جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض

إعادة التحقيق في بريد كلينتون الإلكتروني تثير عاصفة في وجه مدير الـ«إف بي آي»

جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض
TT

جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض

جيمس كومي.. رقم مفاجئ في سباق البيت الأبيض

وضع جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي» (الإف بي آي)، يوم الجمعة قبل الماضي، نفسه ومؤسسته القضائية والأمنية المؤثرة في حياة الأميركيين، في وضع غير مسبوق. وجرّ عليه تهمة التدخل المتعمد بهدف التأثير على نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية، وذلك عندما أعلن إعادة فتح التحقيق في رسائل البريد الإلكتروني المتعلقة بالمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وحقًا، منذ ذلك الحين لا يتوقف هذا الرجل الذي فتحت عليه أبواب الانتقاد من جميع الجهات، سواءً من الديمقراطيين أو المسؤولين السابقين والحاليين والمؤرّخين والمحللين السياسيين، بسبب توقيت هذا القرار الذي لا بد أن يوثر في مسار الانتخابات. وذلك لأنه سيثير موجة من الشكوك والتساؤلات والتكهنات حول ما يمكن أن تحويه «الإيميلات» المكتشفة حديثًا من دون أن تتاح الفرصة الزمنية الكافية لكلينتون لتبرئة نفسها وتوضيح الحقيقة، وكذلك عن ماهية المسار القانوني في حال ثبوت الإدانة، وكيف سيكون موقف مكتب التحقيقات الفيدرالي في حال عدم وجود إدانة.
أثار إعلان جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي» (الإف بي آي) إعادة فتح التحقيق في رسائل البريد الإلكتروني (الإيميل) المتعلقة بهيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية، عاصفة من الانتقادات، بل والتهم بتسييسه الـ«الإف بي آي» ووضعه في خضم صراع انتخابي بغيض. وطرح كثيرون علامات استفهام سياسية حول أهداف كومي من اتخاذ هذه الخطوة وفي هذا التوقيت الحرج، وعدم التزامه بالقواعد المتعارف عليها من الامتناع عن إذاعة أو تسريب أي معلومات من شأنها التأثير على مسار الانتخابات في فترة 60 يوما قبل إجراء التصويت. وفي المقابل، ثمة من طرح شكوكًا بأن الرجل يحاول حماية نفسه أكثر من اهتمامه بالتأثير على مسار الانتخابات الرئاسية، وآخرون رأوا أن فعلة كومي تؤدي إلى زعزعة ثقة الرأي العام الأميركي بالوكالات الاتحادية مثل الـ«إف بي آي» بل وفي عمل وزارة العدل الأميركية نفسها.

الآراء مع.. وضد
وعلى صعيد آخر، فتح إعلان كومي جدلاً أخلاقيًا حول مدى صوابية أو خطأ خطوته في ظل القيم الأخلاقية والمهنية التي تحكم عمل وكالات إنفاذ القانون في البلاد. وهنا أيضًا تباينت الآراء ما بين هجوم شديد وعاصف ضد كومي وتحذيرات من تأثير إعلانه فتح التحقيق على مسار الانتخابات وعلى ثقة الرأي العام الأميركي، وبين تأييد وتصفيق وثناء من الجانب الآخر على كومي - وهو من مناصري الحزب الجمهوري - الذي يرى مؤيدوه أنه رجل شجاع أدى واجبه دون الخوف من لوم اللائمين.
كان الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي عين كومي في منصبه خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2013، أول المدافعين عن مدير الـ«إف بي آي»، قبل أن ينتقده تلميحًا وليس بالاسم لاحقًا، ففي مقابلة صحافية نشرت صباح الأربعاء الماضي، قال أوباما: «لا أعتقد أن هناك قاعدة عندما يكون هناك تحقيقات. نحن لا نعمل على أساس تلميحات أو معلومات ناقصة أو تسريبات نحن نعمل على أساس قرارات ملموسة تم إجراؤها». ومن ثم سعى الرئيس إلى النأي بنفسه عن الجدل الدائر، رافضًا التعليق على سير التحقيق واكتفى بالقول: «لقد تعمدت بذل أقصى الجهد لكي أثبت امتناعي عن التدخل فيما يفترض أن تكون عملية مستقلة».

