7 تحديات تواجه الرئيس الأميركي المقبل

اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية في الداخل وتصدع دور واشنطن في الخارج أبرزها

ناخبون يستعدون للإدلاء بأصواتهم خلال فترة التصويت المبكر في واشنطن أمس (إ.ب.أ)
ناخبون يستعدون للإدلاء بأصواتهم خلال فترة التصويت المبكر في واشنطن أمس (إ.ب.أ)
TT

7 تحديات تواجه الرئيس الأميركي المقبل

ناخبون يستعدون للإدلاء بأصواتهم خلال فترة التصويت المبكر في واشنطن أمس (إ.ب.أ)
ناخبون يستعدون للإدلاء بأصواتهم خلال فترة التصويت المبكر في واشنطن أمس (إ.ب.أ)

أشار مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة في تقريره الأخير إلى سبعة تحديات داخلية وخارجية تواجه الرئيس الأميركي المقبل، تشمل استقطابات سياسية داخلية بين التيارات الليبرالية والمحافظة، وتزايد القلق من فجوة تتسع بين الطبقات الاجتماعية الأميركية وتزعزع العدالة الاجتماعية، وتراجع معدلات النمو في الاقتصاد الأميركي، وصعود التوجهات يمينية رافضة للعولمة وللاتفاقات التجارية والشراكات الاقتصادية، إضافة إلى تهديدات الإرهاب، وتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، مع تراجع صدارة الولايات المتحدة وبروز كل من الصين وروسيا وتزايد نفوذهما إقليميًا ودوليًا.
ويشير تقرير مركز المستقبل إلى أن الناخب الأميركي يواجه اختيارًا صعبًا بين المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون التي ينظر إليها أنها تمثل استمرارًا لسياسات الرئيس باراك أوباما، والجمهوري دونالد ترامب، الذي يتبنى سياسات مغايرة تمامًا للمألوف في تعامل الولايات المتحدة مع قضايا الاقتصاد والهجرة واللاجئين والرعاية الصحية والسياسة الخارجية الأميركية.
وأوضح المعهد أن الرئيس الأميركي المقبل عليه أن يتعامل مع واقع معقد وغير مستقر، ويتضمن تحديات غير تقليدية، في ظل قيود مؤسسية تفرض عليه عدم تجاوز حدود الاختصاصات الدستورية، والالتزام بمبادئ الفصل بين السلطات، والتوازن والرقابة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ما يعوق قدرته على حسم عدد كبير من القضايا، خاصة إذا لم يتمتع الحزب الذي ينتمي إليه بالأغلبية في الكونغرس.
وأبرز التحديات التي سيواجهها مقيم البيت الأبيض المقبل تتعلق بالاستقطاب الداخلي، إذ شهد المجتمع الأميركي فترة ممتدة من الانقسامات الداخلية نتيجة التدافع بين التيارات الليبرالية والمحافظة في ما يتعلق بقضايا مثيرة للجدل، مثل الحق في حمل السلاح والحريات الفردية والرعاية الصحية ومنظومة العدالة الجنائية وحقوق الأقليات، بالإضافة إلى تفجر المواجهات العنيفة بين المواطنين السود والمنتمين للأقليات والشرطة نتيجة سياسات الاشتباه، وتعرض بعض المنتمين للأقليات للقتل على يد الشرطة، وهو ما أدى لصعود تأثير حركة «حياة السود مهمة»، التي باتت تدافع عن إصلاح وإعادة هيكلة منظومة العدالة الجنائية، في مقابل تأسيس المحافظين تيار «حياة كل المواطنين مهمة» للتركيز على ضحايا الشرطة في مواجهة العصابات الإجرامية والعنف المجتمعي.
وينطبق الأمر ذاته على قضية حمل السلاح، فعقب تكرار حوادث الإطلاق العشوائي للنار، والتي كان أكثرها إثارة للجدل هجوم أورلاندو في يونيو (حزيران) 2016، الذي أسفر عن مقتل 50 شخصًا وإصابة العشرات، حينما قام عمر متين بإطلاق النار على رواد ملهى ليلي في مدينة أورلاندو. وضغط أعضاء الحزب الديمقراطي بقوة عقب الحادث لوضع قيود على تداول وامتلاك الأسلحة، إلا أن لوبي الأسلحة بزعامة جمعية البنادق الوطنية NRA والجمهوريين بالكونغرس تصدوا لهذه المحاولات دفاعًا عن الحق الدستوري لحمل السلاح.
