لعبة جديدة تجري في جنوب آسيا

الهند تحصل على مقاتلات فرنسية.. وباكستان تنظم مناورات مع روسيا

الهند توقع على صفقة من طائرات «رافال» الفرنسية تقدر بـ7.87 مليار دولار (إ.ب.أ)
الهند توقع على صفقة من طائرات «رافال» الفرنسية تقدر بـ7.87 مليار دولار (إ.ب.أ)
TT

لعبة جديدة تجري في جنوب آسيا

الهند توقع على صفقة من طائرات «رافال» الفرنسية تقدر بـ7.87 مليار دولار (إ.ب.أ)
الهند توقع على صفقة من طائرات «رافال» الفرنسية تقدر بـ7.87 مليار دولار (إ.ب.أ)

هل من شأن صفقة مقاتلات «الرافال» الفرنسية، التي تقدر بـ7.87 مليار دولار، أن تساعد الهند على تغيير قواعد لعبة التوازن العسكري في جنوب آسيا؟
لا تملك باكستان ولا العملاق الآسيوي الصين، وكلاهما من الخصوم العسكريين التقليديين للهند، السلاح الراقي نفسه من الفئة نفسها. ولقد خاضت الهند الحروب مع كل منهما، ولا تزال قضايا الحدود مفتوحة ومتفاقمة. وكلاهما مسلح نوويا، وكلاهما حليف للآخر حتى النخاع.
وتأتي صفقة المقاتلات جزءا من خطة الإصلاح العسكري التي تقدر بقيمة 150 مليار دولار، والتي دشنتها الهند و تجذب بها كبار صناع الأسلحة في العالم نحو واحدة من أكبر أسواق الأسلحة في العالم.
في الوقت الذي كان فيه وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان يوقع مع نظيره الهندي على الصفقة في نيودلهي، كانت روسيا الصديق القريب من الهند، قد أرسلت عبر الحدود مائتي جندي للمرة الأولى للمشاركة في المناورات العسكرية المشتركة مع باكستان التي تحمل عنوان «الصداقة 2016».
تأتي تلك الخطوة من جانب موسكو لتعزيز العلاقات الدفاعية مع إسلام آباد وسط التقارير الإخبارية الهندية التي تفيد بأن روسيا قد قررت إلغاء المناورات العسكرية لمدة أسبوعين - من 24 سبتمبر (أيلول) إلى 10 أكتوبر (تشرين الأول) - مع باكستان تحت ضغوط مباشرة من الجانب الهندي.
ونقلت صحيفة «ذي نيشن» الباكستانية عن السفير الباكستاني لدى روسيا قاضي خليل الله قوله: «لقيت الحملة الهندية لعزل باكستان على الصعيد الدولي أولى نكساتها، حيث رفضت روسيا المطلب الدبلوماسي الهندي بإلغاء المناورات العسكرية المشتركة مع باكستان. والتقارير الإخبارية الهندية التي أفادت بإلغاء المناورات هي تقارير عارية عن الصحة تماما».
وحاولت موسكو أمس طمأنة الهند. وقالت سفارتها في نيودلهي إن المناورات لن تقام في أي منطقة متنازع عليها بين الهند وباكستان، «ولهذا يجب ألا تقلق الهند منها».
لماذا اختارت الهند المقاتلات الفرنسية على الأميركية أو الروسية أو السويدية؟
يكمن السر، وفقا للمسؤولين المطلعين الذين تحدثوا إلى مراسلة صحيفة «الشرق الأوسط» - بشرط عدم الكشف عن هويتهم - في أن العامل الحاسم في شراء مقاتلات «الرافال» كان مقدرتها على «استخدامها كنظام التوجيه الاستراتيجي المحمول جوا». وبعبارة أخرى، من المتوقع للمقاتلة «الرافال» أن تكون المقاتلة الأولى في توجيه الأسلحة النووية في مسار القصف الجوي.
استخدمت فرنسا الطائرة «الرافال» في كثير من المهام القتالية خلال السنوات الأخيرة: في أجواء ليبيا عام 2011، وفي مالي خلال العام الماضي، وحاليا كجزء من الحملة الدولية ضد تنظيم داعش الإرهابي.
توفر الصفقة الهندية الفرنسية مبلغ 750 مليون يورو للجانب الهندي من خلال مفاوضات الشراء العسيرة في أعقاب تدخل رئيس الوزراء الهندي شخصيا. وسوف يبدأ الجانب الفرنسي في تسليم الطائرات المقاتلة خلال 36 شهرا من إبرام الصفقة، وسوف يستكمل الجانب الهندي تسلم بقية المقاتلات في غضون 66 شهرا من تاريخ التعاقد الموقع.
ويتعلق الجانب الآخر غير المعلن من الصفقة بأن الهند سوف تطالب الجانب الفرنسي بتوريد صاروخ «الميتيور»، ويمكن القول بأنه أكثر أنظمة الصواريخ «جو - جو» تقدما في العالم مع مدى يتجاوز 150 كيلومترا، والمتوافق مع خوذات الطيران القتالي الإسرائيلية المتطورة. وتكامل هذه الأنظمة مع مقاتلات «الرافال» يعني أنه بإمكان القوات الجوية الهندية توجيه الضربات الجوية في الداخل الباكستاني وعبر الحدود الشمالية الشرقية من دون الانتقال إلى خارج خط الحدود الإقليمية الهندية.
وينص الاتفاق الموقع بين الجانبين كذلك على إنفاذ بند المبادلة، الذي يعني أن الجانب الفرنسي سوف يستثمر 30 في المائة من القيمة الإجمالية للصفقة في برامج الأبحاث المتعلقة بالطيران العسكري الهندي، و20 في المائة في التصنيع المحلي الهندي لمكونات المقاتلة «الرافال».
وفي الأثناء ذاتها، سوف يوفر مقاولو الدفاع الفرنسيين تكنولوجيات الرادار وتوجيه ودفع الصواريخ إلى الجانب الهندي.
