تثير حالة الطوارئ المعلنة في تركيا في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في تركيا في منتصف يوليو (تموز) الماضي جدلا واسعا بين أنقرة والاتحاد الأوروبي والغرب بشكل عام فضلا عن الأصوات المعارضة لها بالداخل بسبب الكثير من القرارات التي أصدرتها الحكومة بموجب حالة الطوارئ وتتضمن اعتقال وإقالة أكثر من 100 ألف شخص من وظائفهم في مختلف القطاعات بدءا من الجيش والقضاء إلى التعليم والإعلام ومؤسسات القطاع الخاص ورجال الأعمال.
ولم تعر السلطات التركية كثيرا اهتمامها إلى الانتقادات التي صدرت عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن القلق من حالة الطوارئ والإجراءات المصاحبة لها، وفي مقدمتها وقف العمل بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، حيث صدرت تهديدات متكررة بوقف مفاوضات عضوية تركيا بالاتحاد الأوروبي، وهي المفاوضات التي لم تشهد حركة فعلية منذ سنوات.
ووجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، مرارا، انتقادات حادة لموقف الدول الغربية من محاولة الانقلاب الفاشلة مشيرا إلى أن زعماء الغرب عندما كانوا يتصلون بالمسؤولين في الدولة التركية، كانوا يسألون عن أوضاع الانقلابيين أكثر مما يسألون عن حال البلد.
وذكر إردوغان أنه لو شهد أي بلد أوروبي عمليات إرهابية كالتي يقوم بها حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش، وما سماه بالكيان الموازي في تركيا، في إشارة إلى حركة الخدمة التي يتزعمها الداعية فتح الله غولن الذي يتهمه إردوغان بالوقوف وراء محاولة الانقلاب لفرضوا عقوبة الإعدام فورا وأعلنوا حالة الطوارئ دون انتظار.
وقال إردوغان إن قرار حالة الطوارئ اتخذ في العشرين من يوليو من قبل مجلس الوزراء وصادق عليه البرلمان في اليوم التالي ولم يتخذ أي قرار خارج القانون مؤكدا أنه لا يمكن أن تحكم الدول الأوروبية على تركيا وسياستها دون أن تزورها وتشاهد ما جرى بأعينها.
أما الاتحاد الأوروبي ومؤسساته فأوضحوا أنهم يتابعون عن كثب وبقلق فرض حالة الطوارئ في تركيا.
وأصدر كل من وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني والمفوض الأوروبي لشؤون توسيع العضوية يوهانس هان، بيانًا مشتركًا يدعوان فيه أنقرة لاحترام دولة القانون.
وقالت فيديريكا موغيريني، مسؤولة الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي: «ندعم المؤسسات بشكل كامل، المؤسسات الديمقراطية والشرعية. لكن لا توجد أعذار يمكن على أساسها تقويض الحريات الأساسية والحقوق. ما نراه في الجامعات ووسائل الإعلام أو القضاء غير مقبول».
ومن البداية أعلنت الحكومة التركية أنها ستحذو حذو فرنسا، بعد اعتداءات باريس، وستعلق العمل بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. إذ تجيز الاتفاقية للحكومات تعليق بعض الحقوق والحريات في «الظروف الاستثنائية» وذلك «مؤقتًا وبشكل محدود ومنضبط»، الأمر الذي سيمكن تركيا من تجنب اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان بينما تجري حملة تطهير واسعة في الجيش والقضاء والإعلام منذ الانقلاب. وقدمت أحزاب المعارضة في تركيا دعمها لفرض حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر، لكنها خلال هذه الفترة انتقدت، ولا سيما حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطية الموالي للأكراد، الإجراءات التي قامت بها الحكومة.
