المرأة محور أفلام الدورة الـ 60 لمهرجان لندن السينمائي

3 مسابقات للفيلم الروائي الطويل والتسجيلي «الطويل» والفيلم القصير

من فيلم الافتتاح {المملكة المتحدة}
من فيلم الافتتاح {المملكة المتحدة}
TT

المرأة محور أفلام الدورة الـ 60 لمهرجان لندن السينمائي

من فيلم الافتتاح {المملكة المتحدة}
من فيلم الافتتاح {المملكة المتحدة}

انطلق أمس، الخامس من هذا الشهر، مهرجان لندن السينمائي في دورته الستين، حاملاً لعشاق السينما كل ما جال تحت الضوء من أفلام صغيرة وكبيرة، مشهورة ومجهولة، تم إنجازها في الأشهر التي امتدت ما بين نهاية الدورة السابقة ومطلع هذا الشهر.
الحال أن مهرجان لندن السينمائي عرف كيف يعيش ويتعايش. في البدء، كان تظاهرة كبيرة تقيمها مؤسسة «بريتيش فيلم إنستتيوت» في دارها في صالات «بريتيش فيلم ثيتر»، بالقرب من محطة ووترلو. في الثمانينات، انتقل إلى وسط العاصمة، وفي التسعينات، تمركز هناك أساسًا، مضيفًا إلى برامجه سعة من الأفلام، وإلى صالاته المزيد من الشاشات.
في الأساس، هناك عدد محدود من النماذج المهرجاناتية:
هناك نمط المهرجانات الثلاثة الأولى، برلين وكان وفنيسيا، الشامل والكامل والمليء بالعروض العالمية الأولى، وهناك نمط مهرجانات العالم الأخرى التي تقف في الصف الثاني، مثل لوكارنو وسان سابستيان ودبي وكارلوفي فاري وكثير سواها، وهي مهرجانات حافلة بالمسابقات وبالأفلام، ولو أن نسبة الأعمال التي تعرضها عالميًا للمرّة الأولى (برميير) أقل عددًا على نحو ملحوظ مما في مهرجانات الصف الأول.
ثم هناك نموذج تورنتو الذي يحتذي به مهرجان لندن السينمائي.
في الواقع، مهرجان تورنتو حمل صفة «مهرجان المهرجانات» في السبعينات والثمانينات، كذلك حال مهرجان لندن. العبارة تعني - عمليًا - أن لا يتطلع المرء لأفلام برميير، ولا إلى أقسام متعددة بنجوم كبار، بل يقبل أن يلعب المهرجان دور المستقبل لما سبق للمهرجانات العالمية الأخرى (من الصفين الأول والثاني) عرضه.
ثم قرر تورنتو، وبعده لندن، أن يكبر متجاوزًا هذا النطاق. كلاهما اليوم يعرض أفلاما سبق عرضها، لكن كلاهما يلتقط ما يُتاح له من أعمال جديدة يختص بها. هذا ما ينقلنا إلى الإشكال التالي: في حين أن تورنتو لديه السوق الأميركية الشمالية بأسرها لكي يلعب على وتيرة عروضه، فإن مهرجان لندن ليس لديه مثل هذه السوق الفاعلة والجاذبة للراغبين في استثمار العرض لغايات تجارية. هذا ما جعل مهرجان العاصمة البريطانية يقرر، منذ بضع سنوات، إقامة ثلاث مسابقات؛ واحدة للفيلم الروائي الطويل، والثانية للفيلم التسجيلي (الطويل)، والثالثة للفيلم القصير. هنا، كسر التقليد السابق، وابتعد عن أن يكون ظلاً لمهرجان تورنتو الذي يصر (وبنجاح) على أن يبقى بلا مسابقة.
* حكاية ليلى
المرأة هي مفتاح لخزنة مليئة بالأفلام هذا العام في المهرجان اللندني. وعدد كبير منها موجود في مسابقة الفيلم الروائي، حيث نجد أن روني مارا تنكش في ماضي علاقة عاطفية ذات وقع تراجيدي في الفيلم البريطاني / الأميركي Una للمخرج بندلت أندروز، المأخوذ عن مسرحية بعنوان «بلاكبيرد» للكاتب الاسكوتلندي ديفيد هارووَر (وضعها سنة 2004). من هولندا، هناك «ليلى م.» لميكي دي جونغ. وهو فيلم أكثر إشباعًا لرغبة بعضنا في مشاهدة أعمال تتصل بالوقت الراهن ومشكلاته. بطلته ليلى (نورا القصور) من أصل مغربي، تعيش مع أهلها في أمستردام. مع ازدياد التباعد بين مسلمي هولندا ومواطنيها الأصليين، وارتفاع الريبة في كل مسلمة محجبة، تبحث بطلتنا عن حل، فتجده في بث صور من مآسي سوريا وفلسطين، وتتعرف على عبد الله (إلياس أدب)، حيث تقرر اللجوء إلى منوال العمل الخيري في أوروبا، لكن مشكلاتهما كعربيين لا تنتهي، وتجد نفسها وقد نزحت إلى نزاعات الشرق الأوسط.
حكاية نسائية أخرى، لكنها أفضل توضيبًا وتنفيذًا، تتناهى عبر الفيلم الفرنسي «هي» لبول فرهوفن، حيث إليزابث أوبير تتعرض لمحاولة اغتصاب، لكنها مصرّة على أن تواصل حياتها بمنأى عن الشعور بالإهانة والأذى. خلال ذلك، هي نموذج لامرأة طموحة مستقلة (تطلقت من زوجها)، وباحثة عن حلول ناجحة لمشكلاتها الأخرى، مثل علاقتها بزوج صديقتها، ومثل أمها التي تصر على التصرف كامرأة شابة، ومثل ابنها الذي وقع في أول غرام له، وبعد شهر من زواجه أنجبت فتاته طفلاً أسود البشرة من صديقهما المشترك عمر!
