مهرجان ليون الفرنسي يحتفي بالماضي الذهبي للسينما

الدورة الرابعة احتفلت بكبار السينمائيين الراحلين

شون يونغ كما بدت في «بلايد رانر» - آل باتشينو وجين هاكمان في «فزاعة»
شون يونغ كما بدت في «بلايد رانر» - آل باتشينو وجين هاكمان في «فزاعة»
TT

مهرجان ليون الفرنسي يحتفي بالماضي الذهبي للسينما

شون يونغ كما بدت في «بلايد رانر» - آل باتشينو وجين هاكمان في «فزاعة»
شون يونغ كما بدت في «بلايد رانر» - آل باتشينو وجين هاكمان في «فزاعة»

الغرام الباريسي بسينما الأمس وشغف الفرنسيين بها لا مثيل له في أي مكان آخر من العالم.
في العام الأسبق، 2014، عُرض 126 فيلمًا كلاسيكيًا، من سنوات السينما الصامتة حتى منتصف الثمانينات، في الصالات الفرنسية. وفي العام الماضي، ارتفع عدد الأفلام القديمة التي عرضت على الشاشات الفرنسية الكبيرة في فرنسا إلى 140 فيلمًا. وهذا العام، يتنبأ مهرجان لوميير في دورته الرابعة بأن يرتفع العدد إلى أكثر من 150 فيلمًا.
صاحب «الفزاعة»
لا يستطيع مهرجان لوميير، الذي سيغلق دورته الرابعة مساء الثامن عشر من هذا الشهر بعد ستة أيام حافلة، استعادة الراحلين من كبار السينمائيين، لكنه بالتأكيد يستطيع الاحتفاء بهم عبر عرض أفلامهم، ومن خلال استضافة ممثلين ومنتجين ومخرجين ما زالوا على قيد الحياة، إلى جانب عدد من السينمائيين الجدد الذين لديهم ما يعبّرون عنه حيال سينما الأمس.
كمثال على ذلك، حضرت الممثلة والمخرجة الفرنسية نيكول غارسيا هذه الدورة التي أقيمت في مدينة ليون، لتقديم فيلمين: أحدهما Place Vendôme، من إنتاج عام 1998، وبطولة كاثرين دينوف في شخصية امرأة تعيش ظرفًا غامضًا، وهو الدور الذي منحها جائزة أفضل ممثلة في دورة ذلك العام في مهرجان فينيسيا. والفيلم الثاني هو تمهيد للعرض التجاري المزمع لفيلم غارسيا الجديد «من أرض القمر».
جيري تشاتزبيرغ هو أحد الكبار في سينما السبعينات، منذ أن قدّم سنة 1970 فيلمه الأول «لغز طفلة ساقطة»، مع فاي داناواي وروي شايدر. وبعده بعام واحد، عاد تشاتزبيرغ بفيلم أقوى أثرًا عنوانه «الذعر في نيدل بارك»، أحد تلك الدراميات الداكنة التي منحت الممثل آل باتشينو ضوءًا ساطعًا، قبل أن يدلف لبطولة «العرّاب».
فيلم جيري تشاتزبيرغ (الذي يبلغ الآن التاسعة والثمانين من العمر) الثالث كان أيضًا عملاً من تلك الأفلام القوية، مضمونًا وأسلوبًا، وهو «فزاعة» مع آل باتشينو وجين هاكمان. ولحساب المنتج التونسي طارق بن عمّار، عاد تشاتزبيرغ إلى الواجهة سنة 1984 بفيلم «سوء فهم»؛ ليس أفضل أعماله، لكنه، كدراما عاطفية، أفضل اليوم من نصف ما ينتج حاليًا من أفلام من نوعه. هذا العام، عاد تشاتزبيرغ إلى المهرجان مرّة ثانية. الأولى كانت في دورة المهرجان الأولى سنة 2012، وقدّم فيها «فزاعة». هذه المرّة، سيقدم فيلمه الجيد الآخر: «الذعر في نيدل بارك».
تجديد القديم
