لا يملك المتابع لوقائع ملتقى أثينا السنوي الرابع عن الديمقراطية، سوى أن يلحظ بوضوح المزاج المتشائم للباحثين والناشطين السياسيين والصحافيين والدبلوماسيين والمسؤولين الحكوميين الذين حضروا مداولات الملتقى. لقد اتفق الجميع تقريبًا على أن الديمقراطية كنظام حكم في خطر، وأن الليبراليّة من حيث احترام الحقوق المدنيّة للمواطنين، وحكم القانون وحماية الأقليّات قد تكون في وضع أصعب من أي وقت مضى.
بالطبع فإن لهذا التشاؤم أسبابه، من أزمة اللاجئين التي اجتاحت أوروبا وما نتج عنها من جدالات داخليّة في مجتمعاتها فتحت جروحًا ظنت أوروبا أنها لن تفتح من جديد، إلى الصراع الانتخابي في الولايات المتحدة المتسم بشعبوية حادة، وانتهاء بتراجع هامش حريّات الصحافة والتعبير ولجم السلطات القضائيّة في بولندا وتركيا وهنغاريا، كل ذلك ألقى بظلاله على نقاشات الملتقى الذي انتهت أعماله أخيرًا.
هذه الأزمات، وفق أحد المشاركين، ليست مسائل عابرة بقدر ما تشير إلى مصاعب بنيوية تواجهها الأنظمة الديمقراطيّة، تستدعي مساءلة شاملة للأساسيات التي بنيت عليها منظومات الحكم المعاصرة. لقد أيقظت أزمة اللاجئين مثلاً أشباحًا تهدد الآن بنية المجتمعات والتحالفات التي قامت في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولقد تمتد مفاعيلها إلى أبعد من التهديد بتفكيك الاتحاد الأوروبي، لا سيما بعد البريكست، وتصويت أغلبيّة بسيطة من البريطانيين على الخروج منه.
«لقد تحوّل ملتقى أثينا من مقام للاحتفال الواثق بالديمقراطيّة إلى مجال لطرح التساؤلات القلقة عن مستقبل الديمقراطيّة»، كما يقول روجر كوهين الصحافي بـ«نيويورك تايمز». واعتبر «المصاعب عميقة، لا يمكن تجاهلها، ولا تتوفر لها حلول جاهزة». وعلى الرغم من إصراره على أن فكرة الديمقراطيّة فكرة عنيدة، وستبقى كذلك على المدى الطويل، فإنه لم يخفِ اعترافه بصواب الانتقادات الموجهة للأنظمة الديمقراطيّة بأنها وفرت فرصًا أفضل للأقلية على قمة الهرم الاقتصادي على حساب الأغلبية التي شهدت تراجعًا مستمرًا في مستوى معيشتها، وخصوصًا منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 وما تلاها.
كانت مناقشات الملتقى هذا العام في أثينا (المدينة التي شهدت نشوء فكرة النظام الديمقراطي أيام الإغريق) قد شملت 4 محاور أساسية عن تقاطع الديمقراطيّة مع قضايا الهجرة والسلطة والرأسماليّة والدّين.
في محور قضايا الهجرة، بدت القيادات الأوروبيّة في الملتقى كأنها لا تزال عاجزة تمامًا على صياغة استجابة محددة للتعامل في مواجهة أزمة اللاجئين، وتركزت تعليقات المشاركين على ضرورة البحث عن حلول ما، توازن بين حاجة أوروبا للاستفادة من الدفق البشري الجديد على المدى البعيد في تجديد دماء طبقتها العاملة وتدعيم أنظمة التقاعد والرفاه الاجتماعي، وبين النقاشات المحليّة التي استدعت كل شياطين القوميّة والتطرّف وكراهيّة الآخر. وقد دعا وزير الخارجية اليوناني السابق سترافوس لامبيرينيديز في ذلك الوقت إلى «معالجة جذور مسببات هذه الأزمة»، فيما حذّر رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو مونتي من «أن طبيعة النقاش السياسي قصير النظر الذي جرى حول قضيّة اللاجئين يهدد إمكانية نشوء حوار متزن يمكن أن يساعد في بناء حلول لهذه المسألة الشائكة».
ولم تخفِ القيادات الأوروبية قلقها على المشروع الأوروبي برمته بسبب أزمة اللاجئين. وقال بعضهم إنها تهدد القيم الأساسية لأوروبا الحديثة، وإن ردود الأفعال المحليّة عليها كانت كما لو أنها ارتداد عن مفاعيل العولمة، وسياسة الأسواق المفتوحة وانغلاق على الذات.
