أكدت الحكومة التركية أكثر من مرة على لسان رئيس الوزراء بن علي يلدريم، أنه لا توجد في تركيا مشكلة كردية، وأن المواطنين الأكراد أنفسهم يعانون بسبب نشاط حزب العمال الكردستاني.
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وحكومة «العدالة والتنمية» اتهما حزب الشعوب الديمقراطي، الذي يحتل 59 مقعدا بالبرلمان من أصل 550 مقعدا، بعدم وضع مسافة بينه وبين حزب العمال الكردستاني.
وبلورت الحكومة التركية موقفا جديدا من المسألة الكردية، التي كانت ولا تزال محورا من محاور عدم الاستقرار ومصدر معاناة لنحو 20 في المائة من سكان تركيا ذوي الأصول الكردية، معلنة أنه لا توجد في تركيا مشكلة كردية.
وجاءت حملة التوقيفات في صفوف البرلمانيين ومسؤولي حزب الشعوب الديمقراطي التركي المعارض المؤيد للأكراد، والمستمرة على مدى اليومين الماضيين، لتثير التساؤلات حول مستقبل القضية الكردية في تركيا وطريقة التعامل السياسي معها. أرجعت السلطات التركية الحملة التي شملت توقيف كل من الرئيسين المشاركين لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرتاش، وفيجان يوكسداغ، ومعهما 10 من النواب البارزين بالحزب إلى رفضهم الامتثال لأوامر استدعائهم من النيابة العامة للتحقيق معهم في قضايا تتعلق بالانتماء والترويج لمنظمة إرهابية، المقصود بها حزب العمال الكردستاني، ومحاولة بث الفرقة في صفوف الشعب التركي وزعزعة وحدة البلاد والإساءة إلى الجمهورية التركية وإهانة رئيس الجمهورية، وغيرها من الاتهامات التي من شأنها في حال مصادقة المحاكم عليها أن تؤدي إلى حرمان هؤلاء النواب من ممارسة حقوقهم السياسية لمدة خمس سنوات، فضلا عن العقوبات الأخرى مثل السجن.
وارتبطت الاتهامات التي يواجهها رئيسا ونواب ومسؤولي الحزب الذين قبض أمس السبت على تسعة منهم في مدينة أضنة جنوب تركيا في اليوم الثاني لحملة تنفيذ أوامر الضبط الصادرة عن النيابات، بمسيرة من الشد والجذب بين الحكومات التركية المتعاقبة والسياسيين الأكراد كانت تنتهي دائما بحبس النواب الأكراد الذين كانوا يدخلون البرلمان التركي من قبل كمستقلين، ومن أبرزهم ليلى زانا وأحمد تورك وصباحات تونجل وحظر الأحزاب السياسية الكردية وآخرها حزب السلام والديمقراطية الذي كان يرأسه أحمد تورك والذي حل بديلا عنه حزب الشعوب الديمقراطي برئاسة صلاح الدين دميرتاش وزميلته فيجان يوكسك داغ.
وفي الأزمة الأخيرة، سعى كل طرف إلى إظهار سلامة موقفه، إذ اعتبر حزب الشعوب الديمقراطي، وأيده في ذلك حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، أن من أتوا بالانتخابات لا يجب أن يرحلوا بطريق آخر، فيما ترى الحكومة أن النواب الأكراد تحدوا القانون الذي يجب على الجميع الالتزام به.
وقال رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، تعليقا على توقيف النواب الأكراد، إن «السياسة ليست درعا لارتكاب الجرائم، ويخطئ من يظن أن اشتغاله بالعمل السياسي سيحميه من الوقوف أمام القضاء».
وفي مواجهة ردود الفعل الصادرة عن الأمم المتحدة والغرب والاتحاد الأوروبي، التي تعبر منذ فترة طويلة عن قلقها إزاء تطورات الأوضاع والضغوط التي تتعرض لها المعارضة ووسائل الإعلام في تركيا، عبرت أنقرة عن رفضها محاولات تلقينها دروسا في الديمقراطية وسيادة القانون من خلال تصريحات لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الذي أوضح أن ما يحدث هو أن هناك تحديا للقانون من جانب البعض الذين كان عليهم أن يظهروا امتثالهم للقانون واحترامهم له.