مهاجمون و«نيران صديقة»
أما عن المهاجمين بلا تحفظ فحدث ولا حرج، إذ جاءت سهام الانتقادات والاتهامات من كل حدب وصوب. والملاحظ أنها لم تأت فقط من جانب الساسة والمؤيدين الديمقراطيين الذين صدموا من توقيت إعلان كومي، وشعروا بقلق جدي على وضع مرشحتهم هيلاري كلينتون وحظوظها في السباق الرئاسي، بل جاءت أيضًا من «نيران صديقة» عبر بعض كبار قادة الحزب الجمهوري. إذ قال رئيس السيناتور تشاك غراسلي، لجنة الشؤون القضائية بمجلس الشيوخ، إن «رسالة كومي كانت غامضة، فهو لم يوضح الخطوات التي سيأخذها المكتب والضرورة الملحة في إعادة النظر في الرسائل في هذا التوقيت». وتابع غراسلي: «بينما لا أتفق مع أولئك الذين اقترحوا أن تكون التحقيقات سرّية، وتُجرى بعد الانتخابات، فإنني أوافق على أن إعلان كومي لم يقدم تفاصيل كافية. ولسوء الحظ، هذا ليس عدلاً لا للكونغرس ولا الشعب الأميركي لأنه لم يعط تقييما كاملا عن الكشف».
في هذه الأثناء، تشير مصادر داخل الـ«إف بي آي» إلى أن المناخ العام داخل «المكتب» هو الظلام والغموض حيث لا أحد يريد أن يتكلم أو يرغب في التنبؤ بما ستحمله الأيام المقبلة. ومع تكتم الـ«إف بي آي» إزاء سير التحقيقات المبدئية في الوقت الراهن تتزايد في بعض الأوساط تكهنات بأن رسائل البريد الإلكتروني قد تحمل مفاجآت كبيرة. ولكن، مع هذا، وقع أكثر من مائة من المدعين الاتحاديين السابقين ومسؤولي وزارة العدل بيانًا انتقدوا فيه كومي. كذلك نشر كثير من المسؤولين السابقين مقالات في الصحف الأميركية انتقدت مدير الـ«إف بي آي» واتهمته بانتهاك كل المبادئ والقواعد المتعارف عليها بتحاشي التدخل في السياسة.
وشنت صحيفة الـ«نيويورك تايمز» العريقة، التي تساند - مثل معظم الصحف الوطنية الجادة - المرشحة الديمقراطية، حملة شعواء ضد كومي. وقالت إن «رسالته القصيرة والغامضة إلى رؤساء لجان الكونغرس يوم الجمعة الماضي أدت إلى إحداث هزة كبيرة في معركة الانتخابات حول رسائل بريد إلكتروني قد تكون، أو لا تكون، ذات صلة بالتحقيقات السابقة التي سبق أن أجراها (المكتب) حول خادم البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون». وتابعت الصحيفة أنه تبين أن كومي لا يعرف شيئا عن فحوى رسائل البريد التي تم العثور عليها أثناء تحقيق منفصل في رسائل أنتوني واينر زوج هوما عابدين، إحدى مستشارات هيلاري كلينتون والمقربات منها. أيضًا رأت الصحيفة أن كومي «لم ينظر إلى الآثار المترتبة على إعلانه قبل أيام معدودات من الانتخابات»، ومن ثم، اتهمته بأنه كان أكثر حرصًا على حماية نفسه من اتهامات يوجهها إليه الكونغرس حول إخفاء معلومات، وشككت الصحيفة في حصول المحققين الاتحاديين على أمر قضائي لفحص رسائل البريد الإلكتروني.
وبالتالي، اعتبرت الـ«نيويورك تايمز» أن قرار كومي كان متهورًا وعديم المسؤولية «بشكل مذهل»، خصوصا أنه سيتوجب على وزارة العدل وعلى الـ«إف بي آي» فحص مئات الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني لتحديد ما إذا كان هناك حقًا أي شيء له صلة بكلينتون قبل 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، أي يوم الاقتراع في انتخابات الرئاسة. ورأت أن ذلك بمثابة خلق «سخونة وتشويق للانتخابات السياسية مشابه لسخونة وتشويق مباريات كرة القدم»، قبل أن تشير إلى غضب حقيقي في أوساط موظفي إنفاذ القانون - أي الأجهزة الأمنية - من الإدارتين الديمقراطية والجمهورية، وداخل الكونغرس، الذين يتمسكون بقاعدة معروفة هي تحاشي نشر معلومات عن تحقيقات خلال الفترة التي تسبق الانتخابات بمدة 60 يومًا، كي لا يكون لتلك المعلومات أي تأثير على التصويت والناخبين. الـ«نيويورك تايمز»، من جهة ثانية، وفي تقارير أخرى شبّهت كومي بمؤسس الـ«إف بي آي» الشهير إدغار هوفر (ومديره بين عامي 1924 و1972، وهو الرجل الذي يحمل «المكتب» في العاصمة واشنطن اسمه)، معيدة إلى الأذهان دسّ هوفر أجهزة تصنت في مكتب زعيم حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ ومنزله. وذكر كاتب المقال سكوت شين أن وجهة نظر جيمس كومي هي بأن على وكالات إنفاذ القانون المحافظة على الأمن بعيدًا عن أي توجهات سياسية أو تأثيرات خارج القانون. وأشار الكاتب إلى محاضرة سبق أن ألقاها كومي في جامعة جورجتاون العام الماضي أشار فيها إلى «التعلم من أخطاء الماضي».
أما سانفورد أونغار، الأكاديمي والباحث المتخصص في تاريخ الـ«إف بي آي» بجامعة جورجتاون، فقال معلقًا على تصرّف كومي: «أنا لا أقصد الإساءة إلى كومي لكن المقارنة ظالمة ما بين كومي وإدغار هوفر، فالذين يعرفون جيمس كومي جيدا يدركون أنه لم يتصرف لترجيح كفة الانتخابات إما لصالح كلينتون أو ترامب، وهو إذا كان مذنبًا في شيء، كما يقولون، فذنبه نوعٌ من الغطرسة الأخلاقية والرغبة في الظهور بوضع الرجل المستقيم الطاهر اليد على الملأ».
وفي العاصمة واشنطن، أيضًا، تلقى كومي انتقادات قاسية من إريك هولدر، النائب العام (وزير العدل) السابق، الذي كتب مقالا في صحيفة الـ«واشنطن بوست» شدد فيه على أن كومي «ارتكب خطأ فادحًا، وأن الآثار المحتملة لإعلانه فتح التحقيق ستكون شديدة وستتأثر معها ثقة الجمهور في النظام بشكل سلبي، وخاصة بوزارة العدل والـ(إف بي آي)».. وكذلك انتقده ألبرتو غونزاليس، النائب العام الأسبق في عهد الرئيس جورج بوش الابن، بقوله أن «يلقي كومي هذا الإعلان من دون الحصول على مزيد من المعلومات ومن دون معرفة دقيقة بفحوى هذه الرسائل الإلكترونية خطأ فادح». كذلك ذكر ريتشارد باينتر، محامي بوش، في مقال صحافي أنه تقدم بالفعل بشكوى إلى مكتب المستشار الخاص للتحقيق ضد قام به كومي، وأضاف: «من المرجح جدًا أن تكون رسالة كومي إلى رؤساء لجان الكونغرس مخالفة للقانون الاتحادي الذي يمنع الموظفين الحكوميين من استغلال مناصبهم للتأثير على نتائج الانتخابات». وعلى الجانب السياسي، انتقد السيناتور هاري ريد، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، ما فعله مدير الـ«إف بي آي» ووصفه بأنه بمثابة الكيل بمكيالين، وأنه بذلك أقدم على تسييس وزارة العدل وتسييس المباحث الاتحادية.

