مات دامون لـ«الشرق الأوسط»: لم أتخيل يوماً أن أصبح بطلاً لأفلام {الأكشن}

بطل سلسلة جاسون بورن يتساءل عن مصير الأميركيين في عصر «الميديا» والتجسس

لقطة له من فيلم «جاسون بورن» - مات دامون
لقطة له من فيلم «جاسون بورن» - مات دامون
TT

مات دامون لـ«الشرق الأوسط»: لم أتخيل يوماً أن أصبح بطلاً لأفلام {الأكشن}

لقطة له من فيلم «جاسون بورن» - مات دامون
لقطة له من فيلم «جاسون بورن» - مات دامون

السؤال الذي طرحه فيلم أوليفر ستون الأخير، حول ما إذا كان إدوارد سنودن بطلاً قوميًا أو خائنًا لثقة بلاده، كان له صدى خافت في سوق الفيلم كما بتنا نعلم جميعًا عندما أخفق «سنودن» بجذب جمهور كاف حين انطلق للعروض في الشهر الماضي.
بالمقارنة، رأينا كيف أنجز «جاسون بورن» نحو 400 مليون دولار حول العالم متحدّثًا عن بطل خيالي يقاوم جهاز المخابرات الأميركية المتورطة في محاولة شراء الميديا الاجتماعية لاستخدامها في توضيب معلوماتها وملفاتها عن المستخدمين.
هل كان على مخرج «سنودن»، أوليفر ستون، أن يعمد إلى صنع بطل يتميّز بالمهارة القتالية وبالقوّة البدنية ويحيك له المغامرات على غرار شخصية جاسون بورن لكي يضمن النجاح؟ أو كان على المخرج بول غرينغراس أن يقدم فيلمًا دراسيًا حول الموضوع لكي يضمن الثقل الموضوعي والجدية؟
بصرف النظر عن الجواب، فإن كلا الفيلمين يتحدّثان عن موضوع واحد. موضوع يراه الممثل مات دامون، الذي لعب بطولة أربعة من الأفلام الخمسة التي تشكل سلسلة جاسون بورن، بالغ الأهمية:
«أنا دائمًا أصطف إلى جانب الخصوصية لأن أجهزة المخابرات دائمًا ما ستطلب معلومات أكثر. هذه هي وظيفتها، ووظيفتها تصبح أسهل عندما تكون لديها معلومات أكثر. بعد ما كشفه إدوارد سنودن وجدنا أنفسنا نطرح أسئلة حول من يملك حق معلوماتنا الشخصية وما سيحدث للديمقراطية في بلادنا».
تدريب كثيف
الموضوع ساخن لكن مات دامون يتحدث فيه بهدوء. لقد درس الوضع منذ أن كان في الكلية خلال الحرب الباردة بين الشرق والغرب وكان لديه أستاذ وضع الأمور على نحو واضح أمامه مما ساعده على تكوين رأي في هذه المسألة:
«أخذت درسًا في العمل الاستخباراتي، وكان من بين قاله لنا الأستاذ وكان بالفعل ملمًا بما يحدث إن المسألة هي نوعية الدولتين أميركا والاتحاد السوفياتي. دولة ديمقراطية وأخرى تقوم على مبدأ أن الحكومة من حقها أن تعرف كل شيء عن كل واحد. هكذا كانت روسيا حيث كان يعمل لجهاز الـKGB نحو عشرين مليون موظف. أي واحد كان يستطيع الاتصال بذلك الجهاز ويشي بأي شخص آخر. لم تكن تلك هي الدولة التي سأتمنى العيش فيها. الآن نجد أن الأجهزة الحكومية هنا تعمل على جمع المعلومات عن الشركات والأفراد. هذا دورها، لكن هذا الدور وكل ما يحدث في العالم تبعًا لعصر المعلومات الذي نعيشه يجعلنا نتساءل أي نوع من الديمقراطية نعيش اليوم».
كل ما يحدث في فيلم «جاسون بورن» خيالي لكنه كان أكثر خيالاً في الأجزاء السابقة عندما كانت المسألة هي أن عميلاً سابقًا لـ«سي آي إيه» فقد ذاكرته القريبة يجد نفسه مطاردًا من قبل جهاز من أجهزة وكالة المخابرات الأميركية بهدف قتله. يكتشف أيضًا أنه ما زال يتمتع بقدرة قتالية ناتجة عن تدريب كثيف، وأنه يحمل عدة جوازات سفر ويجيد استخدام السلاح.
