«طوارئ» تركيا تثير قلقًا في أوروبا

أنقرة تحججت بتجربة فرنسا في تعليق العمل بالاتفاقية الحقوقية.. وبروكسل: قياس غير سليم

وزير الخارجية التركي (يسار) ورئيس الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا يعقدان مؤتمرًا صحافيًا بعد اجتماعهما بمدينة ستراسبورغ الفرنسية الأربعاء الماضي (غيتي)
وزير الخارجية التركي (يسار) ورئيس الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا يعقدان مؤتمرًا صحافيًا بعد اجتماعهما بمدينة ستراسبورغ الفرنسية الأربعاء الماضي (غيتي)
TT

«طوارئ» تركيا تثير قلقًا في أوروبا

وزير الخارجية التركي (يسار) ورئيس الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا يعقدان مؤتمرًا صحافيًا بعد اجتماعهما بمدينة ستراسبورغ الفرنسية الأربعاء الماضي (غيتي)
وزير الخارجية التركي (يسار) ورئيس الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا يعقدان مؤتمرًا صحافيًا بعد اجتماعهما بمدينة ستراسبورغ الفرنسية الأربعاء الماضي (غيتي)

تثير حالة الطوارئ المعلنة في تركيا في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في تركيا في منتصف يوليو (تموز) الماضي جدلا واسعا بين أنقرة والاتحاد الأوروبي والغرب بشكل عام فضلا عن الأصوات المعارضة لها بالداخل بسبب الكثير من القرارات التي أصدرتها الحكومة بموجب حالة الطوارئ وتتضمن اعتقال وإقالة أكثر من 100 ألف شخص من وظائفهم في مختلف القطاعات بدءا من الجيش والقضاء إلى التعليم والإعلام ومؤسسات القطاع الخاص ورجال الأعمال.
ولم تعر السلطات التركية كثيرا اهتمامها إلى الانتقادات التي صدرت عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن القلق من حالة الطوارئ والإجراءات المصاحبة لها، وفي مقدمتها وقف العمل بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، حيث صدرت تهديدات متكررة بوقف مفاوضات عضوية تركيا بالاتحاد الأوروبي، وهي المفاوضات التي لم تشهد حركة فعلية منذ سنوات.
ووجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، مرارا، انتقادات حادة لموقف الدول الغربية من محاولة الانقلاب الفاشلة مشيرا إلى أن زعماء الغرب عندما كانوا يتصلون بالمسؤولين في الدولة التركية، كانوا يسألون عن أوضاع الانقلابيين أكثر مما يسألون عن حال البلد.
وذكر إردوغان أنه لو شهد أي بلد أوروبي عمليات إرهابية كالتي يقوم بها حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش، وما سماه بالكيان الموازي في تركيا، في إشارة إلى حركة الخدمة التي يتزعمها الداعية فتح الله غولن الذي يتهمه إردوغان بالوقوف وراء محاولة الانقلاب لفرضوا عقوبة الإعدام فورا وأعلنوا حالة الطوارئ دون انتظار.
وقال إردوغان إن قرار حالة الطوارئ اتخذ في العشرين من يوليو من قبل مجلس الوزراء وصادق عليه البرلمان في اليوم التالي ولم يتخذ أي قرار خارج القانون مؤكدا أنه لا يمكن أن تحكم الدول الأوروبية على تركيا وسياستها دون أن تزورها وتشاهد ما جرى بأعينها.
أما الاتحاد الأوروبي ومؤسساته فأوضحوا أنهم يتابعون عن كثب وبقلق فرض حالة الطوارئ في تركيا.
وأصدر كل من وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني والمفوض الأوروبي لشؤون توسيع العضوية يوهانس هان، بيانًا مشتركًا يدعوان فيه أنقرة لاحترام دولة القانون.
وقالت فيديريكا موغيريني، مسؤولة الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي: «ندعم المؤسسات بشكل كامل، المؤسسات الديمقراطية والشرعية. لكن لا توجد أعذار يمكن على أساسها تقويض الحريات الأساسية والحقوق. ما نراه في الجامعات ووسائل الإعلام أو القضاء غير مقبول».