في محور السلطة توافق المشاركون على أنه في فترات انحسار الديمقراطيّة فإن المرشحين الشعبويين (يغلب عليهم أنهم رجال) الذين يعدون بحلول سحريّة يحظون بدعم الناخبين على أساس الكاريزما الشخصيّة فحسب. وقد روى السفير الأميركي السابق لدى هنغاريا، إليني كونالاكيس، معايشته الشخصية لصعود اليمين الهنغاري للحكم في بودابست بعد أن شعر المواطنون حينها أن حكومة اليسار التي كانت قائمة وقت الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 لم تفعل شيئًا للتعامل مع الأوضاع الطارئة، وانتهت البلاد إلى منح اليمين أغلبية ساحقة في البرلمان دفع الشعب ثمنها لاحقًا على شكل تشريعات جديدة قيدت الصحافة والقضاء والجامعات ومنظومة الحكم المحلي والحقوق المدنيّة للمواطنين. كما تحدثت مذيعة «سي إن إن» المعروفة كريستيان أمانبور عن خبراتها في مقابلة الزعماء الذين يبدأون عادة ديمقراطيين ثم ينتهون حكامًا متسلطين، ولاحظت أن أول ما يفعله هؤلاء في هجومهم على الديمقراطيّة هو الشروع في تقييد حريّة الصحافة، وأنهم لن ينجحوا في تسلطهم دون صحافة موالية.
في محور الرأسماليّة، أبدى المشاركون قلقهم من عدم قدرة الحكومات على السيطرة على رأس المال، وغياب الحكمة عند إدارات الشركات المعولمة العابرة للقارات ومؤسسات الأعمال الكبرى. وزير المالية اليوناني السابق، يانس فاروفاكس، قال إن الديمقراطية تواجه ثلاثة تهديدات بسبب التصاعد المتزايد في قوة رأس المال: البنوك (التي تسببت بالأزمة الماليّة العالميّة من حيث المبدأ)، والصحافة الحديثة (التي شهدت تركزًا غير مسبوق في أيادٍ قليلة)، وصعود الاحتكارات (التي بطبعها تتحدى محاولات القوننة والسيطرة الحكوميّة). لكن الوزير السابق قال إن شركات الأعمال الكبرى كانت أكثر تقدميّة من الحكومات فيما يتعلق بسياسات التقشف القاسية، وهي غالبًا ما دعت إلى تجاوزها لاستعادة أجواء النمو.
أما في محور الأديان، فقد لاحظ مدير «مركز تفاهم الأديان» في نيويورك، كولي برير، أنه كلما التقى عدد أكبر من أتباع ديانات مختلفة حول أهداف مشتركة، كان ذلك أفضل للمجتمعات الديمقراطيّة. وتحدث أيضًا في هذا المحور خبراء عن فكرة توظيف الدين لخدمة أهداف سياسية، محللين تجربة روسيا في هذا المجال، وكيف تحولت وتتحول من دولة ديمقراطية إلى إمبراطورية صاعدة، وكيف أن الكنيسة الروسية في أزمة لأنها تواجه ضغوطًا متزايدة من الدولة لتتحول إلى «كنيسة الإمبراطوريّة».
وعن تهديد التيارات الدينية المتطرفة للمجتمعات الغربيّة، فإن المشاركين دعوا إلى ضرورة تعريف المجتمعات المحليّة المتدينة في أوروبا بأفكار الدولة المدنيّة وقيم النهضة الأوروبية، وعدم القبول بفكرة أن التقاليد الدينية لا يمكن أن تتكيّف للتعايش مع المجتمعات الجديدة.
وإجمالاً، فإن مداولات ملتقى أثينا هذا العام جاءت كصرخة تحذير من أن الديمقراطيّة (الغربيّة) في خطر، وأن النخبة الأوروبية متشائمة مما يحمله المستقبل القريب، لكنها لا تبدو قادرة بعد على صياغة استجابات سياسية وثقافيّة واقتصاديّة متزنة لمواجهة التحديات، وهو ما قد يعني بالضرورة انتعاش التوجهات الانعزالية والشعبويّة، وتصاعد التطرف الديني على المدى المتوسط.
ملتقى أثينا: الديمقراطية الغربية في خطر
بين قوة رأس المال والاحتكارات وصعود الأحزاب الشعبوية
من جلسات الملتقى
ملتقى أثينا: الديمقراطية الغربية في خطر
من جلسات الملتقى
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





