خالد الفرج.. صوت الخليج النهضوي

حمل خطابه الشعري توجهين رئيسيين: مقاومة المستعمر ونقد الأنظمة السياسية العربية

خالد الفرج  -  الاذاعة السعودية في بدايات تأسيسه
خالد الفرج - الاذاعة السعودية في بدايات تأسيسه
TT

خالد الفرج.. صوت الخليج النهضوي

خالد الفرج  -  الاذاعة السعودية في بدايات تأسيسه
خالد الفرج - الاذاعة السعودية في بدايات تأسيسه

اسم مهم في تاريخ الجزيرة العربية عامة والخليج العربي بشكل خاص. خالد الفرج (1898 - 1954)، الكويتي المولد والنشأة، تحول إلى شخصية خليجية بامتياز ليس على المستوى الثقافي، مجاله الرئيسي بوصفه شاعرًا وكاتبًا، فحسب وإنما أيضًا على المستويات السياسية والإدارية والإعلامية. عاش في فترة من تاريخ الخليج هي فترة مخاض وتحول استطاعت مناطقه أثناءها أن تقاوم الاستعمار الإنجليزي من جهة ومشكلات التخلف والفقر من جهة أخرى (فهي فترة سبقت اكتشاف النفط). شارك الفرج في تلك المقاومة وعلى أصعدتها كافة سواء من خلال صوته الشعري المناضل أو من خلال المشاركة في عملية التنمية سواء في المناطق التي رزحت تحت الاستعمار أو المستقلة التي عانت من مظاهر التخلف وتحديات البناء.
حمل الخطاب الشعري لخالد الفرج توجهين رئيسيين: مقاومة المستعمر ونقد الأنظمة السياسية العربية. والتوجهان متداخلان غالبًا، لأن الشاعر يلقي بجزء كبير من اللائمة في ضعف مواجهة الأجنبي على الحكام، لكن الفصل بين الاتجاهين ممكن وضروري لاختلاف لغة الخطاب واستراتيجياته أو آلياته النصية التي يعنى بها هذا الكاتب ويتتبعها. فهو في مواجهة المستعمر واضح وصريح، لكنه في الحالة الأخرى متردد بين صراحة وتضمين. ولعل أبرز سمات التوجه الأخير عموميته الحارسة للتأويل، فهو خطاب شعري عام للساسة وليس لساسة محددين. فلا تسمية لأحد. ثم إن مما يلفت الانتباه حضور المثقف في شخصية الشاعر بوصفه مهمشًا في مجتمعه مع أنه أهل للقيادة.
في قصيدة حول الاتحاد، أي اتحاد الدول العربية والإسلامية، يقول الفرج ساخرًا: «الاتحاد الاتحاد-قول نكرره معاد- لكنه والله أعلم- قد يحققه المعاد».
إلى أن يقول مشيرًا إلى من ينبغي أن يقودوا، أو من هم جديرون بالقيادة: «لو يصدقون لقدموا- للأمر من سادوا وشادوا- الأولون الأقدمون- ومن على المضمار زادوا». ومما يؤكد اتجاه الدلالة إلى النابهين من العلماء وأهل الفكر والثقافة قوله في قصيدة أخرى متغنيًا بالكويت ومؤكدًا في الوقت نفسه حبه لقول الحقيقة «ولو غضبت علي عداته»: «وطني سويداء القلوب محله عندي وإنسان العيون (صَفاته)- فإذا تألم والخطوب كثيرة- هاجت علي من الحشا زفراته». وكان قبل إشارته إلى إهمال الوطن للنابهين قد أشار في القصيدة نفسها إلى الثورة الفرنسية من حيث هي مثال لدور المثقف التنويري: «ما قام (روبسبير) حتى هزه - (فلتير) تذكي ناره نفحاته».
