تساؤلات حول مستقبل الأكراد في تركيا

غضب في الخارج على حملة التوقيفات والاعتقالات.. وأنقرة تراها عملية قانونية بحتة

أكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا ضد اعتقال أعضاء المعارضة البرلمانية من قبل السلطات التركية (إ.ب.أ)
أكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا ضد اعتقال أعضاء المعارضة البرلمانية من قبل السلطات التركية (إ.ب.أ)
TT

تساؤلات حول مستقبل الأكراد في تركيا

أكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا ضد اعتقال أعضاء المعارضة البرلمانية من قبل السلطات التركية (إ.ب.أ)
أكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا ضد اعتقال أعضاء المعارضة البرلمانية من قبل السلطات التركية (إ.ب.أ)

أكدت الحكومة التركية أكثر من مرة على لسان رئيس الوزراء بن علي يلدريم، أنه لا توجد في تركيا مشكلة كردية، وأن المواطنين الأكراد أنفسهم يعانون بسبب نشاط حزب العمال الكردستاني.
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وحكومة «العدالة والتنمية» اتهما حزب الشعوب الديمقراطي، الذي يحتل 59 مقعدا بالبرلمان من أصل 550 مقعدا، بعدم وضع مسافة بينه وبين حزب العمال الكردستاني.
وبلورت الحكومة التركية موقفا جديدا من المسألة الكردية، التي كانت ولا تزال محورا من محاور عدم الاستقرار ومصدر معاناة لنحو 20 في المائة من سكان تركيا ذوي الأصول الكردية، معلنة أنه لا توجد في تركيا مشكلة كردية.
وجاءت حملة التوقيفات في صفوف البرلمانيين ومسؤولي حزب الشعوب الديمقراطي التركي المعارض المؤيد للأكراد، والمستمرة على مدى اليومين الماضيين، لتثير التساؤلات حول مستقبل القضية الكردية في تركيا وطريقة التعامل السياسي معها. أرجعت السلطات التركية الحملة التي شملت توقيف كل من الرئيسين المشاركين لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرتاش، وفيجان يوكسداغ، ومعهما 10 من النواب البارزين بالحزب إلى رفضهم الامتثال لأوامر استدعائهم من النيابة العامة للتحقيق معهم في قضايا تتعلق بالانتماء والترويج لمنظمة إرهابية، المقصود بها حزب العمال الكردستاني، ومحاولة بث الفرقة في صفوف الشعب التركي وزعزعة وحدة البلاد والإساءة إلى الجمهورية التركية وإهانة رئيس الجمهورية، وغيرها من الاتهامات التي من شأنها في حال مصادقة المحاكم عليها أن تؤدي إلى حرمان هؤلاء النواب من ممارسة حقوقهم السياسية لمدة خمس سنوات، فضلا عن العقوبات الأخرى مثل السجن.
وارتبطت الاتهامات التي يواجهها رئيسا ونواب ومسؤولي الحزب الذين قبض أمس السبت على تسعة منهم في مدينة أضنة جنوب تركيا في اليوم الثاني لحملة تنفيذ أوامر الضبط الصادرة عن النيابات، بمسيرة من الشد والجذب بين الحكومات التركية المتعاقبة والسياسيين الأكراد كانت تنتهي دائما بحبس النواب الأكراد الذين كانوا يدخلون البرلمان التركي من قبل كمستقلين، ومن أبرزهم ليلى زانا وأحمد تورك وصباحات تونجل وحظر الأحزاب السياسية الكردية وآخرها حزب السلام والديمقراطية الذي كان يرأسه أحمد تورك والذي حل بديلا عنه حزب الشعوب الديمقراطي برئاسة صلاح الدين دميرتاش وزميلته فيجان يوكسك داغ.
وفي الأزمة الأخيرة، سعى كل طرف إلى إظهار سلامة موقفه، إذ اعتبر حزب الشعوب الديمقراطي، وأيده في ذلك حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، أن من أتوا بالانتخابات لا يجب أن يرحلوا بطريق آخر، فيما ترى الحكومة أن النواب الأكراد تحدوا القانون الذي يجب على الجميع الالتزام به.