المدافعون عن كومي
ولكن، بينما يركّز منتقدو كومي على أنه انتهك القواعد المتعارف عليها في تحييد الوكالات الحكومية الاتحادية وأقدم على توريط الـ«إف بي آي» في الصراع الانتخابي، يقول المدافعون عنه إنه أقدم على قرار يراه صحيحًا وينسجم مع ما يملي عليه ضميره المهني. وأشار المدافعون إلى سيل الانتقادات والاتهامات من جانب الجمهوريين التي واجهها كومي في يوليو (تموز) الماضي عندما خرج (بعد سنة ونصف من التحقيق في إيميلات كلينتون) ليعلن عدم توجيه أي اتهامات جنائية ضد المرشحة الديمقراطية. لقد اكتفى يومذاك باتهامها بـ«الإهمال» في استخدام خادم خاص لبريدها الإلكتروني، ومؤكدا أنه لم يحدث اختراق لبريدها من قبل قراصنة الكومبيوتر. وفي حينه، ضغط الجمهوريون طويلا على كومي واستدعوه للشهادة في جلسة استماع بالكونغرس ووجهوا إليه أسئلة واتهامات حادة. وأيضًا، في ذلك الوقت، هاجم الجمهوريون الرجل وشككوا في تورطه بتسييس المباحث الاتحادية ومساندته هيلاري كلينتون، مشيرين إلى لقاء لوريتا لينش وزيرة العدل مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون في أحد المطارات الأميركية، ولمحوا إلى تأثير بيل كلينتون، الرئيس السابق وزوج المرشحة الحالية، على وزارة العدل والتحقيقات التي تجريها.
في أي حال، لم يكن إعلان جيمس كومي المثير للجدل، أول موقف يتحدى فيه جميع الظروف حوله ويخلق دراما تزيد من سخونة الأحداث وتجتذب الانتقادات والاتهامات له. ففي عام 2004 رفض كومي بتحدٍ الاستجابة لمطالب البيت الأبيض عام 2004 للموافقة على عمليات تنصت تابعة لبرنامج «الوكالة الوطنية للأمن القومي» (إن إس إيه)، إذ رفض كومي - وكان في حينه يتولى وزارة العدل بالإنابة بسبب دخول الوزير جون آشكروفت المستشفى - موافقة وزارته على برنامج التنصت، وهو البرنامج الذي أصبح بعد ذلك في قلب عملية كشف النظام الأميركي الواسع لمراقبة الاتصالات. في ذلك الحين تعرض كومي لكثير من الانتقادات، وخاض بسبب موقفه واحدة من المعارك الداخلية الأكثر شهرة خلال فترة الحرب على الإرهاب التي شنتها إدارة الرئيس جورج بوش، ووقف وزير العدل آشكروفت مع صديقه كومي في رفض التوقيع على برنامج للمراقبة واعتبروه غير قانوني، بل هدد كومي بالاستقالة من إدارة بوش إذا ما جرى تمرير البرنامج. وبعد معركة طويلة امتدت تسعة أشهر، اضطر الرئيس بوش إلى تغيير البرنامج. وهذه أيضا، ليست أول مرة يجد فيها الـ«إف بي آي» نفسه وسط معمعة سياسية، إذ واجه عدد من مديري «المكتب» مشكلات وانتقادات، منهم لويس فريه مدير الـ«إف بي آي» من عام 1993 إلى عام 2001 الذي اختلف كثيرًا مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون. غير أن سنوات مؤسس الـ«إف بي آي» إدغار هوفر تظل الأكثر غموضًا وإثارة، ففي سنواته الـ48 عمل «المكتب» بصفته أداة سياسية، وشنّ هوفر حملة شرسة ضد الشيوعيين واليساريين مستهدفًا كثيرا من نشطاء الحقوق المدنية، واستخدم سلطاته لابتزاز مسؤولين والتنصت عليهم وابتزازهم. ويشرح إيثان ثيودورس المؤرخ والبروفسور بجامعة ماركيت بقوله: «لعب الـ(إف بي آي) في تلك الفترة دورا مهما من وراء الكواليس لصياغة السياسة الأميركية خلال الحرب الباردة».