نقد السلطة المحلية، بعد نقد السلطة الأجنبية، في تلك الفترة، استلزم لدى الفرج وضع اليد على موضع الداء الذي تمثل له، بين مواضع أخرى، في هامشية أبناء البلاد من النابهين علمًا وفكرًا، وهو بهذا ينضم إلى قافلة طويلة من المثقفين العرب في فجر النهضة العربية الذين رأوا أنفسهم منفيين في بلادهم عن صناعة القرار لا سيما والمستعمر يفرض سلطته عليهم وعلى حكام البلاد التي عاشوا فيها. ومما يشير إلى ذلك تنقل الفرج بين بلاد الخليج، من الكويت إلى البحرين إلى السعودية (الناشئة آنذاك)، لا يرى فرقًا بين تلك البلاد، فهو في وطنه حيثما تنقل وإن احتلت الكويت مكانتها الخاصة بوصفها موطن أهله الأقربين ومسقط رأسه ومنشأه. ومع ذلك فإن انتماءه لم يحل بينه وبين نقد الأوضاع في تلك البلاد، بل إن حبه، كما يؤكد هو، كان مصدر حبه للصدق والمصارحة في كشف مواطن الداء والإشارة إلى احتمالات الدواء.
غير أن الصورة لم تكن قاتمة كل القتامة في وجه الفرج، فلم يمض وقت طويل حتى اتصل بالملك عبد العزيز في بدايات التأسيس للدولة السعودية الحديثة فرأى فيه الملك موهبة تستحق أن تكرم ويستفاد منها فاستدعاه وقربه منه ثم عينه في عدة مناصب منها مدير لبلدية الأحساء ثم لبلدية القطيف ثم أوكل إليه مهمة تأسيس الإذاعة السعودية. وكان من الطبيعي أن يترك هذا كله أثره في نفس المثقف الخليجي بامتياز ويرى فيه تقديرًا لأهل الفكر والثقافة، فامتدح الملك عبد العزيز في كثير من القصائد منها قصيدتان مطولتان أو ملحمتان هما «أحسن القصص» و«تاريخ نجد»، روى فيهما تاريخ الدولة السعودية وحروب الملك عبد العزيز في توحيد البلاد والقضاء على الفتن، ثم نشر شرحًا لهما تحت عنوان «الخبر والعيان» (1343هـ-1924م – 1347هـ-1928م). وهو في هذا يذكرنا بموقف أمين الريحاني الذي أعجب به الملك عبد العزيز وأُعجب هو بالملك المؤسس وبمواقفه القومية الوحدوية. ومن اللافت أن يشير الفرج في مقدمة القصيدتين إلى أن مديحه ليس تملقًا وإنما هو تعبير عن مشاعر صادقة، فكأنه بذلك يؤكد أنه المثقف المنتمي إلى الوطن بقدر ما هو المواطن أو الفرد المعجب بقائد كبير من القادة في تاريخ ذلك الوطن.
ومما يستوقف القارئ في سياق بحثنا هذا دفاع الفرج عن نفسه إزاء تهمة المادح المتملق، التهمة التي لم يكن الكثيرون يكترثون لها أصلاً سواء في تلك الفترة وغيرها حين يعبرون عن إعجابهم بملك أو خليفة أو ذي سلطان، لكننا إزاء كاتب ذي ضمير حي وعقل ناقد وهو لذلك حريص على سمعته وعلى تبرئة ساحته من الكذب. يقول: «والذي يقرأ هذه القصيدة يضعها – دون شك - في أبواب المديح ولا يلام على ذلك، لأن الناس اعتادوا أن يقرأوا آيات الثناء البراق في من يستحق ومن لا يستحق، ولا يهتمون بعد ذلك بحقيقة ما قيل إن صدقًا وإن كذبا... وليس في هذه القصيدة من المديح – المصطلح عليه – إلا مطلعها، وإلا فكل ما فيها حقائق لا غبار عليها يعرفها كل من درس تاريخ نجد وكان من المنصفين».