عندما قررت مدينة ليون إقامة مهرجان سينمائي مطلع هذا العقد، بحثت عن مهرجان يكون فريدًا بالفعل بين المهرجانات السينمائية وما أكثرها (نحو 4 آلاف في آخر تعداد، بينها نحو 30 في الصفوف الثلاثة الأولى). ووجدت ضالتها في فكرة تأسيس مهرجان يعني بسينما الأمس، لكن ليس فقط من باب اكتشاف أفلام صامتة (هناك مهرجانات أخرى لهذه الغاية)، بل من باب الاحتفاء بالعصر الذهبي المتأخر لهوليوود والسينما العالمية، عصر الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
وإن بدا الاختيار نوستالجيًا في كل الأحوال، فإنه استند إلى الأرقام الواردة أعلاه التي تشي بحب الفرنسيين الكبير للأفلام التي خرجت في تلك الحقبة. ففي العام الماضي، على سبيل المثال، عُرض فيلم ريدلي سكوت «بلايد رانر»، وهو من إنتاج سنة 1982، مع هاريسون فورد وروتغر هاور، والمتواريتان شون يونغ وداريل هانا، فباع 26 ألف تذكرة (سعر التذكرة الباريسية نحو 15 دولارًا)، كذلك باع فيلم ويليام فرايدكن المرعب «مشعوذ» (Sorcerer) الذي قاد بطولته سنة 1972 روي شايدر، والتونسي الأصل أميدو، والفرنسي برونو كريمر، 17 ألف تذكرة.
يليهما في المركز الثالث بين أعلى الأفلام المستعادة نجاحًا «الرجل الثالث» لكارول ريد مع جوزف كوتون وأورسون ولز، وهو من أفلام الأبيض والأسود البوليسية - الجاسوسية الأكثر نجاحًا. وقد باع هذا الفيلم 15 ألف تذكرة.
والمسألة، كما يشرحها المهرجان بلسان مسؤوليه، ليست مجرد طلب فيلم من شركة التوزيع، أو من أصحاب الحقوق، والحصول عليه وبرمجته في بضع صالات، بل كتابة ملخصات جديدة، وطبع ملصق مختلف جدًا عن الأصل يغري مشاهدي اليوم، والأهم ترميم الفيلم القديم عبر تصحيح ألوانه، أو إزالة بعض التلف الذي علق بالنيغاتيف، مع عمليات تحويله التقنية من بكرة كبيرة (كما كانت العادة آنذاك) إلى أسطوانات عرض حديثة.
ليس كل هذا فقط، بل بات في وسع شركات التوزيع المنهمكة في توسيع رقعة التسويق لهذه الجواهر الكبيرة توفير حملة دعائية مستفيدة من استعداد النقاد الفرنسيين للكتابة عن تلك الأعمال التي نشأ معظمهم عليها.
الفيلم كما قُصد أن يكون
في غمار ذلك، تساءل أحد الحضور، في مؤتمر صحافي عقد قبل أيام، عما يضمن أن المشاهدين سيفضلون عرض الفيلم على شاشاتهم المنزلية التي توفر لهم قدرًا مماثلاً من الأفلام القديمة، بل أكثر.
الجواب كان أن المسألة هي مسألة رغبة حجم كبير من المشاهدين في رؤية تلك الأعمال على الشاشات الكبيرة التي تم إنتاجها خصيصًا لها، وكيف أن الفارق بين أن تشاهد «ألامو» لجون واين أو «الساموراي» لجان - بيير ملفيل على الشاشة الكبيرة، وأن تشاهده على الشاشة الصغيرة بين فقرات الإعلان، كبير وكاف لأن يدفع هذا الجمهور لمشاهدته في صالات السينما.
هذا الناقد يستطيع أن يضيف مسألة مهمّة أخرى ماثلة، وهي أن تلك السينما تنتمي، بمكوناتها وعناصرها المختلفة، إلى زمن لم يعد متوفرًا. فبعض الأفلام اليوم ما زالت تصر على الالتحاق بذلك النمط (مثل «المنبعث» لأليخاندرو إيناريتو)، لكنها قليلة وتتعرض لضغوط إنتاجية جمّة بسبب رغبة الاستوديوهات الكبيرة في اعتماد المنوال الحديث من وسائل الصنعة السينمائية، كتابة وإخراجًا وتنفيذًا إلكترونيًا.
