هل تغير مفهوم الأدب في عصرنا.. أم «المهمش» يكسر «الجدار العازل»؟

بعد منح «نوبل» لصحافية ومغنٍ خلال عامين متتاليين

المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش
المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش
TT

هل تغير مفهوم الأدب في عصرنا.. أم «المهمش» يكسر «الجدار العازل»؟

المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش
المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش

باغت القائمون على جائزة نوبل للعام الثاني على التوالي، الأدباء المنتظرين إعلان اسم واحد منهم بفرع الجائزة الأدبي، فحسابات الأدباء لم تنطبق على حسابات أصحاب نوبل، وبحركة أشبه بالالتفافية فوجئ المهتمون بأن جائزة نوبل للآداب ذهبت إلى مغنٍ وكاتب كلمات أغانٍ هو بوب ديلان، وقبل ذلك في العالم السابق ذهبت الجائزة إلى صحافية تدعى سفيتلانا أليكسيفيتش. فهل كسرت «نوبل» الحواجز التي تسوّر مصطلح الأدب بصرامة، ووسعت آفاق مفهوم هذا المصطلح ليكون الأدب بمفهومها هو كل ما يمت إلى الإبداع الثقافي العام بصلة. وماذا لو تكرس هذا العرف، فقد يحصل عليها في الأعوام التالية فنان تشكيلي ربما أو نحات.. إذن لماذا لا تغير الجائزة اسمها بدلاً من «الآداب» إلى «الإبداع»، وتبقي على المصطلحات بتصنيفها العلمي؟
وكي لا يكون الرأي أحادي الجانب، طرحنا السؤال على مجموعة من المتخصصين في المجال الأدبي، فكانت هذه الحصيلة:
* الخالدي: أجناس أدبية مهمشة
من السعودية يقول الدكتور مبارك الخالدي، أستاذ الأدب الإنجليزي المساعد في جامعة الدمام «إن ما قامت به الأكاديمية السويدية لا يُعد توسعة لمفهوم الأدب، إنما توسيع فعلي، يرتكز إلى أساس من التفاتها واعترافها في الآن ذاته على (أجناس) أدبية كانت مهمشة».
يضيف: «لهذا لم يثر فوز بوب ديلان بالجائزة (أخيرًا) إلا استغراب عدد قليل من الأدباء أو قُرّاء الأدب مقارنة بعدد الأدباء والفنانين والمثقفين الذين رحبوا وفرحوا بفوز ديلان بالجائزة؛ ما يدل على اعتراف هؤلاء بشاعرية ديلان وأنهم سبقوا في ذلك الأكاديمية السويدية نفسها».
يكمل الدكتور الخالدي قائلاً: «من هذه الزاوية، يبدو اعتراف الأكاديمية السويدية وكأنه انعكاس وامتداد لاعترافٍ يتجاوز حتى حدود أوروبا ووطنه الولايات المتحدة ليشمل مساحة واسعة من العالم. لقد تابعت بسبب وجودي في لندن هذه الأيام التغطية الصحافية لاستقبال بعض الأدباء والمغنين وصناع الأفلام لخبر فوز ديلان. كانوا مبتهجين ومؤيدين للأكاديمية لاختيارها من يستحق الجائزة؛ من هؤلاء الشاعرة كيت تيمبست، والروائي الاسكوتلندي أندرو أوهاغان، والشاعر والروائي أندرو موشن، وصانع الأفلام جوناس ميكا، والمغني وكاتب الأغاني بيلي براغ وآخرون».
* الجعيدي: هدم «الجدار العازل»
أما الدكتور سعيد الجعيدي، أستاذ الأدب والنقد، بجامعة الباحة جنوبي السعودية، فقال «إن منح الأكاديمية الجائزة لديلان، وبالتأكيد يشمل هذا فوز سفيتلانا أليكسيفيتش بالجائزة في العام الماضي، يحاكي التفات واشتغال النقد الثقافي على الإنتاج الثقافي المهمش، الذي يشكل ما يسمى الثقافة الدنيا؛ ما يعني اشتراكها في مشروع هدم (الجدار العازل) بين الثقافتين العليا والدنيا. لم يعد الجدار قائمًا، أصبح أثرًا بعد عين، إلا في أذهان سدنة القديم».
ويضيف «مفهوم الأدب ظل راكدا قرونا عدة على الرغم من التطورات الهائلة والمعطيات الجديدة التي لحقت مفاهيم الوجود والكون والإنسان والإبداع المنجز، بما يشبه الثورة، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين؛ إلا أن الشعرية الأدبية لم تساير وتواكب ذلك بما يثري مفهومها ويوسع من أفقها. وإن كنا نلمس شيئا من ذلك عبر مزج الأجناس والأنواع الأدبية، وانفتاحها على الفنون والمعارف الأخرى ومنجزات التكنولوجيا الرقمية، في تفاعل لم تعرفه الحضارة الإنسانية من قبل. كل ذلك ولا شك يستدعي إعادة النظر في مفهوم الأدب.. ونحن الآن (طبقا لما بعد الحداثة) نعيش مفاهيم سائلة لم تتبلور بعد في قراءة نهائية. ومع ذلك كله يمكن القول بأن العملين الأخيرين الفائزين بـ«نوبل للآداب» يندرجان بشكل أو بآخر تحت مظلة مفاهيم الشعرية الأدبية. ففوز بوب ديلان مثلا، وكما جاء في معطيات لجنة الجائزة يعود لعلاقته بالأدب؛ فهو شاعر وكاتب سيرة ذاتية، امتاز شعره بخصائص جمالية بارزة وشكل إضافة في بابه، وهو مؤسس لأغاني الاحتجاجات، وله شعبية جارفة، إضافة إلى تراكم منجزه الشعري والموسيقي؛ والصلة بين الأدب والموسيقى والغناء صلة وثيقة وأزلية في كل الآداب الإنسانية. وعموما سيبقى سؤال (ما الأدب.. ؟!) مفتوحا دائما للمقاربة بانفتاحه على قضايا عصرنا ومنجزاته من نحو: الشفاهية والكتابية الإنسانية والإلكترونية، وصيرورة الأشكال الأدبية والفنية، والأدب والتكنولوجيا، وأدب العولمة والتفاعل والإثارة، وأدب من دون أدباء... ولعل الجائزة الأخيرة تسهم في إعادة تنشيط الجدل حول ذلك كله بما يثري مفاهيم الشعرية المعاصرة للممارسات الأدبية والفنية الجديدة والمستقبلية، مع الأخذ في الحسبان أن للجائزة مقاييسها واعتباراتها الخاصة التي يكتنفها الغموض أحيانا».
* الشمري: توسيع خصوصية الإبداع الأدبي
ويرى الروائي السعودي عبد الحفيظ الشمري أنه «رغم كون الجوائز نخبوية، ومحدودة، وتشوبها الكثير من الشوائب، لا سيما إذ استقصينا نشأتها وأسبابها، وتمكن بعض القوى منها؛ حتى باتت أداة من أدوات الاسترضاء أو التنفيع أو صهر التجربة وإحالتها إلى مجرد تهدئة في روع، أو رفع لمعنويات، أو إلى ما دون ذلك من الأنماط الاختزالية لها... أما وأن سلمنا بوجودها وجدواها فإن محاولة جائزة نوبل فيما يخص الأدب؛ تتجه إلى توسيع خصوصية الأدب والثقافة؛ لتجعل منها رؤية استنطاقية لمفهوم الثقافة والمعرفة التي تتقاطع مع الأدب بطريقة أو بأخرى؛ لكي لا ينحصر الأمر بالشعر والرواية، فيكون للجانب الإبداعي في الكتابة العامة رؤية ومنهج متميز يقبل عليه المجتمع ويرتضي به كمفهوم إنساني نبيل، بل وغير مقيد بنخبوية أو فئوية كشأن الأدب منذ نشأته إلى اليوم.
ويضيف: «خروج الجائزة في منحها لرواد العمل الإبداعي في فنون وثقافات مختلفة يسهل على المجتمع التفاعل مع الطروحات الإنسانية. ونحن نذكر على سبيل المثال أن من يحوزون جائزة الرواية قد يكونون غير معروفين للمجتمعات الأخرى، لكن حينما يحوزها الكاتب المسرحي وفرق التمثيل، وكتاب النصوص الشعرية التي تغنى بشكل فردي أو جماعي، وتنتشر في العالم فإن بعضا من أهداف هذه الجائزة قد يتحقق، وتعم الفائدة هذا الفن أو ذاك، ويمكن تقدير من يعملون فيه، ويفنون أعمارهم خدمة له.
* القاسمي: عودة الشكوك
أما الدكتور الشاذلي القاسمي، أستاذ تاريخ العلوم العربية في جامعة برشلونة بإسبانيا، فيذهب إلى أبعد من ذلك، ويلمح إلى العوامل السياسية، وهي تهمة طالما لحقت بـ«نوبل»، ولكن القاسمي يدخل إلى الموضوع بطريقة أخرى، فيقول «بادئ ذي بدء إن جائزة نوبل لم تعد بقدر الشكل والمضمون اللذين كانت عليهما في زمن ولى، حين كانت تعطى في حقل القصيدة والرواية والكتابة المسرحية، إلا أنها الآن أصبحت تعطى في مجال الصحافة والغناء من قبل الأكاديمية السويدية. ولا نعتقد أن ذلك يدخل في مجال توسيع المصطلح وإنما يدخل ضمن حسابات أخرى منها السياسة والآيديولوجية. ويضيف «إن الغناء والصحافة من الأدوات المتناولة لإيصال المعلومة بطريقة أسرع؛ لأن الصحافة والغناء لهما جمهور واسع، خصوصا ونحن في عصر العولمة على خلاف المسرح والأدب، وأظن أن ذلك ليس من باب توسيع الأدب المعاصر بقدر ما هو إيصال الهدف المنشود بسرعة لخدمة هدف معين وإن كان عبر الفن مثل الغناء؛ لأن الجودة لا تهم بقدر ما يهم التأثير وإيصال السهل والبسيط».
وكان أقصر جواب هو الذي أدلت به الدكتورة العمانية أمينة الحجرية، المدير العام المساعد لـ«الإيسيسكو»؛ إذ قالت لنا باختصار: بما أن الجائزة عالمية، وهي في الأساس نشأت للتشجيع على الإبداع؛ فمن وجهة نظري يجب فتح الآفاق ومجالات الإبداع وعدم حصرها على جوانب محددة وخاصة أنها عالمية.
* شوارب: أسباب غير مقنعة
بينما يذهب الأكاديمي والشاعر الدكتور السعيد شوارب، من مصر، إلى تحليل المصطلح فيرى أن مفهوم الأدب من الناحية العلمية هو كلام بليغ جميل يؤثر في المتلقي ويدفعه في الاتجاه الذي يريده الأديب. ولا يكون «أدبا» إلا إذا قام على العاطفة والخيال وسلامة اللغة الفصيحة. ويضيف «إن مفهوم الأدب يشمل الشعر الفصيح بأنواعه والنثر الفصيح بأنواعه. وأنا واحد ممن لا يُدخلون في الأدب إلا ما كان فصيح اللغة»؛ ويرمي الدكتور السعيد شوارب سهامه نحو كلمات الأغاني فيقول: بالتالي، فإن كل ما كتب في اللهجات رغم جودته أحيانا لا يمكن أن يدخل في المصطلح؛ لأن له اسما هو الزجل فيما يسمى بالأدب الشعبي. ومعلوم أن مجامع اللغة العربية لا تعترف بهذا الإنتاج حين يكون الحديث عن الأدب. ويكشف شوارب عن معلومة بقوله «نحن الآن في مجمع القاهرة نخرج معجما جديدا باسم (معجم لغة الشعر العربي) ولا ندخل فيه شعر العامية مهما بلغ من الجودة». ويختتم وجهة نظره بقوله: لا ندري على أي أساس منحت «جائزة نوبل في الأدب» لمغن أو مؤلف أغان؛ إلا إذا كان لدى اللجنة مفهوم مختلف لا ندري أساسه في المصطلح القديم.
* النجدي: فنون الأدب ليست مغلقة
الدكتور إيهاب النجدي، أستاذ الأدب العربي في الجامعة العربية المفتوحة بدولة الكويت، له رأي جدير بالتأمل، فيقول: حصول الشاعر بوب ديلان على جائزة نوبل لهذا العام كان مفاجئا؛ لشهرته بوصفه مغنيا، لكنه شاعر مهم وصاحب موقف سياسي قبل أن يكون مغنيا، بشهادة بعض نقاد الأدب، لكن الذي أثار الانتباه هو تأكيد لجنة «نوبل» في حيثيات الفوز على «أنه أبدع تعبيرات جديدة ضمن تقاليد الغناء الأميركي»، وهو ما يفتح باب التساؤل: ولماذا لم يفز بالجائزة مثلا شاعر عربي بحجم أحمد رامي الذي كان له دور كبير في تطور الكلمة المغناة عبر عقود طويلة؟
ويضيف «فنون الأدب ليست مغلقة بطبيعتها، فكم من فنون ولدت وأخرى انزوت لتغير حياة الناس وحاجاتهم النفسية، وتبدل الأذواق. وعلى سبيل المثال، أين الآن فنون أدبية قديمة مثل المفاخرات، والنقائض الشعرية؟ وأين الملاحم من الأدب الغربي الآن؟ وكانت القصة القصيرة والرواية، والمسرحية.. في مطالع القرن العشرين محل سجال حول قيمتها. نعم، دائرة الأدب تتسع لكل نص إبداعي، وإن جاء في صورة استطلاعات صحافية، أو أغان شعرية، وتبقى اللغة الإبداعية هي الفيصل. وإذا كانت الحدود بين الأنواع ليست صارمة، فإن التمييز بين الأنواع الأدبية يظل علامة تطور، وأؤيد «تـودروف» حين رأى أنه «لا يكون هناك أدب دون أجناس أدبية».
ويختتم النجدي رأيه بالقول: «جدارية الأدب والفن تتسع لكل تجريب، لكنها في الوقت ذاته، لا تُسمي الأشياء بغير أسمائها، ولا تسقط الفروق بين الأنواع، حتى لا تنماع الأشياء، وتصبح كل كلمات امتلأت بها واجهات النشر كتابة، وكل هذيان نصا، تقام لأجله منصات النقد، ومهرجانات الدعاية والجوائز».
* صالح: سخرية من الأدب
القاص المصري المقيم في الكويت شريف صالح، يقول «ربما نعتبر فوز سفيتلانا أليكسيفيتش توسيعًا لمفهوم الأدب بالالتفات إلى القيمة الأدبية في الكتابة الصحفية. لكن قياس (تفويز) ديلان عليها في غير محله؛ فالآداب تظل دائمًا مرتبطة بالكلمة وحدها، مهما تنوعت ما بين شعر ورواية ومسرحية وقصة.. أو نصوص عابرة للنوع.. أما الفنون التي تعتمد على (الكلمة) مضافًا إليها إبداعيات أدائية مختلفة مثل السينما والعروض المسرحية والغناء والكوميكس.. فهي تأخذنا إلى حقول أخرى خارج الأدب». ويضيف «لو رجعنا إلى تقاليد الجائزة نجدها ظلت مرتبطة بإبداع الكلمة فقط.. فما الذي سيتوسع تحديدًا في (الأدب) بمنحها لموسيقي؟ بالطبع هو فنان عظيم وله تأثير في الثقافة الشعبية ومتوج بالأوسكار و11 جائزة غرامي.. فلن تضيف (نوبل) أي شيء إليه.. وهو ما يفسر استخفافه وعدم الرد على إدارة الجائزة ولو بتصريح مقتضب.. ومنذ أن ظهر اسمه في الترشيحات قبل سنوات سئل عن ذلك فقال بأنه ليس أديبًا مثل هيمنغواي».
ويضيف صالح: «وكما علق أحد أصدقائه بالقول: أحب ديلان، ولكنه بلا أعمال أدبية، وأعتقد أن الأكاديمية السويدية وضعت نفسها محط سخرية العالم، وهذا الأمر مهين للكتاب.. فما حدث بالفعل ليس توسيعًا للأدب، بل إهانة لعشرات المشروعات الإبداعية الكبيرة.. في ظل ظروف مقعدة يعاني فيه الأدب في معظم دول العالم ويحتاج إلى جائزة مثل نوبل لا يحتاج إليها ديلان. إلا إذا أعادت الجائزة توصيف نفسها لتصبح جائزة نوبل في الآداب والفنون والثقافة الشعبية.. ساعتها يصبح جديرًا بها».



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.