كولومبيا تسابق الزمن لإنقاذ السلام

حالة من الغموض تسود البلاد ولا مخرج للسلام وسط تعنت المستفيدين من المشهد الحالي

متظاهر كولومبي غاضب بعد معرفته بنتائج الاستفتاء على السلام مع حركة {فارك} في العاصمة بوغوتا (أ.ف.ب)
متظاهر كولومبي غاضب بعد معرفته بنتائج الاستفتاء على السلام مع حركة {فارك} في العاصمة بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

كولومبيا تسابق الزمن لإنقاذ السلام

متظاهر كولومبي غاضب بعد معرفته بنتائج الاستفتاء على السلام مع حركة {فارك} في العاصمة بوغوتا (أ.ف.ب)
متظاهر كولومبي غاضب بعد معرفته بنتائج الاستفتاء على السلام مع حركة {فارك} في العاصمة بوغوتا (أ.ف.ب)

رغم حصول الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، على جائزة نوبل للسلام لمحاولاته الكبيرة لإنهاء الصراع المستمر هناك منذ أكثر من نصف قرن، فإن المشهد في كولومبيا عشية الجائزة وبعدها، تسوده حالة من الغموض بعد رفض الكولومبيين اتفاق السلام المبرم بين الحكومة والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (متمردي فارك) إثر أربع سنوات من المفاوضات في كوبا. وفي حين تتسارع فيه فرص انهيار اتفاق السلام، جاءت تصريحات الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لتصب الزيت على النار، بإعلانه نشر قوات للجيش الفنزويلي على الحدود مع الجارة كولومبيا، ما يشير إلى احتمال اندلاع الحرب من جديد. وفي هذه الأثناء توجه الموفد الأميركي الخاص برنارد أرونسون إلى العاصمة الكوبية هافانا في محاولة لإنقاذ اتفاق السلام. وقال المتحدث باسم الخارجية جون كيربي بأن «وزير الخارجية أكد دعمه لدعوة الرئيس سانتوس إلى الوحدة وإلى بذل جهود في إطار حوار جامع يشكل مرحلة مقبلة للتوصل إلى سلام عادل ودائم بين أطراف الصراع».
كان محددا يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، موعدا أخيرا لوقف إطلاق النار بموجب الاتفاق الذي رفضه الكولومبيون في استفتاء الأحد الماضي.. وكان من المتوقع أن يبدأ متمردو فارك بالتجمع، بعد ساعات من الموافقة على الاستفتاء، في 23 منطقة متفقا عليها في البلاد لبدء عملية تسليم الأسلحة أمام ممثلي الأمم المتحدة، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان برفض الكولومبيين اتفاق السلام الذي أبرم يوم 26 سبتمبر (أيلول) الماضي.
الآن المخاوف تصاعدت من عودة العنف والألم الذي أحدثه صراع دام 52 عامًا. مع ذلك أكد كل من الرئيس الكولومبي سانتوس وخصمه رودريغو لوندونو، قائد حركة فارك، الالتزام بوقف إطلاق النار. وبحثًا عن توافق يتيح للكولومبيين دعم الاتفاق بشكل كامل. شكّل الرئيس خوان مانويل سانتوس فريق عمل يكون مسؤولا عن العمل مع قطاعات أيدت خيار الرفض في الاستفتاء. ويتكون الفريق من وزراء الدفاع لويس كارلوس فيليغاس، والخارجية ماريا أنجيلا هولغوين، إضافة إلى أومبيرتو دي لا كالي، رئيس الفريق المفاوض التابع للحكومة. وتقدم دي لا كالي باستقالته بعد 16 ساعة من رفض الشعب للاتفاق، متحملا المسؤولية السياسية عن نتيجة الاستفتاء الفاشلة، لكن الرئيس لم يقبل الاستقالة.