وبمثول هذه السينما الحديثة، يدرك كثيرون - في الغرب خصوصًا - أن وسيلتهم الوحيدة لتقدير الفن السابع كما قُصد بهذا الفن أن يكون هو العودة لمشاهدته، وفي صالات السينما تحديدًا. هذا إلى جانب جمهور شاب يعرف عن تلك الأفلام، كونه سمع بها أو قرأ عنها، مما يجعله يعتبر عروضها الجديدة مناسبة أقرب إلى الحدث بحد ذاته من أي شيء آخر.
هذا الوضع بين حب الاستعادة وحب الاكتشاف فرض إقامة سوق في مهرجان «ليون» امتد لثلاثة أيام، مدعومًا برغبة شراء الموزعين لحقوق العروض المدمّجة (DVD)، أو تجديدها. لكن الأنظار بقيت مسلطة على ما زخر به المهرجان من عروض، خصوصًا أنها جاءت مصحوبة بحضور سينمائييها وأولئك الذين يشدون من أزرها، مثل المخرج الأميركي كونتِن تارانتينو الذي أعلن قبل يومين أن فيلمه المقبل سيكون بإيحاء سينما السبعينات، ولو أن هذا الإعلان ليس مفاجأة، إذ إن جميع أفلامه تنتمي، روحًا وشكلاً، إلى تلك الفترة.
أيضًا من بين الحضور الذين أشاعوا البهجة المخرج الفرنسي برتراند تافرنييه الذي عرض عنه فيلم بعنوان «رحلتي عبر السينما الفرنسية» الذي يتابع أعماله من الثلاثينات حتى السبعينات. وخلال وجوده، قدّم المخرج المعروف (75 سنة) فيلمًا منسيًا لمخرج منسي.
الفيلم هو «خائف من الكلام» Afraid to Talk الذي قام المهني إدوارد كوهن بتحقيقه سنة 1932: فيلم انتقادي نيّر، يدور حول صبي يشهد سياسيين يقبضون رشى، فيصبح مهددًا بالفتل. كوهن لم يبلغ شأنًا كبيرًا في حياته المهنية التي امتدت ما بين 1922 و1962، لكن عددًا من أفلامه تركت بصمة واضحة المعالم كأحد أهم مخرجي سينما الويسترن والسينما البوليسية. ومثل سواه، بدأ من القعر (عامل ديكور)، ثم ارتقى إلى مونتير، ثم إلى مخرج مساعد، قبل أن يصبح مخرجًا لأول مرّة سنة 1931.
هذا النوع من الاكتشافات ليس الوحيد. هناك اليوم مخرجون، ينتمون إلى السنوات الأربعين الماضية، يميل الزمن، مدعومًا بظروف الإنتاج، إلى نسيانهم. أحد هؤلاء وولتر هِل الذي حضر الدورة الرابعة من المهرجان، وأشرف على «ماستر كورس» تحدث فيه عن تجربته وعن أفلامه التي شملت أعمالاً رائعة، من بينها «سائق» (1978) و«48 ساعة» (1982) و«ضيافة جنوبية» (1981)، وصولاً إلى «جيرونيمو: أسطورة أميركية» (1993)، وحفنة قليلة فيما بعد.
بعض أهم ما قاله هذا المخرج في ساعة ونصف من النقاش هو اعترافه بأن سينماه تحمل تأثرًا بأفلام المخرج الياباني الفذ أكيرا كوروساوا. قال: «عندما بدأت الإخراج، قيل إن أفلامي متأثرة بأفلام سام بكنباه. وعندما بدأ سام بكنباه الإخراج، قيل إن أفلامه متأثرة بكيروساوا، وستجد أن أفلام أكيرا كيروساوا تحمل ملامح من أفلام جون فورد، التي تحمل بدورها تأثرا واضحًا بأفلام د. و. غريفيث».
يبقى أنه عندما قام المحاور بتقديم وولتر هِل لجمهوره الفرنسي قائلا: «… وهو مخرج متواضع»، سارع المخرج بنفي ذلك عن نفسه، قائلاً: «لا يوجد مخرج متواضع؛ نحن آلات من الشعور بالذاتية والطموح متخفية بأشكال شتّى».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».