بطاقة شخصية
ولد جيمس كومي في 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 1960 في مدينة نيويورك، وهو متزوج من باتريس، وأب خمسة أطفال. والمعروف عنه أنه ينتمي للحزب الجمهوري ولقد تبرّع لحملة السيناتور الأميركي الجمهوري جون ماكين في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2008، كما تبرّع لحملة المرشح الجمهوري ميت رومني في انتخابات 2012 الرئاسية.
حصل على درجة البكالوريوس من كلية ويليام وماري بولاية فيرجينيا، وعلى الإجازة في القانون من كلية الحقوق بجامعة شيكاغو. وفي بداية حياته المهنية شغل منصب أستاذ مساعد بكلية الحقوق بجامعة ريتشموند في فيرجينيا.
ومن عام 1996 إلى عام 2001 تولى كومي منصب المدعي العام للمنطقة الشرقية من ولاية فيرجينيا ومنصب مساعد وزير العدل للمنطقة الجنوبية من نيويورك. وتولى منصب نائب المدعي العام للولايات المتحدة من 2003 إلى 2005 وتدرّج في عدة مناصب أخرى في وزارة العدل، منها منصب المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من نيويورك؛ حيث تولي التحقيق في عدد من جرائم الإرهاب والقضايا الجنائية الكبيرة.
وقبل أن يتولى كومي منصب مدير الـ«إف بي آي» عمل باحثًا في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، وكان يشغل في الوقت نفسه منصب عضو بمجلس إدارة بنك إتش إس بي سي HSBC، وفي الفترة من 2010 إلى 2013 عمل مستشارًا قانونيًا لشركة بريدجووتر، وهي شركة لإدارة أموال المؤسسات في ولاية كونكتيكت، وقبلها عمل نائب رئيس ومستشارا عاما في شركة لوكهيد مارتن العالمية. وفي سبتمبر عام 2013 عيّن مديرًا للـ«إف بي آي»، وجاء تعيينه في وقت اتسعت معه دائرة فضيحة تجسس أجهزة الاستخبارات الأميركية على الأميركيين من جانب، وعلى الدول الأخرى وقادة أوروبا من جانب آخر. وهو وإن كان قد عيّنه في هذا المنصب الحساس رئيس ديمقراطي، فإنه كان يعد من أبرز المسؤولين في وزارة العدل إبان عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وهو متخصص في شؤون الأمن القومي لأكثر من عشرين سنة، وله سمعة جيدة ومواقف شجاعة واستقلالية كبيرة.



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.