* تشجيع بريطاني
على عكس ما تقدم عليه كثير من المهرجانات العربية، فإن مهرجان لندن يجد من الضروري عادة، وهذا العام تحديدًا، تشجيع السينما البريطانية، ليس فقط بانتخاب أفلام مصنوعة محليًا لعرضها ضمن برنامجه الحافل (246 فيلمًا طويلاً، و144 فيلمًا قصيرًا)، بل أساسًا باختيار فيلمين بريطانيين لعرضهما في الافتتاح وفي الختام.
فيلم الافتتاح الذي عرض يوم أمس هو «المملكة المتحدة» للمخرجة آما أسانتي، مع روزماند بايك وديفيد أويلويو وجاك دافنبورت في البطولة: دراما حول قيام حاكم بوتسوانا لاند بالزواج من البريطانية (البيضاء) روث ويليامز. بطريقة تقليدية، يسرد هذا الفيلم حكاية اللقاء بين حفيد ملك بوتسوانا (أويلويو) والشابة البريطانية (بايك)، حين التقيا في لندن. المعارضة الشديدة التي واجهاها من أسرتهما ومعارفهما، بل وفي نطاق العلاقات السياسية في تلك الفترة (الأربعينات). مصوّر جيدًا، لكنه ليس فيلم مؤلّفين، بل فيلم منفذين. على ذلك، ينجز نقاطًا عالية في سبره غور تلك المعيقات السياسية (ولو بكلمات كبيرة مثل «زواجك من الأفريقي سينتج عنه انهيار المملكة البريطانية»). وإذ استقبل جيّدًا في مهرجان تورنتو، يكتفي لندن بعرضه الأوروبي الأول.
هذا أيضًا حال فيلم الاختتام، وعنوانه Free Fire، لبن ويتلي، إذ عرضه تورنتو قبل لندن. هذا أخذ حكايته التي تقع في مدينة بوسطن في السبعينات، حيث يسرد حكاية الفتاة جوستين (بري لارسون) التي تجد نفسها بين نار عصابتين متقاتلتين.
* عروض مصرية
إلى جانب احتفالات الغالا وأفلام المسابقة الروائية (والمسابقتين التسجيلية والقصيرة)، يحفل مهرجان لندن بأفلام كثيرة معروضة حسب انتماءات تصنيفية ساذجة في الظاهر: هناك تظاهرة لأفلام الحب (عاطفية)، وأخرى لأفلام الضحك (كوميدية)، وثالثة لأفلام التشويق، ورابعة للأفلام العائلية. يضاف إليها تظاهرات أخرى: واحدة للأفلام التجريبية، وأخرى لكنوز الماضي، وثالثة لأفلام تتعاطى والاكتشافات والرحلات، ورابعة للأفلام الموسيقية.
قبل بدء المهرجان بأسابيع قليلة، انتشرت المقالات الترويجية في الصحف البريطانية. هذه تجد أن واجبها هو الدعم من دون أن يؤثر ذلك على حرية نقادها في تقييم الأفلام. والجامع بين مقالات الترويج والدعم هذه انطلاقها من حقيقة لا تتحمل نقاشًا كبيرًا، وهي أن مهرجان لندن بات من ضروريات الحياة السينمائية في بريطانيا. جمهوره الواسع يمتد لخارج العاصمة، وأفلامه تتقاطع مع كل رغبة وهدف، ثم إن هذا الاهتمام الكبير بالإنتاج المحلي من الأفلام التي يعرضها إثراء للسينما البريطانية التي لا تجد منابر جماهيرية كافية لأفلامها المستقلة. وسيلتها الوحيدة للانتشار تكمن عندما تنجز أفلاما على منوالات هوليوودية، مثل أفلام جيمس بوند، أو تلك الأفلام المستندة إلى شخصيات براقة، كما حدث في الأعوام الماضية في «لعبة التقليد» و«الفتاة الدنماركية» و«نظرية كل شيء».
هذا لا يعني عدم وجود أفلام مؤلفين. المسألة طبيعية في هذا المجال، إذ لا يمكن خلو مهرجان ما منها. أهم المعروض في هذا المجال، إلى جانب بعض ما تم ذكره مثل «نساء محددات»، نجد «شغف هادئ» لترنس ديفيز، و«نيرودا» لبابلو لاران، و«أفضل ما لديهم» للون شرفيك.
كذلك، هناك عدد ملحوظ من الأفلام العربية المشاركة، يتقدّمها الفيلم المصري «اشتباك» لمحمد دياب الذي سبق وافتتح قسم «تظاهرة ما» في مهرجان «كان». دراما محبوسة في حافلة أمن مقفلة على نحو 25 رجلاً وامرأة وطفلاً. «اشتباك» معروض في مسابقة الفيلم الطويل، بينما عدد من الأفلام العربية الأخرى تتوزع في الأقسام الأخرى.
بينها فيلم تسجيلي بعنوان «زغزعة عمالقة» (Tickling Giants) حول المقدّم التلفزيوني المصري بسام يوسف. في الحاضر المصري أيضًا «يوم للستات» لكاملة أبو ذكري، مع إلهام شاهين ومحمود حميدة وفاروق الفيشاوي ونيلي كريم (التي تظهر أيضًا في «اشتباك»). كذلك، الفيلم الجيد «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد (عروض مهرجان برلين سابقًا)، واستعادة لفيلم يوسف شاهين «وداعًا بونابرت».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».