وردا على التحولات الجديدة في نظرة السلطات التركية إلى المشكلة الكردية القائمة منذ عشرينات القرن الماضي، عاد حزب العمال الكردستاني إلى التصعيد مجددا، وأعلن في العشرين من يوليو (تموز) 2015 إنهاء الهدنة التي كان أعلنها تزامنا مع مرحلة مفاوضات السلام الداخلي، وصعّد من عملياته التي تستهدف الجيش وقوات الأمن التركية.
وعلى الرغم من دعوة صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي، إلى العودة لعملية السلام الداخلي في البلاد، فإن حكومة بن على يلدريم بدت عازمة على عدم العودة إلى طاولة المفاوضات، من أجل التوصل إلى حل للمشكلة الكردية، وهو ما أكده أيضا الرئيس رجب طيب إردوغان.
واعتبر دميرطاش أن القضية الكردية في تركيا هي بمثابة جرح تقوم بعض الجهات بوخزه، لذا لا بد من العودة إلى طاولة المفاوضات وعملية السلام، وكان الرد دائما من جانب الحكومة التركية أنه لا قضية أو مشكلة كردية في تركيا.
وقال نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، ياسين أقطاي، لـ«الشرق الأوسط»: «تركيا لم تعد لديها مشكلة كردية، الآن نحن في مرحلة انتهت فيها القضية الكردية، قمنا بحلها، لب المشكلة الكردية كان في منع التحدث باللغة الكردية والضغط على هوية الكردي، فمن كان يقول إنه كردي كان يسجن، الآن هناك دعاية للأحزاب الكردية بلغتها الأم، والآن عدد النواب الأكراد في حزب العدالة والتنمية الحاكم أكبر من عددهم في حزب الشعوب الديمقراطي الكردي نفسه، فالمشكلة حلت سياسيا، لكن هذا أزعج (العمال الكردستاني) أكثر، كنا نتوقع أن يكون حزب الشعوب الديمقراطي مرحبا بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة بالأكراد، لكن الحقيقة أن هذا يزعجهم، وهذا شيء غير منطقي، لأن حزب الشعوب الديمقراطي حزب سياسي، كان عليه أن يفصل نفسه عن حزب العمال الكردستاني، لا نية لدينا كحزب حاكم في العودة إلى طاولة المفاوضات، نحن الآن بصدد الحرب على الإرهاب وسننتصر فيها».
وتبدو المشكلة الكردية في تركيا مشكلة عصية على الحل، ففي نهاية عام 2012 تحدثت تقارير إعلامية عن لقاءات مكثفة بين المخابرات التركية وبعض قادة منظمة حزب العمال الكردستاني في العاصمة النرويجية أوسلو، الأمر الذي نفاه المتحدث باسم الحكومة التركية آنذاك نائب رئيس الوزراء، بولنت أرينتش، لكن ما لبث أن عاد رئيس الوزراء التركي وقتها رجب طيب إردوغان، ليعلن صحة ما تم تداوله عبر الإعلام.
وأقر إردوغان بوجود محاولات لبسط أرضية سلام توافقية بين الحكومة وقادة حزب العمال الكردستاني خلال لقاء مع التلفزيون الرسمي التركي «تي آر تي» بتاريخ 28 ديسمبر (كانون الأول) 2012، حيث أشار إلى وجود لقاءات مباشرة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني لطي صفحة النزاع المسلح وبدء صفحة جديدة تحمل عنوان «عملية السلام».
وفي هذا الإطار، يثار كثير من التساؤلات حول أسباب التراجع في جهود تسوية هذه المشكلة عقب انتخابات السابع من يونيو (حزيران) 2015.. يقول الباحث في مركز الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التركي (سيتا)، ميديام يانيك، إنه مع التطورات في سوريا والعراق بدأت تركيا تشعر بالقلق من احتمالات تحقق مشروع كردستان الكبرى، لا سيما مع بدء نشاط حزب العمال الكردستاني لفرض سيطرته على مناطق في شرق وجنوب شرقي تركيا بالقوة، ونصب حواجز وحفر خنادق، لتكريس سلطته في هذه المناطق.