إنها إشكالية الشاعر المثقف أمام السلطة من ناحية وأمام الضمير الأدبي والأخلاقي من ناحية أخرى، فالحاجة ملحة لتبرير الموقف في حالة شاعر أراد أن يعبر عن إعجابه بملك من بلاده وخشي من تهمة المحاباة والتملق الجاهزة، التهمة التي لم يكن الكثيرون يرونها تهمة أساسًا، ناهيك عن الحاجة إلى سوق كل تلك المبررات والحجج لدفعها. لكن حقيقة الأمر هي أن خالد الفرج أنشأ خطابًا من الشعر السياسي يختلف عما عبر عنه شعره في الملك عبد العزيز. ذلك الخطاب كان خطابًا حادًا غالبًا وساخرًا أحيانًا في هجائه للساسة وللأوضاع السياسية، على النحو الذي رأينا أمثلة له في بداية هذه الملاحظات.
وفي ذلك الخطاب كان هجاؤه للساسة يترافق مع حزنه لبلاده التي تتمثل في الوطن العربي والإسلامي حينًا والخليج حينًا آخر، ومنه قوله في واحد من أشهر مطالعه وأقواها: «أنا شاعر لكن ببؤس بلادي- أفؤادكم يا قوم مثل فؤادي». وكان ذلك سنة 1345هـ (1926م)، أي قبل سنة واحدة من انتهائه من الحلقة الأولى من قصيدته «تاريخ نجد» ورفعها للملك عبد العزيز. فلم يكن غريبًا إذن أن يقلق الشاعر من إساءة فهم الآخرين لصدق شعوره تجاه زعيم عربي وهو الذي ظل ينتقد الزعماء الآخرين ويرسم مآسي البلاد.
والإنصاف في تقديري هو أن نقرأ موقف الفرج على أنه موقف وطني سواء في هجائه أو مديحه السياسي، فاختياره للتاريخ ديباجة لقصيدته في الملك عبد العزيز تعزز نزعته الوطنية وتجعل إعجابه صنوًا لإعجاب أمين الريحاني بذلك الملك العربي الذي ظهر ظهورًا مختلفًا عن غيره وأسس كيانًا سياسيا لم يجاره أحد فيه، فجسد بذلك حلمًا عربيًا حقيقيًا امتزج فيه نقاء الصحراء بشهامة العربي وإبائه مذكرًا الجميع بلحظات تاريخية سابقة فاستعيد الحلم بنهوض سياسي وقومي وحضاري لم يستغرب معه أن يحتفي الشعراء والكتاب به. غير أن تردد الفرج وقلقه يظل سمة عربية أيضًا من حيث هو تعبير عن أزمة ثقافية تتمظهر أدبيًا في الخوف من سوء فهم الناس للمقصود. فلم تكن الأوضاع السياسية أو الثقافية عمومًا مما يشجع على مديح أحد، بل كان العكس هو المتوقع، حتى إن الفرج، مثل شعراء الهجاء السياسي في فترته وقبلها وبعدها لم يخش من أن يلام لنقده للأوضاع وإنما لإعجابه بأي وضع قائم آنذاك.
إن المواجهة التي خاضها خالد الفرج مع السلطة السياسية والاجتماعية في منطقة الخليج والجزيرة العربية أنموذج لتنوع المواجهات التي عاشتها الثقافة العربية في عصر نهضتها الحديث في مختلف أنحاء الوطن العربي، على الرغم من الخطوط المشتركة التي تربط تلك المواجهات بعضها ببعض. فلم يكن غريبًا أن يستدعي الفرج أنموذج عبد الرحمن الكواكبي في قصيدة نظمها في خمسينات القرن الماضي، قبيل وفاته بأربعة أعوام. استذكر فيها حزن الكواكبي على تفرق المسلمين. كما لم يكن غريبًا أن تكون حقوق الإنسان التي طالب بها فرح أنطون من زاويته الأقلوية المسيحية مطلبًا للفرج أيضًا. كانت خطوط المواجهة في جوهرها واحدة.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.