ثم اعترض حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا على تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر أخرى بتوصية من مجلس الأمن القومي، لكن الحكومة واصلت إجراءاتها وطرحت تمديد حالة الطوارئ على البرلمان وتم تمديدها بالفعل لثلاثة أشهر أخرى اعتبارا من 19 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري. ويقول الحزب إن الاعتقالات والإقالات التي وقعت في ظل حالة الطوارئ تسببت في ظلم أكثر من مليون مواطن وتشريد آلاف العائلات، حيث فتح الحزب مكتبا لتلقي شكاوى المتضررين من حالة الطوارئ والمراسيم الحكومية الصادرة خلالها، كما أقدمت الحكومة على خطوة مماثلة بعد أن أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان أن الاعتقالات والإقالات واتهام الناس بأنهم من أتباع غولن اختلط فيها الحابل بالنابل. وطعن حزب الشعب الجمهوري على مرسومين صدرا خلال حالة الطوارئ أمام المحكمة الدستورية العليا لكنها رفضت النظر في الطعن وعللت رفضها بعدم الاختصاص.
والمرسومان المعنيان بطلب الحزب المذكور، يحملان رقمي 668 و669. وصدرا على خلفية المحاولة الانقلابية وينص المرسوم الأول على إجراء بعض التعديلات في مؤسسات ودوائر الدولة.
ويقضي المرسوم الثاني بإنشاء جامعة الدفاع الوطني، وإجراء تعديلات على بعض المؤسسات، فضلا عن تعديلات في القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة، والمحاكم العسكرية، وخفر السواحل، ومؤسسات أخرى.
كما ينص المرسومان على إلحاق قيادات القوات المسلحة بوزارة الدفاع، والدرك بالداخلية، والمستشفيات العسكرية بالصحة، وفصل عناصر «منظمة فتح الله غولن» من مؤسسات الدولة.
ويقول الاتحاد الأوروبي، الذي ينتقد منذ ثلاث سنوات أوضاع حقوق الإنسان والحريات، ولا سيما حرية التعبير في تركيا إن استناد السلطات التركية على حالة فرنسا لتمديد حالة الطوارئ يشكل قياسا غير سليم.
وأكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن التحقيقات الجارية بخصوص محاولة الانقلاب الفاشلة تسير وفق مبادئ سيادة القانون، والالتزام ببنود اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية.
وأوضح أمام أعضاء الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي بمدينة ستراسبورغ الفرنسية الأربعاء الماضي أنّ تركيا اتخذت جميع التدابير اللازمة للحيلولة دون تكرار محاولات الانقلاب ضدّ حكوماتها الشرعية.
وقال: إن بلاده تسعى لتطهير جميع مؤسسات الدولة من عناصر «منظمة غولن» الإرهابية، الذين تغلغلوا فيها منذ سنوات طويلة، لافتا إلى أن حالة الطوارئ المعلنة في عموم البلاد عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة تحظى بدعم أكثر من 80 في المائة من الشعب التركي وأن الحكومة تستخدم الصلاحيات الدستورية الممنوحة لها بموجب حالة الطوارئ. وأكّد جاويش أوغلو أنّ بلاده كثّفت تعاونها مع المجلس الأوروبي عقب محاولة الانقلاب الفاشلة وقال: إن بلاده سترفع حالة الطوارئ في الوقت الذي يعود الوضع إلى طبيعته. ويقول منتقدو حالة الطوارئ في تركيا إن الرئيس رجب طيب إردوغان وحكومته يستخدمانها للتضييق على المعارضة واتخاذ قرارات ما كان يمكن للحكومة أن تتخذها في الظروف الطبيعية أو في ظل تفعيل البرلمان، لكن إردوغان يلمح في المقابل إلى أن حالة الطوارئ قد تستمر 12 شهرا على غرار ما فعلت فرنسا عقب الأحداث الإرهابية التي شهدتها.
«طوارئ» تركيا تثير قلقًا في أوروبا
أنقرة تحججت بتجربة فرنسا في تعليق العمل بالاتفاقية الحقوقية.. وبروكسل: قياس غير سليم
وزير الخارجية التركي (يسار) ورئيس الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا يعقدان مؤتمرًا صحافيًا بعد اجتماعهما بمدينة ستراسبورغ الفرنسية الأربعاء الماضي (غيتي)
«طوارئ» تركيا تثير قلقًا في أوروبا
وزير الخارجية التركي (يسار) ورئيس الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا يعقدان مؤتمرًا صحافيًا بعد اجتماعهما بمدينة ستراسبورغ الفرنسية الأربعاء الماضي (غيتي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