ومن المقرر أن يلتقي الثلاثة بمبعوثي زعيم المعارضة، وحملة الرفض، والرئيس السابق ألبارو أوريبي. مع ذلك ليس معروفا متى وأين سيحدث تقارب بين الأطراف. كذلك من غير المعروف ما إذا كانت حركة فارك سوف تقبل التفاوض مجددًا كما طلبت المعارضة. المتحدث باسم الحركة، قال: إن الاتفاق ذو طابع سياسي أكثر مما يكون ذا طابع قانوني، لذا سيكون ساريًا حتى إذا تم رفضه على نطاق واسع. وقالت المستشارة ماريا أنجيلا إن القرار بإعادة التفاوض مرهون بالقوات المسلحة الثورية الكولومبية.
على الجانب الآخر، بدأ الرئيس السابق ألفارو أوريبي، الذي يقود حملة رفض الاستفتاء، في التصريح بطلباته. قال: إن العفو يجب أن يشمل فقط الذين لم يشتركوا في عمليات قتل أو اتجار للمخدرات. (الاتفاق كان قد طالب بعفو شامل). وقال: «العفو يجب أن يشمل فقط 5 آلاف و700 فرد من أفراد الجماعة المتمردة»، في إشارة إلى الجنود من ذوي الرتب المتدنية في القوات المسلحة الثورية. كذلك طالب بإشراك قطاعات أخرى من المعارضة في الاتفاقيات مع متمردي فارك التي لا تنتمي إلى حزبه «الوسط الديمقراطي» الذي يقوده الرئيس السابق أندريس باسترانا، الذي عقد محادثات سلام لمدة أربع سنوات مع أفراد جماعة فارك، وممثل الادعاء العام السابق أليخاندرو أوردونيز، الذي يعرف بتصريحاته المثيرة للجدل وأفعاله المتأثرة بالكاثوليكية إلى حد كبير.
هذه هي الاقتراحات الأولية التي تقدمت بها المعارضة، مؤكدة ضرورة النظر فيها خلال المرحلة الجديدة. وليس من المعروف متى تنطلق هذه المرحلة وما الذي سيتغير، وإلى أي مدى ستسمح الأطراف المتفاوضة للمعارضة بالمشاركة في التفاوض ومحادثات السلام مع فارك. مع ذلك خلال محاولات الحشد السابقة لتأييد الاتفاق تم التصريح بأنه يجب إلزام قادة فارك، الذين أدينوا بجرائم ضد الإنسانية، بتسليم أنفسهم ودخول السجن، مع منعهم من ممارسة الحياة السياسية، وشغل أي منصب بالانتخاب.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه البلاد من قادتها السياسيين أن يكونوا على قدر ما يتطلبه الوضع الخطير الراهن، خرجت أعداد من الشعب، خاصة من الشباب من جامعات مختلفة في البلاد، إلى الشوارع في مظاهرات مطالبة باحترام ما تم الاتفاق عليه في كوبا. كذلك طلبوا من الحكومة الجديدة عدم قيادة البلاد في طريق يؤدي إلى المزيد من العنف.
@ إخفاقات استطلاع الرأي
كان نجاح حملة الرفض مفاجئًا لجهات استطلاع الرأي في البلاد التي توقعت أن تكون نتيجة الاستفتاء هي نعم وبأغلبية ساحقة، توقع آخر استطلاع للرأي، كان قد نُشر قبل أيام من الاستفتاء، أن تكون نتيجة الاستفتاء نعم بنسبة 66 في المائة في مقابل لا بنسبة 34 في المائة. وكانت هناك الكثير من التعليقات على امتناع نسبة كبيرة من المواطنين عن التصويت في الانتخابات. ووصف الخبراء هذه النسبة بالتاريخية. طبقًا لآخر إحصاءات، امتنع 62 في المائة من المواطنين عن التصويت؛ وهو ما يعني أنه من بين 35 مليون كولومبي ممن لهم حق التصويت، اختار أكثر من 13 مليون شخص الامتناع عن التصويت.
وكان لنتيجة الاستفتاء أثر اقتصادي أيضًا؛ فقد انخفض سعر صرف البيزو الكولومبي في مقابل الدولار الأميركي، ويخشى أصحاب المشروعات من حدوث أزمة تؤثر على الاستهلاك المحلي والاستثمار الأجنبي، اللذين كانا من المتوقع ارتفاعهما بشكل غير مسبوق مع توقيع اتفاق السلام. ويأتي كل ذلك في وقت لم يحدد فيه القادة السياسيون الخطوة التالية للبلاد التي تحول أملها إلى شعور بعدم اليقين.