في حديثي معه يوافق على أن الأجزاء السابقة من هذا المسلسل كانت خيالية تمامًا:
«كانت خيالية كما حال أي فيلم جاسوسي من بطولة فرد يعمل لصالح المخابرات الغربية. كان الوجه الآخر من شخصية جيمس بوند. جاسون بورن كان عن رجل تلاحقه المخابرات لقتله وبوند كان عن رجل يتمتع بغطاء المخابرات التي تعهد إليه بالمهام».
لكن هذا الجزء الأخير، الذي ما زال معروضًا في عواصم عربية وعالمية بعد شهرين من إطلاقه، يختلف في أنه يجمع بين الخيال في المواقف التشويقية وأحداث الحبكة التي تقع مع بطله وقد استعاد جزءًا من ذاكرته، وبين تلك المرجعية الواقعية حول غياب الخصوصيات ومحاولة الحكومات وضع يدها على ما تملكه مؤسسات الميديا الاجتماعية من معلومات (وهو ما بات معتمدًا كما نعرف جميعًا).
شخصية وحيدة
هذه الذاكرة المكتشفة تضع شخصية جاسون بورن أمام أزمة الهوية أو كما يقول الممثل دامون: «في السابق كان يحاول أن يبقى حيّا فقط. ليس أنه لم يكن يفكر في وضعه ويحاول تذكر ماضيه وشخصيته، لكنه كان بغياب ذاكرته منصرفًا إلى وجهة واحدة هي البقاء حيًا. الفيلم الأخير افترض أنه استعاد بعض تلك الذاكرة. وجد أن والده كان أيضًا عميلاً لوكالة المخابرات وأنه قُتل في بيروت خلال إحدى عملياته. هذا يؤرقه أكثر الآن لأنه يقف على مشارف ذاكرته التي قد تكشف له أمورًا أخرى يجهلها وقد تخيفه».
* في كل هذه الأفلام التي شكلت سلسلة «جاسون بورن» من عام 2002 وحتى اليوم نجد أن الحوار مبتسر غالب الأحيان. حواراتك أنت أقصد. كيف تم الوصول إلى هذا القرار؟
- هناك حوار أقل في هذا الفيلم من أي فيلم سابق في السلسلة. ما حدث هو أن جاسون بورن بعدما فقد زوجته في الفيلم الأول لم يعد لديه أي شخص يتحدث إليه. في الأساس هو أشبه بمن لا هوية له على الإطلاق. لا حضور. إنه مصدوم لخسارته زوجته، ووحيد لا يستطيع التواصل مع الآخرين لأنه لا يعرف من هو ما يجعله، تلقائيًا، ميّالاً للصمت. شخص وحيد ليس لديه ما يقوله لأحد».
* هذا ما يجعل مهمتك كممثل أصعب؟
- إذا كنت تقصد من الناحية التعبيرية نعم. لكن المهمة صعبة أيضًا على المخرج الذي عليه أن يستعيض عن تغييب الحوار بالحركة ودمج أفعال جاسون في منهج الحركة الدائمة لكي تعوض عن صمته.
الحركة في هذه السلسلة ضرورية لأكثر من غاية. إذا ما كانت هي استعاضة لغياب الحوار فهي أيضًا إثارة لرواد سينما التشويق. والمخرج بول غرينغراس من أمهر العازفين على هذا المنوال. ليس هناك أي فيلم من الأفلام التي أخرجها في هذه السلسلة ينقصه الإيقاع المتوتر الناتج عن الحركة الدائمة. لكن السؤال هو كم من هذه الحركات والأداءات من تنفيذ مات دامون وكم منها من تنفيذ منفذي المهام الصعبة (أو «الدوبليرات» باللغة السائدة هنا) الذين من مهامهم أداء المشاهد الصعبة عوض أبطال الفيلم. يجيب دامون على ذلك: «الأمر بين يدي المشرف على عمل هؤلاء المنفذين وهو غاري باول. إنه الأفضل في عمله. يدرس كل مشهد ومتطلباته وهو يقرر إذا ما كنت أستطيع