وقال رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، تعليقا على توقيف النواب الأكراد، إن «السياسة ليست درعا لارتكاب الجرائم، ويخطئ من يظن أن اشتغاله بالعمل السياسي سيحميه من الوقوف أمام القضاء».
وفي مواجهة ردود الفعل الصادرة عن الأمم المتحدة والغرب والاتحاد الأوروبي، التي تعبر منذ فترة طويلة عن قلقها إزاء تطورات الأوضاع والضغوط التي تتعرض لها المعارضة ووسائل الإعلام في تركيا، عبرت أنقرة عن رفضها محاولات تلقينها دروسا في الديمقراطية وسيادة القانون من خلال تصريحات لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الذي أوضح أن ما يحدث هو أن هناك تحديا للقانون من جانب البعض الذين كان عليهم أن يظهروا امتثالهم للقانون واحترامهم له.
وردا على التحولات الجديدة في نظرة السلطات التركية إلى المشكلة الكردية القائمة منذ عشرينات القرن الماضي، عاد حزب العمال الكردستاني إلى التصعيد مجددا، وأعلن في العشرين من يوليو (تموز) 2015 إنهاء الهدنة التي كان أعلنها تزامنا مع مرحلة مفاوضات السلام الداخلي، وصعّد من عملياته التي تستهدف الجيش وقوات الأمن التركية.
وعلى الرغم من دعوة صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي، إلى العودة لعملية السلام الداخلي في البلاد، فإن حكومة بن على يلدريم بدت عازمة على عدم العودة إلى طاولة المفاوضات، من أجل التوصل إلى حل للمشكلة الكردية، وهو ما أكده أيضا الرئيس رجب طيب إردوغان.
واعتبر دميرطاش أن القضية الكردية في تركيا هي بمثابة جرح تقوم بعض الجهات بوخزه، لذا لا بد من العودة إلى طاولة المفاوضات وعملية السلام، وكان الرد دائما من جانب الحكومة التركية أنه لا قضية أو مشكلة كردية في تركيا.
وقال نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، ياسين أقطاي، لـ«الشرق الأوسط»: «تركيا لم تعد لديها مشكلة كردية، الآن نحن في مرحلة انتهت فيها القضية الكردية، قمنا بحلها، لب المشكلة الكردية كان في منع التحدث باللغة الكردية والضغط على هوية الكردي، فمن كان يقول إنه كردي كان يسجن، الآن هناك دعاية للأحزاب الكردية بلغتها الأم، والآن عدد النواب الأكراد في حزب العدالة والتنمية الحاكم أكبر من عددهم في حزب الشعوب الديمقراطي الكردي نفسه، فالمشكلة حلت سياسيا، لكن هذا أزعج (العمال الكردستاني) أكثر، كنا نتوقع أن يكون حزب الشعوب الديمقراطي مرحبا بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة بالأكراد، لكن الحقيقة أن هذا يزعجهم، وهذا شيء غير منطقي، لأن حزب الشعوب الديمقراطي حزب سياسي، كان عليه أن يفصل نفسه عن حزب العمال الكردستاني، لا نية لدينا كحزب حاكم في العودة إلى طاولة المفاوضات، نحن الآن بصدد الحرب على الإرهاب وسننتصر فيها».
وتبدو المشكلة الكردية في تركيا مشكلة عصية على الحل، ففي نهاية عام 2012 تحدثت تقارير إعلامية عن لقاءات مكثفة بين المخابرات التركية وبعض قادة منظمة حزب العمال الكردستاني في العاصمة النرويجية أوسلو، الأمر الذي نفاه المتحدث باسم الحكومة التركية آنذاك نائب رئيس الوزراء، بولنت أرينتش، لكن ما لبث أن عاد رئيس الوزراء التركي وقتها رجب طيب إردوغان، ليعلن صحة ما تم تداوله عبر الإعلام.
وأقر إردوغان بوجود محاولات لبسط أرضية سلام توافقية بين الحكومة وقادة حزب العمال الكردستاني خلال لقاء مع التلفزيون الرسمي التركي «تي آر تي» بتاريخ 28 ديسمبر (كانون الأول) 2012، حيث أشار إلى وجود لقاءات مباشرة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني لطي صفحة النزاع المسلح وبدء صفحة جديدة تحمل عنوان «عملية السلام».
