد نصر الله إلى هذا عندما دعا إلى مؤتمر تأسيسي، وأرجو أن أكون مخطئا»، قبل أن يضيف: «لقد تحدث (رئيس كتلة نواب الحزب) النائب محمد رعد عن أن هذا الأمر غير وارد لدينا (الحزب).. لكن عندما يتحدث نصر الله ورعد، فمن أصدق منهما أكثر.. وأتمنى أن أكون مخطئا».
هذا الموقف يرى فيه النائب أكرم شهيب من كتلة النائب وليد جنبلاط مقاربة موضوعية في بعض نواحيه، لجهة أن الفراغ قد يؤدي إلى إعادة النظر في التركيبة السياسية، مستندا إلى تجربتين سابقتين؛ الأولى عندما حصل الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية في نهاية عام 1988، كان اتفاق الطائف عام 1990، وعندما حصل الفراغ في الموقع نفسه عام 2007، كان اتفاق الدوحة. يقول النائب شهيب لـ«الشرق الأوسط»: «موقع الرئاسة هو آخر المواقع غير المختلف عليها، فإذا عجزنا عن انتخاب رئيس، نكون قد وقعنا في الفراغ القاتل»، معتبرا أن الحل «بعدها لا يمكن أن يكون لبنانيا»، متسائلا عما إذا كان المجتمع الدولي الذي أصبح الملف السوري من ثالث أولوياته الآن، سيلتفت إلى الواقع اللبناني لمساعدة اللبنانيين على الحل كما فعل مرتين سابقا.
ويرى شهيب أن العامل الإسرائيلي يلعب دورا سلبيا في استمرار الأزمة، «حيث يعمل على استمرار الحرب بين (الشبيحة والذبيحة)، والمستفيد الأول هو إسرائيل». ويعترف شهيب بأن «تداعيات الوضع السوري تظهر نتائجها السيئة على الشعب السوري وعلى المؤسسات اللبنانية في الوقت نفسه».
وفي هذا الإطار، يرى رئيس مجلس النواب نبيه بري المتحالف مع حزب الله والمتمايز عنه في الملف الداخلي والملف السوري، أن «لبنان واقع في الفراغ، وأن حالنا يشبه حال القطبة المثقوبة التي كلما رتيناها من مكان، انثقبت في مكان»، وقال إن «لبنان يشبه اليوم (حارة كل مين إيدو الو) وتبدو فيه (كل عنزة معلقة بكرعوبها)، وكل فريق ينتظر أن يأتي الفرج من هنا ومن هناك دون السعي لإيجاد حلول وطنية». وتوجه بري إلى الجميع بالقول: «الرهان على غالب ومغلوب في سوريا أو على غالب ومغلوب في لبنان لن يؤدي إلى نتيجة، وحرق الوقت يؤدي إلى مفاقمة المشكلات في لبنان وتكاثر الأجنحة العسكرية والعصابات والمافيات والقوى الميليشياوية ونمو القوى الطفيلية التي ستتجه لتكون قوى أصولية راديكالية متطرفة».
وأشار إلى أنه لا يزال يرى أن «اتفاق الطائف يمثل عقدا يجب العمل به بين اللبنانيين، ولكنه يحتاج إلى إعلانات دستورية مكملة تبدأ بإقرار الخطة الوطنية لحقوق الإنسان، وهذا لا يعني الحاجة إلى مؤتمر تأسيسي لهذا الأمر».
ويرى الوزير والنائب السابق إدمون رزق أن «حالة الفراغ التي تضرب المؤسسات اللبنانية تعود جذورها إلى عام 1988، حين أفرغت الرئاسة بسبب عوامل عدة منها الأداء غير الناضج وإسقاطات الوضع الخارجي في ظل الوجود السوري، إضافة إلى تقصير المسيحيين نتيجة الصراع بين الموارنة». ويشير إلى أن «اغتيال الرئيس اللبناني الأسبق رينيه معوض عام 1989 أدخل الرئاسة والنظام اللبناني في دوامة انقلابية مموهة، تحول بعدها النظام الانتخابي إلى نوع من التعيين طال المستويات كافة».
ولا ينكر رزق، الذي أمضى 25 عاما في البرلمان اللبناني، عدا قيامه بمهام وزارية ودستورية، أن ثمة من يسعى، انطلاقا من الفراغ الذي يأكل الجمهورية اللبنانية، إلى المطالبة ببحث صيغة جديدة، باعتبار أن الصيغة الراهنة أثبتت فشلها. ويقول في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن «الرئيس اللبناني والرئيس المكلف (تأليف الحكومة الجديدة تمام سلام) معنيان بإنقاذ لبنان؛ إذ أن مزيدا من التقاعس في تشكيل حكومة تضم أشخاصا مؤهلين أخلاقيا وعلميا يعد إهانة شخصية لهم»، مشددا على أن «مصلحة جميع الفرقاء هي في الحفاظ على هذه الصيغة».