ومن البداية أعلنت الحكومة التركية أنها ستحذو حذو فرنسا، بعد اعتداءات باريس، وستعلق العمل بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. إذ تجيز الاتفاقية للحكومات تعليق بعض الحقوق والحريات في «الظروف الاستثنائية» وذلك «مؤقتًا وبشكل محدود ومنضبط»، الأمر الذي سيمكن تركيا من تجنب اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان بينما تجري حملة تطهير واسعة في الجيش والقضاء والإعلام منذ الانقلاب. وقدمت أحزاب المعارضة في تركيا دعمها لفرض حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر، لكنها خلال هذه الفترة انتقدت، ولا سيما حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطية الموالي للأكراد، الإجراءات التي قامت بها الحكومة.
ثم اعترض حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا على تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر أخرى بتوصية من مجلس الأمن القومي، لكن الحكومة واصلت إجراءاتها وطرحت تمديد حالة الطوارئ على البرلمان وتم تمديدها بالفعل لثلاثة أشهر أخرى اعتبارا من 19 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري. ويقول الحزب إن الاعتقالات والإقالات التي وقعت في ظل حالة الطوارئ تسببت في ظلم أكثر من مليون مواطن وتشريد آلاف العائلات، حيث فتح الحزب مكتبا لتلقي شكاوى المتضررين من حالة الطوارئ والمراسيم الحكومية الصادرة خلالها، كما أقدمت الحكومة على خطوة مماثلة بعد أن أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان أن الاعتقالات والإقالات واتهام الناس بأنهم من أتباع غولن اختلط فيها الحابل بالنابل. وطعن حزب الشعب الجمهوري على مرسومين صدرا خلال حالة الطوارئ أمام المحكمة الدستورية العليا لكنها رفضت النظر في الطعن وعللت رفضها بعدم الاختصاص.
والمرسومان المعنيان بطلب الحزب المذكور، يحملان رقمي 668 و669. وصدرا على خلفية المحاولة الانقلابية وينص المرسوم الأول على إجراء بعض التعديلات في مؤسسات ودوائر الدولة.
ويقضي المرسوم الثاني بإنشاء جامعة الدفاع الوطني، وإجراء تعديلات على بعض المؤسسات، فضلا عن تعديلات في القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة، والمحاكم العسكرية، وخفر السواحل، ومؤسسات أخرى.
كما ينص المرسومان على إلحاق قيادات القوات المسلحة بوزارة الدفاع، والدرك بالداخلية، والمستشفيات العسكرية بالصحة، وفصل عناصر «منظمة فتح الله غولن» من مؤسسات الدولة.
ويقول الاتحاد الأوروبي، الذي ينتقد منذ ثلاث سنوات أوضاع حقوق الإنسان والحريات، ولا سيما حرية التعبير في تركيا إن استناد السلطات التركية على حالة فرنسا لتمديد حالة الطوارئ يشكل قياسا غير سليم.
وأكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن التحقيقات الجارية بخصوص محاولة الانقلاب الفاشلة تسير وفق مبادئ سيادة القانون، والالتزام ببنود اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية.
وأوضح أمام أعضاء الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي بمدينة ستراسبورغ الفرنسية الأربعاء الماضي أنّ تركيا اتخذت جميع التدابير اللازمة للحيلولة دون تكرار محاولات الانقلاب ضدّ حكوماتها الشرعية.
وقال: إن بلاده تسعى لتطهير جميع مؤسسات الدولة من عناصر «منظمة غولن» الإرهابية، الذين تغلغلوا فيها منذ سنوات طويلة، لافتا إلى أن حالة الطوارئ المعلنة في عموم البلاد عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة تحظى بدعم أكثر من 80 في المائة من الشعب التركي وأن الحكومة تستخدم الصلاحيات الدستورية الممنوحة لها بموجب حالة الطوارئ. وأكّد جاويش أوغلو أنّ بلاده كثّفت تعاونها مع المجلس الأوروبي عقب محاولة الانقلاب الفاشلة وقال: إن بلاده سترفع حالة الطوارئ في الوقت الذي يعود الوضع إلى طبيعته. ويقول منتقدو حالة الطوارئ في تركيا إن الرئيس رجب طيب إردوغان وحكومته يستخدمانها للتضييق على المعارضة واتخاذ قرارات ما كان يمكن للحكومة أن تتخذها في الظروف الطبيعية أو في ظل تفعيل البرلمان، لكن إردوغان يلمح في المقابل إلى أن حالة الطوارئ قد تستمر 12 شهرا على غرار ما فعلت فرنسا عقب الأحداث الإرهابية التي شهدتها.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.