أما التحدي الكبير الثاني، فهو العدالة الاجتماعية إذ شهدت الولايات المتحدة الأميركية تزايد عدم المساواة في الدخول بين الأفراد، واتساع نطاق الفجوة الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية. وحذر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في يونيو 2016 من تزايد الفقر وانعدام المساواة في الولايات المتحدة، باعتباره يعوق قدرة الاقتصاد الأميركي على النمو. ووفقًا لكريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، فإن الاستقطاب الاجتماعي والفقر سيؤديان لتآكل قواعد النمو الاقتصادي. أما جيسون فورمان، رئيس مجلس الاستشاريين الاقتصاديين للبيت الأبيض، فإن نسبة 1 في المائة من المواطنين الأميركيين تستحوذ على 18 في المائة من إجمالي الدخل القومي بعدما كان نصيبها لا يتجاوز 8 في المائة من الدخل القومي في عام 1973، كما تجاوزت نسبة الفقر بين المواطنين الأميركيين نحو 14 في المائة، وفقًا للإحصاءات الرسمية. ويصل هذا المعدل إلى 24 في المائة بين المواطنين السود و21 في المائة بين المواطنين من أصول لاتينية، وتسبب تصاعد إدراك الشعب الأميركي لهذه الاختلالات في صعود بعض الرموز السياسية الأقرب للنهج اليساري، مثل بيرني ساندرز السيناتور بمجلس الشيوخ الأميركي والمرشح الخاسر بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، حيث اجتذبت رؤى ساندرز تأييدًا واسع النطاق بين الشباب في ظل تعهده بتفكيك الشركات الاحتكارية الكبرى، وزيادة الضرائب على ذوي الدخول المرتفعة، والتعامل بصرامة مع القطاع المصرفي، وتوفير التعليم الجامعي بالمجان، وإنهاء نظام القروض التعليمية، وهو ما يزيد من التحديات التي يواجهها الرئيس المقبل في المجال الاجتماعي.
ويرتبط التحدي الثالث بتراجع النمو، إذ يتعرض الاقتصاد الأميركي لمرحلة ضاغطة على مستوى معدلات النمو، وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الأميركي في 22 يونيو 2016 لتصل إلى نحو 2.2 في المائة في مقابل 2.4 في المائة كان قد توقعها البنك الدولي لنمو الاقتصاد الأميركي في بداية عام 2016. وتؤكد بيانات صندوق النقد الدولي أن معدلات نمو الاقتصاد الأميركي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2016 لم تتجاوز 0.5 في المائة وهي نسبة ضئيلة بالمقارنة بمعدل نمو الاقتصاد الأميركي خلال الفترة ذاتها من عام 2015، والتي وصلت إلى نحو 1.4 في المائة. وهو ما دفع المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية دونالد ترامب للتركيز على رفع معدلات النمو عبر تحفيز الاستثمار وتقليص الضرائب على الشركات الكبرى لدعم النمو الاقتصادي.
أمّا التحدي الرابع، فيتعلق بصعود الاتجاهات القومية واليمينية في العالم وتحوّلات ضاغطة أدّت لانحسار موجات العولمة، وهو ما يستدل عليه بتصويت غالبية المواطنين في بريطانيا لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي أجري في يونيو 2016، وتزايد ضغوط التيارات اليمنية المتطرفة في دول أوروبا بإغلاق الحدود، ومنع تدفقات المهاجرين، مثل حركة بيغيدا، والنازيين الجدد في ألمانيا، وحزب الفجر الذهبي في اليونان، وحزب المصلحة الفلمنكية في بلجيكا، وحزب الجبهة الوطنية في فرنسا. ولم تكن الولايات المتحدة استثناءً من هذا الاتجاه، إذ شهدت اتجاهات متصاعدة لرفض اتفاقات التجارة الحرة والشراكة الاقتصادية مع دول الجوار، خاصة اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي (Trans - Pacific Partnership)، التي واجهت رفضًا متصاعدًا من جانب عدد كبير من المواطنين بدعوى تأثيرها السلبي في فرص العمل والقطاع الصناعي داخل الولايات المتحدة. كما تبنى آخرون دعوات لفرض