وفي هذا الإطار، يثار كثير من التساؤلات حول أسباب التراجع في جهود تسوية هذه المشكلة عقب انتخابات السابع من يونيو (حزيران) 2015.. يقول الباحث في مركز الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التركي (سيتا)، ميديام يانيك، إنه مع التطورات في سوريا والعراق بدأت تركيا تشعر بالقلق من احتمالات تحقق مشروع كردستان الكبرى، لا سيما مع بدء نشاط حزب العمال الكردستاني لفرض سيطرته على مناطق في شرق وجنوب شرقي تركيا بالقوة، ونصب حواجز وحفر خنادق، لتكريس سلطته في هذه المناطق.
وكشفت جمعية حقوق الإنسان التركية، فرع مدينة ديار بكر جنوب شرقي تركيا، في تقرير لها بمناسبة اليوم العالمي للسلام الموافق الأول من سبتمبر (أيلول)، عن أن العمليات العسكرية في جنوب شرقي تركيا والاشتباكات مع عناصر المنظمة منذ يوليو (تموز) من العام الماضي أسفرت عن سقوط 1551 قتيلا و1683 جريحا من مدنيين ورجال شرطة وجنود وعناصر تابعين للمنظمة.
ومع استمرار العمليات العسكرية وعدم تحقيقها النتائج المرجوة على مدى نحو 4 أشهر، أعلن رئيس الوزراء التركي السابق، أحمد داود أوغلو، أنه في حال تخلي حزب العمال الكردستاني عن سلاحه وإخراج عناصره من تركيا بشكل كامل، يمكن لعملية السلام أن تعود تدريجيًا إلى التفاوض والمحادثات.
لكن الرئيس رجب طيب إردوغان سارع برد لاذع على هذه التصريحات، مؤكدا أنه لا يمكن إطلاقا الحديث عن بدء عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني من جديد.
ولا يختلف الخبراء والمتابعون للشأن التركي على أن المشكلة الكردية كبرى مشكلات تركيا منذ تأسيسها عام 1924 وحتى اليوم، فقد رأى مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك أن التنوع العرقي والإثني الذي تميزت به الدولة العثمانية كان أحد أسباب سقوطها، وبالتالي فيجب على الجمهورية التركية الوليدة مواجهة ذلك لتجنب المصير نفسه.
وأنكرت تركيا منذ نشأتها تنوعها العرقي، واعتبرت كل مواطن يعيش داخل حدودها تركيا بغض النظر عن جذوره ولغته الأم، وسعت الحكومة التركية مؤخرا، وفي إطار سعيها لتخفيف حالة الاحتقان والتوتر، لا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، قامت بإحداث اختراق في عملية تنمية مناطق شرق وجنوب شرقي البلاد، فأطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي حزمة اقتصادية بتكلفة ثلاثة مليارات دولار لإعادة الإعمار وإطلاق مشروعات توفر فرص العمل للشباب.
وأضافت الحكومة خطوات أخرى في حالة الطوارئ بعزل رؤساء البلديات المنتخبين وتعيين وصاة من جانبها لإدارتها، في خطوة أدت إلى شكوك حول مسار العملية الديمقراطية في تركيا.
وتفتقر تركيا حتى الآن إلى دستور يكرس مبدأ المواطنة، ويراعى التنوع الثقافي والعرقي والإثني في البلاد، ويقول الباحث المتخصص بالشؤون الكردية، وحيد الدين إنجة، إن إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد أمر غير واقعي، لعدم وجود مؤشرات تدل على إمكانية نجاح تلك المساعي، فضلا عن استحالة سلخ مناطق جغرافية عن دولة قوية عسكريا واقتصاديا مثل تركيا عبر صدام مسلح.
ويعتقد محللون وخبراء أن على الدولة التركية ألا تسقط خيار المفاوضات مع الأكراد، لأن الحل العسكري وحده لم ينجح على مدى عقود طويلة في إنهاء مشكلة الصراع المسلح في جنوب شرقي تركيا الذي انطلق عام 1984 ولا يزال مستمرا صعودا وهبوطا بما يخلفه من آثار سلبية شديدة على سكان المنطقة ويكرس حالة الفقر فيها.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended