الحريري «يخاطر بمستقبله السياسي وشعبيته» ويرشح عون لرئاسة لبنان

بري يستقبل «المرشح» ويؤكد له أنه لن يصوت له.. وجنبلاط «منزعج»

رئيس تيار «المستقبل» رئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري خلال استقباله رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون في بيت الوسط ببيروت أمس (دلاتي ونهرا)
رئيس تيار «المستقبل» رئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري خلال استقباله رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون في بيت الوسط ببيروت أمس (دلاتي ونهرا)
TT

الحريري «يخاطر بمستقبله السياسي وشعبيته» ويرشح عون لرئاسة لبنان

رئيس تيار «المستقبل» رئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري خلال استقباله رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون في بيت الوسط ببيروت أمس (دلاتي ونهرا)
رئيس تيار «المستقبل» رئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري خلال استقباله رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون في بيت الوسط ببيروت أمس (دلاتي ونهرا)

اقترب رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون المتحالف مع «حزب الله» من كرسي الرئاسة اللبنانية، بعد الترشيح الرسمي من قبل رئيس تيار «المستقبل» رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي برر الترشيح بـ«الخوف على مستقبل لبنان»، معترفا بأنه يخاطر بشعبيته ومستقبله السياسي، في هذا القرار الذي لاقى اعتراضات علنية قليلة في صفوف كتلته التي رفض 3 من أعضائها البارزين التصويت لعون.
وبترشيح الحريري لعون، تكون صورة التوازنات الانتخابية قد اقتربت من الظهور، مع حصول عون على «الغالبية العددية» التي لا تكفي وحدها لانتخابه في الجلسة المقررة في 31 الحالي، والتي تنتظر تذليل عقبتي موقف رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط. وإذا كان موقف جنبلاط «قابلا للأخذ والرد» كما قالت مصادر قريبة من الحريري، إلا أن موقف بري بدا متصلبا للغاية، إذ أبلغت مصادره «الشرق الأوسط» أنه ما يزال عند موقفه الرافض التصويت لعون في رئاسة الجمهورية، والرافض لتسمية الحريري رئيسا للحكومة. ورغم أن بري وافق على استقبال عون الذي طلب زيارته ليلا، إلا أن مصادر بري جددت التأكيد على أن الزيارة «لن تقدم أو تؤخر في موقف الرئيس بري المعلن» أي الرفض المطلق للتصويت لعون والانتقال إلى صفوف المعارضة في حال وصوله.
وفيما خص موقف جنبلاط، فقد أفادت مصادر قريبة منه «الشرق الأوسط» أنه لم ينظر بارتياح إلى خطاب الحريري، لكنه لم يسقط إمكانية التصويت لعون، تاركا الأمر لاجتماع كتلته البرلمانية يوم غد السبت. وأوضحت مصادر أخرى مطلعة على موقف جنبلاط أن الأخير قد يترك الحرية لأعضاء اللقاء الديمقراطي من غير الحزبيين (أربعة نواب) فيما سيلتزم النواب السبعة من أعضاء الحزب التقدمي الاشتراكي بالتصويت وفقا لقرار الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه.
وقالت مصادر مطلعة على المشاورات الحالية إن موعد انتخاب عون قد يتأخر إلى ما بعد 31 الحالي بانتظار تذليل عقبة موقف الرئيس بري، مشيرة إلى أن عون والحريري ينتظران من «حزب الله» التدخل لترطيب الأجواء مع بري. وقالت المصادر أن تأخير الجلسة قد يكون المخرج في حال أريدت طمأنة الرئيس بري أولا، أما في حال تقرر انتخاب عون وترك موقف بري إلى ما بعد الانتخاب فالأمور ستكون شديدة الصعوبة.
وكان الحريري وجه كلمة إلى اللبنانيين عصر أمس أعلن فيها ترشيح عون. وفنّد الحريري في خطاب انتظره اللبنانيون طويلا الأسباب التي دفعته لتبني خيار ترشيح عون وبالتالي الخضوع لشرط «حزب الله» الذي كان قد ردد مرارا وتكرارا أنّه لن يكون هناك رئيس للبنان غير العماد عون. وقال في مؤتمر صحافي عقده في حضور معظم نواب كتلته وعدد كبير من الفعاليات والإعلاميين إن «الوضع اليوم أخطر وأصعب بكثير مما قد يكون ظاهرا للكثير منكم، خاصة في ظل طروحات من شأنها أن تؤدي إلى حرب أهلية»، كاشفا عن تفاهمات توصل إليها مع عون وأبرزها تحييد الدولة اللبنانية بالكامل عن الأزمة في سوريا، وعدم طرح تعديل على النظام قبل تحقيق إجماع وطني من كل اللبنانيين، كما أشار إلى اتفاق على إعادة إطلاق عجلة الدولة والمؤسسات وإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد والخدمات الأساسية وفرص العمل، وفرصة الحياة الطبيعية للبنان واللبنانيين واللبنانيات. وأضاف الحريري: «العماد ميشال عون، وفق القواعد التي التقينا عليها، مرشح ليكون رئيسا لكل اللبنانيين، وحارسا لسيادتهم وحريتهم واستقلالهم وخيارات الإجماع بينهم، لا خيارات الانقسام، سواء جاءت من حليف له أو خصم اختار مواجهته»، لافتا إلى أنّه «سيحرص، كما سنفعل نحن، على الانفتاح على كل القوى السياسية القادرة على دعم مسيرة بناء الدولة بالمزيد من أسباب نجاحها».
ولم يتجنب الحريري التصويب على مشاركة «حزب الله» في القتال بسوريا حين تساءل: «ماذا كان ليفعل رفيق الحريري إزاء انخراط حزب الله في الدم السوري وإزاء الخيارات الهوجاء التي قابلته في عبرا وطرابلس وغيرها؟»، وقال: «ما نحن في صدده اليوم هو تسوية سياسية بكل معنى الكلمة، لكنني لن أختبئ خلف إصبعي، فأنا أعلم أن الكثير منكم غير مقتنع بما أقوم به، وبعضكم خائف من مخاطره علي، شخصيا وسياسيا، ويشكك، بناء على تجارب الماضي، بنوايا حزب الله الحقيقية بعد إعلاني هذا، ويقول لي: هذه ليست تسوية، هذه تضحية بشخصك، بشعبيتك، وربما بأصوات ناخبين لك في الانتخابات النيابية المقبلة. ولكل هؤلاء أقول: نعم أنها مخاطرة سياسية كبرى، لكنني مستعد أن أخاطر بنفسي وبشعبيتي وبمستقبلي السياسي ألف مرة لأحميكم جميعا، ولست مستعدا لأخاطر مرة واحدة بأي واحد منكم لأحمي نفسي أو شعبيتي أو مستقبلي السياسي».
وفور انتهاء الحريري من خطابه أعلن عدد من نواب كتلته عدم التزامهم بقرار ترشيح عون للرئاسة، وأبرزهم رئيس كتلة «المستقبل» فؤاد السنيورة، والنائبان أحمد فتفت، عمار حوري.
وفي المواقف السياسية التي تلت قرار الحريري، أشار السنيورة إلى أنه يرفض انتخاب عون، لكنه شدد على البقاء إلى جانب الحريري. وقال في تصريح من بيت الوسط «من الطبيعي أن أكون إلى جانب الرئيس سعد الحريري كنت وسأبقى إلى جانبه نظرا لما يجمعنا من الكثير من المشتركات الوطنية والعروبية والحرص على اللبنانيين»، معتبرًا أن ما قاله الحريري «يعبر عن الحس الرفيع من التقدير للمصلحة الوطنية والرغبة في إيجاد مخرج للأزمة الكبرى». وأضاف السنيورة «هناك تمايز بيني وبين الرئيس الحريري فيما خص انتخاب رئيس الجمهورية، لكن هذا لا يمنع من أنني كنت وسأبقى إلى جانبه استنادا إلى كل هذه الثوابت، الانتخاب يكون بناء على القناعات وما نظن أنه السبيل الذي يؤدي إلى خدمة لبنان»، مؤكدًا أن «هذا التمايز لا يفسد العلاقة الوثيقة والتضامن بيننا وبين الرئيس الحريري، لكني لن أنتخب العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية». وشدد السنيورة على أن كتلة المستقبل «ستبقى موحدة ولا انقسام فيها، وهي من أكثر الكتل النيابية التي كانت تحرص على الانفتاح والحرية بين أعضائها».
من جهته قال عضو كتلة «المستقبل» النائب أحمد فتفت في تصريح له «مع كل تقديري واحترامي لدولة الرئيس سعد الحريري ومبادراته ومساعيه لإنهاء الشغور الرئاسي، إلا أن ما وصلت إليه هذه المساعي، وتحديدا إعلانها لالتزام بانتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، لا ينسجم وقناعاتي الوطنية والسياسية كعضو مؤسس في تيار المستقبل وفي كتلة المستقبل». وأضاف: «من هذا المنطلق أعلن رفضي لهذا الخيار لمجموعة كبيرة من الأسباب والمعايير السياسية والتي سبق وأن عبرت عنها علنا في الإعلام وبشكل واضح وصريح، كما فعل ذلك تقريبا جميع أعضاء كتلة المستقبل في اجتماعات هذه الكتلة بحضور دولة الرئيس سعد الحريري».
أما رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي فعلّق على خطاب الحريري، قائلاً «مغامرة جديدة نخشى أن تقود الوطن إلى مزيد من الانقسام والتأزم». فيما قال وزير الاتصالات بطرس حرب: «مبروك للشعب اللبناني لقد انتصر الابتزاز السياسي».
وكما كان متوقعا، وصل عون بعد أقل من نصف ساعة على إعلان تأييده لرئاسة الجمهورية إلى دارة الحريري، حيث عقد اجتماعا معه بحضور وزير الخارجية جبران باسيل.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.