جهود دبلوماسية
ولإنقاذ الموقف أجرى وزير الخارجية الأميركي جون كيري اتصالا هاتفيا بالرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس مكررا له دعم الولايات المتحدة لعملية السلام التي بدأت قبل أربعة أعوام. وأبلغ كيري الرئيس الكولومبي أن أرونسون في طريقه إلى كوبا، حيث سيلتقي المفاوضون الكولومبيون نظراءهم في القوات المسلحة الثورية في كولومبيا «فارك». وقال المتحدث باسم الخارجية جون كيربي بأن «وزير الخارجية أكد دعمه لدعوة الرئيس سانتوس إلى الوحدة وإلى بذل جهود في إطار حوار جامع يشكل مرحلة مقبلة للتوصل إلى سلام عادل ودائم بين أطراف الصراع، وجاءت زيارة المبعوث الأميركي كرد فعل للتصويت على الاستفتاء والتي كانت صادمة وغير متوقعة وتسببت هذه النتيجة المفاجئة للاستفتاء بوقف عملية السلام.
لكن كيربي كرر موقف واشنطن التي تدعم العملية وتنظر بعين الرضى إلى تصريحات السيناتور البارو أوريبي (الرئيس الأسبق لكولومبيا وقائد حملة لا) وزعيم فارك رودريغو لوندونو الذي كرر التزامه بالسلام والانفتاح على الحوار. في هذه الأثناء عاد كبير مفاوضي الحكومة الكولومبية أومبرتو دو لا كال إلى كوبا لاستطلاع مدى استعداد المتمردين لإعادة النظر في الاتفاق الذي وقع سابقا.
من ناحية أخرى قال مساعدون في الكونغرس بأن رفض كولومبيا اتفاق السلام لن ينهي خططا أميركية لإرسال مساعدات العام المقبل على الرغم من أنه قد يدفع المشرعين إلى تخفيض المساعدات المتوقعة التي تبلغ 450 مليون دولار. وفي حين أن خطط الإنفاق للسنة المالية 2017 لن تكون نهائية حتى نهاية هذا العام كان من المتوقع أن يوافق مجلس الشيوخ ومجلس النواب على 400 مليون دولار كمساعدة تنموية ونحو 50 مليون دولار للمساعدة في مكافحة المخدرات في كولومبيا للسنة التي تنتهي في 30 سبتمبر 2017.
وكان ينظر إلى هذه الأموال على أنها دعم لعملية السلام الكولومبية وتعزيز للبلاد التي ينظر إليها الديمقراطيون والجمهوريون على السواء كحليف رئيسي للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. وقال المساعدون بأن الدعم الأميركي من المتوقع أن يظل قويا لكولومبيا على الرغم من أن الكونغرس قد يخفض المساعدات إذا تعثرت جهود أحياء عملية السلام.

توتر إقليمي من جديد
ليس مستغربا رد الفعل الفنزويلي وهي البلد التي دائما كانت طرفا من أطراف النزاع المسلح الكولومبي، فقد قال الرئيس الفنزويلي بأن أوامر تحريك الجيش على الحدود مع كولومبيا هو إجراء احترازي وذلك للسيطرة على الوضع في حال اندلعت المواجهات من جديد بين الجيش الكولومبي والمتمردين وطالب مادورو نظيره الكولومبي بوقف إطلاق النار بشكل دائم دون تحديد إطار زمني. وقال مادورو في مناسبة عسكرية أقيمت في البلاد بأنه أمر الجنرال فلاديمير بادرينو لوبيز قائد العمليات الاستراتيجية بتأمين الحدود وذلك لأن رفض الشعب الكولومبي لاستفتاء السلام يعني سماع طلقات الرصاص من جديد وهو ما يدفع فنزويلا لتأمين حدودها وأمنها في حال اندلع الصراع من جديد.
ولعبت فنزويلا دورا هاما في محادثات هافانا وذلك لصلاتها القريبة مع الحركات اليسارية المتمردة وذلك لأن غالبية زعماء القيادات اليسارية الكولومبية دائما ما كانت تجد لها في فنزويلا موطئ قدم. وحسب محللين سياسيين لعبت فنزيلا دورا هاما في احتضان القيادات البارزة بل ودعمت اليسار في كولومبيا بشكل واسع، إلا أن التغيرات الإقليمية الجديدة وصعود اليمين في العالم وأميركا الجنوبية وانحسار اليسار بالإضافة لانهيار أسعار النفط والذي كانت تستخدمه فنزويلا لدعم حلفائها أثر بشكل كبير على الدعم الفنزويلي.