إجراءات حمائية لصالح الاقتصاد الأميركي لحمايته من المنافسة مع الدول الأخرى، التي تتعمد اتباع ممارسات غير تنافسية لتخفيض أسعار منتجاتها، مثل الصين، وهو ما يزيد من اتجاهات الارتداد بالداخل وتفكيك مؤسسات التكامل الاقتصادي. كما تصاعد رفض المحافظين لتدفقات الهجرة للولايات المتحدة بالتوازي مع انتشار موجات العداء للأجانب وثقافة الكراهية، وهو ما يهدد ثوابت النموذج الأميركي القائم على الإفادة من تدفقات الهجرة في إثراء التنوع الثقافي والاجتماعي، واستيعاب الاختلاف، والتعايش بين المنتمين للثقافات والديانات المختلفة.
يشكل تهديد الإرهاب تحديًا آخر متوقعًا، إذ تصاعدت حدة التهديدات الإرهابية في الداخل الأميركي في ظل تزايد أنماط الإرهاب الفردي، وتبني المنتمين لتنظيم داعش تكتيكات جديدة تقوم على توظيف الموارد والإمكانات المتاحة كافة لتنفيذ هجمات غير متوقعة في قلب الدول الغربية؛ على غرار هجوم نيس الإرهابي، الذي قام خلاله محمد بوهلال بقيادة شاحنة ودهس الجماهير المتجمعة لمشاهدة الألعاب النارية في 14 يوليو (تموز) 2016. وهو تكتيك مشابه للذي تم استخدامه في التفجير الذي وقع في حي تشيلسي في منهاتن، وتسبب في إصابة 29 شخصًا في 19 سبتمبر (أيلول) 2016. ومن ثمّ لم يعد ممكنًا أن تتعامل الولايات المتحدة مع التهديدات الإرهابية باعتبارها تهديدات خارجية يمكن احتواؤها والتركيز على منع وصولها للداخل الأميركي. ومن المرجح أن يكون التعامل الاستباقي مع بؤر التطرف والإرهاب والتصدي لتمدد التنظيمات الإرهابية في العالم في صدارة أولويات الرئيس الأميركي المقبل.
التحدي السادس الأبرز هو اختلال التحالفات. فقد تعرضت علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها لأزمات متعددة بسبب نهج السياسة الخارجية لإدارة الرئيس أوباما، حيث رأى أوباما أن «السياسة الخارجية الأميركية استنزفت قدرًا كبيرًا من الموارد والاهتمام الأميركي على مدار العقود الماضية، وأن حلفاء الولايات المتحدة يسعون لاستغلال قوتها العسكرية لتحقيق مصالحهم الذاتية»، وهو ما دفعه لتبني مبادئ التشارك في التكلفة والقيادة من الخلف، والإحجام عن التدخل العسكري للتصدي للتهديدات. وهو ما تجلى في رفض التدخل العسكري في سوريا في أغسطس (آب) 2013 عقب استخدام نظام الأسد أسلحة كيماوية ضد المدنيين، على الرغم مما يمثله ذلك من تآكل مصداقية الردع الأميركي. وتسببت سياسة أوباما في تراجع الثقة في الولايات المتحدة كحليف يمكن الاعتماد عليه، وصعود دور القوى الإقليمية في التصدي للتهديدات وتحقيق الأمن الإقليمي، الأمر الذي ينطبق كذلك على حلف الناتو، الذي بات يواجه تهديدات لتماسكه نتيجة لاختلال توزيع الأعباء بين الحلفاء، ورفض الولايات المتحدة تحمل التكلفة العسكرية الأكبر داخل التحالف.
أما التحدي الأخير، فهو تراجع الصدارة؛ إذ اتجهت كل من الصين وروسيا للتمدد عالميًا استغلالاً للارتداد الأميركي نحو الداخل، ورفض الولايات المتحدة أداء أدوار التدخل التقليدي التي فرضها نظام الأحادية القطبية، حيث كشف الصدام الروسي الأوروبي عقب التدخل العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا عن اتباع الولايات المتحدة سياسة «الاحتواء الناعم» إزاء روسيا، وهو ما تجلى في عدم الاعتراض على التدخل العسكري الروسي في سوريا. كما تجنّبت الولايات المتحدة الصدام المباشر مع الصين، على الرغم من تمددها العسكري في بحر الصين الجنوبي، وهيمنتها على الجزر المتنازع عليها مع دول الجوار، وهو ما يزيد من حالة انعدام الثقة في قدرة الولايات المتحدة على تحمل تبعات القيادة العالمية.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.