القيام به بأمان أو أن الأمر يتطلب منفذ مخاطر. ومن هو. في هذا الفيلم الأخير كان لدينا شخص محترف لتسلق جدران المباني واستعنا بشخص روسي اسمه مارتن كان المنفذ عني في الأفلام الثلاث الأخيرة في مشاهد قيادة السيارات. كان لدينا بطل في سباق الدراجات النارية للمشاهد التي تم استخدام الدراجات فيها. ما يحدث هو أنني أقوم بتمثيل بعض هذه المشاهد ثم يقوم المنفّذون بتنفيذ معظمها ثم يتم تزويج المشاهد بعضها بعضًا».
إلى جانب أن «جاسون بورن» يعرض لما يحدث بالنسبة لمحاولة بعض الأجهزة التجسس في عصر التكنولوجيا والمعلومات وما قام به سنودن، يبدأ الفيلم بأحداث تمر على خلفية مظاهرات اليونانيين قبل عامين عندما احتجوا على وضع اليونان الاقتصادي.
* ما كانت وجهة نظر المخرج في ذلك؟
- كانت فكرة ذكية. حين صوّرنا الفيلم كانت أحداث اليونان ما زالت طازجة والفكرة كانت في أن نربط الفيلم بالواقع وبالأحداث الآنية قدر الإمكان. كان التصوير في اليونان أول ما صوّرناه في الفيلم وجئنا بمئات الأفراد ليمثلوا المتظاهرين.
* شيء مثير للغرابة أن ترى فيلمًا يجنح إلى الخيال وعلى الخلفية مشاهد مستمدة من الواقع.
- صحيح. لكن هذا ما يضمن لفيلمنا التعامل مع الآني ويقرب الخيال إلى الحدث الواقعي أو المحتمل.
بطل أفلام «أكشن»
* من هم ممثلو أفلام الأكشن الذين استهووك عندما كنت شابًا؟
- ترعرعت في صباي على مشاهد مل غيبسون في سلسلة «سلاح مميت» (Lethal Weapon) وعلى هاريسون فورد في سلسلة «إنديانا جونز». كان لمشاهدتي هذه الأفلام أثرًا كبيرًا عليّ، لكن يجب أن أقول إن تنفيذ مشاهد الأكشن اليوم يختلف عما كان عليه بالأمس من نواحي التنفيذ والأجهزة التي بين يدينا اليوم.
* هل تخيلت نفسك يومًا بطل أفلام أكشن؟
- لا أستطيع أن أنفي أنني فعلت لكن عندما بدأت التمثيل كانت وجهتي أصبحت مختلفة تمامًا. مع «صانع المطر» لفرنسيس كوبولا و«حقول الأحلام» أمام كڤن كوستنر وبالطبع «غود ول هنتينغ» كانت الأدوار الدرامية والنجاح فيها هو ما يستهويني. لاحقًا معظم ما مثلته كان من هذه الفئة.
* لعبت شخصية جاسوس في «مستر ريبلي الموهوب»، لكنه كان دورًا مختلفًا.
- لم يكن فيلمًا جاسوسيًا في الحقيقة. هذا واحد من تلك الأفلام التي عادت إلي بفكرة أن أحاول توسيع أداءاتي بحيث تشمل أفلام مخاطرات أو ألغازًا بوليسية. لكن وكما تعلم لا يستطيع الممثل أن يختار أفلامه من صنف معين طوال الوقت.
يعترف مات دامون بأنه في العامين الأخيرين زاد نشاطه وهذا واضح من كونه ظهر في فيلمين ناجحين هما «المريخي» و«جاسون بورن» كما أنهى تصوير فيلمين أحدهما كممثل وعنوانه «الحائط العظيم» والثاني كمنتج وهو «مانشستر على البحر»:
«حشدت الكثير من الأفلام بدءًا بفيلم «المريخي» لريدلي سكوت ثم توجهت إلى الصين لتمثيل «الحائط العظيم» لزانيغ ييمو ومثلت هذا الفيلم بالطبع ولدي فيلم مع ألكسندر باين ثم فيلم مع جورج كلوني. هذا كثير لكني لا أشكو. أعتقد أنه عندما تأخذ على عاتقك الكثير من العمل تفعل ذلك لأنك تعتقد أنك تستطيع أن تقوم بذلك».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».