وكشفت جمعية حقوق الإنسان التركية، فرع مدينة ديار بكر جنوب شرقي تركيا، في تقرير لها بمناسبة اليوم العالمي للسلام الموافق الأول من سبتمبر (أيلول)، عن أن العمليات العسكرية في جنوب شرقي تركيا والاشتباكات مع عناصر المنظمة منذ يوليو (تموز) من العام الماضي أسفرت عن سقوط 1551 قتيلا و1683 جريحا من مدنيين ورجال شرطة وجنود وعناصر تابعين للمنظمة.
ومع استمرار العمليات العسكرية وعدم تحقيقها النتائج المرجوة على مدى نحو 4 أشهر، أعلن رئيس الوزراء التركي السابق، أحمد داود أوغلو، أنه في حال تخلي حزب العمال الكردستاني عن سلاحه وإخراج عناصره من تركيا بشكل كامل، يمكن لعملية السلام أن تعود تدريجيًا إلى التفاوض والمحادثات.
لكن الرئيس رجب طيب إردوغان سارع برد لاذع على هذه التصريحات، مؤكدا أنه لا يمكن إطلاقا الحديث عن بدء عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني من جديد.
ولا يختلف الخبراء والمتابعون للشأن التركي على أن المشكلة الكردية كبرى مشكلات تركيا منذ تأسيسها عام 1924 وحتى اليوم، فقد رأى مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك أن التنوع العرقي والإثني الذي تميزت به الدولة العثمانية كان أحد أسباب سقوطها، وبالتالي فيجب على الجمهورية التركية الوليدة مواجهة ذلك لتجنب المصير نفسه.
وأنكرت تركيا منذ نشأتها تنوعها العرقي، واعتبرت كل مواطن يعيش داخل حدودها تركيا بغض النظر عن جذوره ولغته الأم، وسعت الحكومة التركية مؤخرا، وفي إطار سعيها لتخفيف حالة الاحتقان والتوتر، لا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، قامت بإحداث اختراق في عملية تنمية مناطق شرق وجنوب شرقي البلاد، فأطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي حزمة اقتصادية بتكلفة ثلاثة مليارات دولار لإعادة الإعمار وإطلاق مشروعات توفر فرص العمل للشباب.
وأضافت الحكومة خطوات أخرى في حالة الطوارئ بعزل رؤساء البلديات المنتخبين وتعيين وصاة من جانبها لإدارتها، في خطوة أدت إلى شكوك حول مسار العملية الديمقراطية في تركيا.
وتفتقر تركيا حتى الآن إلى دستور يكرس مبدأ المواطنة، ويراعى التنوع الثقافي والعرقي والإثني في البلاد، ويقول الباحث المتخصص بالشؤون الكردية، وحيد الدين إنجة، إن إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد أمر غير واقعي، لعدم وجود مؤشرات تدل على إمكانية نجاح تلك المساعي، فضلا عن استحالة سلخ مناطق جغرافية عن دولة قوية عسكريا واقتصاديا مثل تركيا عبر صدام مسلح.
ويعتقد محللون وخبراء أن على الدولة التركية ألا تسقط خيار المفاوضات مع الأكراد، لأن الحل العسكري وحده لم ينجح على مدى عقود طويلة في إنهاء مشكلة الصراع المسلح في جنوب شرقي تركيا الذي انطلق عام 1984 ولا يزال مستمرا صعودا وهبوطا بما يخلفه من آثار سلبية شديدة على سكان المنطقة ويكرس حالة الفقر فيها.
تساؤلات حول مستقبل الأكراد في تركيا
غضب في الخارج على حملة التوقيفات والاعتقالات.. وأنقرة تراها عملية قانونية بحتة
أكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا ضد اعتقال أعضاء المعارضة البرلمانية من قبل السلطات التركية (إ.ب.أ)
تساؤلات حول مستقبل الأكراد في تركيا
أكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا ضد اعتقال أعضاء المعارضة البرلمانية من قبل السلطات التركية (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