حملة رفض للمحادثات مع المتمردين
على مدار أكثر من أربع ساعات، التقى سانتوس بشكل منفرد مع الرئيسين السابقين أندريس باسترانا وألبارو أوريبي لبحث اعتراضهما على اتفاق السلام الذي وقعه سانتوس مع زعيم جماعة القوات المسلحة الثورية «فارك» رودريغو لوندونو في 26 سبتمبر.
ويرغب معارضو الاتفاق في إعادة التفاوض بشأن بنوده، معتبرين أنه يقدم تنازلات كبيرة للمتمردين. إلا أن وزيرة الخارجية الكولومبية ماريا أنجيلا هولغوين قالت: إن قرار إعادة التفاوض حول اتفاق السلام يقع على عاتق فارك وليس الحكومة. وأضافت هولغوين أن فارك قالت قبل الاستفتاء الذي أجري يوم الأحد إنها لن تعيد التفاوض حول الاتفاق الذي تم توقيعه بعد محادثات استغرقت أربعة أعوام.
من جهته قال الرئيس السابق وزعيم المعارضة ألبارو أوريبي أن سلاما لجميع الكولومبيين أفضل من اتفاق ضعيف لنصف المواطنين. ويرى باحثون سياسيون أن الوضع الحالي بات معقدا وذلك لأن الشروط الجديدة للتفاوض قد تشمل نقاطا لا توافق عليها حركة فارك وهو ما يدفع إلى نسف عملية السلام كليا وبالتالي تعود البلاد إلى حالة الحرب مرة أخرى ولكن هذه المرة بشكل أشرس.
ومن ضمن الشروط الجديدة للتفاوض: تطبيق عقوبة السجن لمن ارتكب الجرائم من المتمردين، ليس من حق كافة المتمردين الانخراط في السياسة مما يغلق الباب أمام قطاع واسع من المتمردين الدخول إلى عالم السياسة، كما يطالب الرافضون بأن تسلم حركة «فارك» الأراضي التي استولت عليها عنوة، أيضا حساب قانوني لكل من ارتكب جرائم مرتبطة بتجارة المخدرات، وأخيرا عدم الاستيلاء على الأراضي الخاصة الزراعية في الوقت الحالي وإقامة مناطق زراعية جديدة.
ويرى محللون سياسيون أن العملية السياسية الآن تعقدت بشكل كبير وذلك لأن المصالح الآن اختلطت مع السياسة بمعنى أن فكرة البحث عن السلام أصبحت تدور في مدار أصحاب المصالح، حيث إن الحكومة تريد اتفاق السلام التاريخي وذلك من أجل استغلال الأراضي الشاسعة التي تتمتع بها كولومبيا حيث إن البلاد غنية بالثروات الطبيعية وهو ما يفتح شهية المستثمرين الصينيين للعمل والبحث عن موارد قد تشبع نهمهم كما أن كولومبيا تعوم على بحر من الثروات المعدنية الهائلة وفي حال توقف الصراع ستستطيع شركات التنقيب العمل واستغلال أماكن النزاع والتي لم تستطع الوصول إليها سابقا ومن الجهة الأخرى هناك أصحاب حملة الرفض وهم من يرغبون في الرفض لأنهم من أصحاب الأراضي ومن الجنرالات السابقين في الجيش حيث إن استمرار الصراع يعني عدم المساس بأراضيهم، كما هناك أطماع لزعيم حملة الرفض وهو الرئيس السابق ألبارو أوريبي والذي يريد العودة إلى حلبة السياسة مرة أخرى وبالتالي فهو فرض نفسه الآن كعنصر مفاوض وأصبح طرفا من أطراف الحل في النزاع وبالتالي سيكون له دور سياسي في المرحلة المقبلة وخاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية والتي ستعقد في العام 2018 وبالتالي فإن خروج أوريبي منتصرا يعني عودته مرة أخرى للمشهد السياسي وفرض واقع جديد.
وستدور المباحثات الحالية في هافانا من جديد بوجود أطراف جديدة وتمثيل من حملة الرفض والحكومة والمتمردين والكنيسة الكولومبية وعوائل ضحايا الحرب مما سيوسع نطاق التفاوض ويفتح الباب لمفاوضات دون جدول زمني ودون وجود ضمانات من المتمردين للموافقة على الشروط الجديدة. وفي بوغوتا احتشد الآلاف من مؤيدي السلام في مسيرة شموع وزهور سار خلالها المتظاهرون كيلومترات كثيرة حتى ساحة بوليفار حيث القصر الرئاسي وأطلقوا خلالها شعارات تدعو لوقف الحرب وعاد كبير مفاوضي الحكومة الكولومبية أومبرتو دو لا كالي إلى كوبا لاستطلاع مدى استعداد المتمردين لإعادة النظر في الاتفاق الذي وقع سابقا.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.