ويعرب رزق عن اعتقاده بأن من يديرون المؤسسات في السنوات الأخيرة لا يعبرون عن إرادة حقيقية للشعب اللبناني؛ «إذ أن وصولهم كان مفروضا من قبل نظام الوصاية والهيمنة السورية أولا، ومن قبل ما يسمى (تحالف الأمر الواقع والمال) ثانيا». ويلاحظ أن «الانقسام السياسي الذي يعرقل سير عجلة الدولة ومؤسساتها وإداراتها لم يأخذ يوما طابعا مذهبيا بين الطوائف وداخلها بقدر ما هو عليه اليوم»، مشددا على أن «وجود الطوائف معا ضروري وحتمي لحماية كل منها من نفسها بالدرجة الأولى»، مستنتجا بالتالي أن «العيش المشترك هو حزام الأمان بالنسبة للمكونات اللبنانية».
وفي موازاة إشارته إلى أن «النظام الديمقراطي في المجلس النيابي وفي الحكومات معطل منذ بداية التسعينات ليس بسبب اتفاق الطائف وإنما نتيجة سوء تطبيقه»، يحذر رزق من «وجود خطر كبير يحيط بالنموذج اللبناني التعددي»، معتبرا أن «الخطر على لبنان اليوم انتقل من خطر كياني إلى خطر وجودي، جدي وحقيقي».
ويجزم رزق بأن «أي عودة إلى الفئوية سواء أكانت حزبية أم مذهبية تعد بمثابة نوع من السقوط الأخلاقي والفكري»، ويرى أن «ثمة من لا يستوعب اليوم مدى الخطر المحيط بوجود الدولة اللبنانية ومدى الضرر الذي سيسببه سقوط الدولة على رؤوس الجميع»، مستنتجا أن «كل الأحزاب والطوائف ستكون الضحية، باعتبار أن سقوط الكيان يعني تفتيت المكونات اللبنانية؛ إذ سترتد كل طائفة على نفسها وتقع في فخ التدمير الذاتي».

سلام يقترب من كسر رقم ميقاتي في «تصريف الأعمال»

> يقترب الرئيس المكلف تشكيل حكومة لبنانية جديدة تمام سلام، من كسر الرقم القياسي في تاريخ لبنان لناحية فترة التكليف الأطول؛ إذ ينهي في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) الشهر السابع، في حين سجل رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي رقما قياسيا لناحية فترة تصريف الأعمال الأطول في تاريخ لبنان.
وكان ميقاتي قد استقال من منصبه في 22 مارس (آذار) الماضي، ليتم في 22 من الشهر الحالي شهره السابع في تصريف الأعمال، علما بأن الرقم القياسي السابق سجله رئيس الحكومة اللبنانية الراحل رشيد كرامي، على صعيد التكليف وتصريف الأعمال في آن معا عام 1969؛ إذ استقالت حكومة كرامي في 23 أبريل (نيسان) 1969، في عهد الرئيس اللبناني شارل حلو، لكن الاستشارات النيابية أفضت إلى إعادة تكليفه مرة جديدة، واستمرت مهلة تصريف الأعمال سبعة أشهر حتى 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 1969، موعد تشكيل حكومة جديدة.
واستغرق تأليف الرئيس فؤاد السنيورة حكومته الأولى التي شكلها في 19 يوليو (تموز) 2005 19 يوما، ثم شكل حكومته الثانية في 11 يوليو 2008 بعد نحو 4 أشهر ونصف على تكليفه. وقدم رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، بعد تكليفه في 27 يونيو (حزيران) 2009، تشكيلته الحكومية بعد شهرين ونصف على تكليفه، من دون أن تلقى موافقة فريق «8 آذار»، فاعتذر عن التشكيل قبل أن يعاد تكليفه في 16 سبتمبر (أيلول) 2009، ليتمكن من تشكيل حكومته الوحيدة في 9 نوفمبر (تشرين الثاني). واستمر الحريري، بعد إسقاط حكومته، في تصريف الأعمال لخمسة أشهر قبل أن يشكل ميقاتي حكومته الأخيرة في 13 يونيو 2011، أي بعد نحو خمسة أشهر من تكليفه.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.