ولا تتوقف المكاسب الهندية من هذه الصفقة عن هذا الحد، فالجانب الفرنسي مستعد أيضا لتبادل الخبرات فيما يتعلق بتكنولوجيا المحركات، مع الأخذ في الاعتبار الشعار الوطني لرئيس الوزراء الهندي «صنع في الهند». وتشير التقارير الإخبارية إلى أن شركة «داسو» الفرنسية، وهي الشركة المصنعة لمقاتلات «الرافال»، قد أعربت عن استعدادها للشراكة مع إحدى الشركات الهندية الخاصة لتصنيع الأجزاء الهيكلية لصالح طائرات «فالكون» التنفيذية خاصتها.
تعتبر العلاقات الفرنسية الهندية من العلاقات التي لم تأخذ حقها بعد. وربما تكون روسيا من أقدم وأكبر موردي الأسلحة إلى الجيش الهندي، وتعتبر الولايات المتحدة من أحدث وأقرب الشركاء الدفاعيين للهند، وتعتبر الصين من أكبر الشركاء التجاريين مع الهند، لكنها فرنسا التي تعتبر أول شريك استراتيجي للهند.
كانت فرنسا أول دولة غربية تساند الهند في المطالبة بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي. وفرنسا، على العكس من الشركاء الآخرين في التحالف الغربي، لم تفرض أي عقوبات على الهند بعد أن تحولت الهند إلى دولة نووية في عام 1998، بل في واقع الأمر لم تحاول فرنسا مجرد «إدانة» الاختبارات النووية الهندية، وكانت أول دولة تعيد عقد المحادثات النووية مع الهند بعد حالة الرفض الدولي تجاه الهند آنذاك.
بالإضافة إلى ذلك، كانت فرنسا من أولى الدول التي أجرت الهند معها المناورات البحرية المشتركة في أعقاب الاختبارات النووية الهندية في عام 1998، وتوالت تلك المناورات عبر السنين. وعلى نحو مماثل، كانت أولى المناورات الثنائية للقوات الجوية الهندية في عام 2003 مع نظير أجنبي، كانت مع القوات الجوية الفرنسية.
كانت زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى الهند في يناير (كانون الثاني) من العام الجاري هي الزيارة الخامسة التي يجريها رئيس فرنسي كضيف رئيسي في احتفالات يوم الجمهورية الهندية، الأمر الذي أشار إليه رئيس الوزراء مودي حيث قال إن العلاقات الفرنسية الهندية قد «نجحت في كل اختبارات الزمن التي عاصرتها».
على الرغم من أن العلاقات بين موسكو وإسلام آباد قد شابتها شوائب المنافسة إبان حقبة الحرب الباردة منذ عقود، فإن باكستان قررت توسيع خيارات سياستها الخارجية بعد تدهور علاقتها مع الولايات المتحدة في أعقاب غارة الاستخبارات المركزية الأميركية في أبوت آباد لاغتيال أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في مايو (أيار) من عام 2011، إذ بدأت منذ ذلك الحين في التودد إلى مختلف القوى العالمية، لا سيما روسيا.
وينظر إلى المناورات العسكرية من واقع أنها خطوة ثانية في التعاون العسكري بين الجانبين، ما يدل على نمو مطرد في العلاقات الثنائية بين البلدين.
ولقد توترت العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، عندما حجب المشرعون الأميركيون الأموال لبيع ثماني طائرات مقاتلة من طراز «إف 16» الأميركية إلى باكستان، ما دفع بالأخيرة إلى التطلع نحو مصادر بديلة لشراء المقاتلات.
وعلى مدى الـ15 شهرا الماضية، سافر قادة القوات البرية والبحرية والجوية الباكستانية إلى روسيا. وأسفرت تلك السلسلة رفيعة المستوى من التبادلات بين البلدين عن توقيع صفقة مبيعات مروحيات «مي 35» الهجومية إلى أسلام أباد.
وتسعى إسلام آباد بكل حرص لتحسين علاقاتها مع موسكو من أجل تنويع الخيارات في حالة وجود أي جمود في علاقاتها مع واشنطن، وفقا لصحيفة «إكسبريس تريبيون». وفي أعقاب إبرام صفقة المروحيات الهجومية الروسية، تستكشف باكستان أيضا خيارات شراء طائرات «سوخوي 35» المقاتلة من روسيا، على حد زعمها. ولأجل هذا الغرض، قام رئيس أركان القوات الجوية الباكستانية المارشال سهيل أمان بزيارة إلى موسكو في يوليو (تموز) الماضي.
يقول المحللون إنه ليس هناك إنكار لحقيقة مفادها بأن إعادة ضبط التوازن الاستراتيجي العالمي قد بدأ، الأمر الذي جلب كلا من الصين وروسيا وباكستان قريبا بعضها من بعض. وبالتالي، فإنه لم تكن سوى مسألة وقت قبل أن تشهد كل من روسيا وباكستان تقاربهما الأخير. ولا يعني ذلك انفصالا في العلاقات بين الهند وروسيا. فأسس العلاقات الهندية الروسية تنشأ من معاهدة الصداقة والتعاون الهندية الروسية لعام 1971، ولا تزال قوية وراسخة.
ومع ذلك، قد يكون هناك اعتراف متزايد من جانب موسكو لضرورة تنويع مصالحها الاستراتيجية في جنوب آسيا، لا سيما في ضوء تحركات نيودلهي نحو واشنطن. وهذا جزء طبيعي من أجزاء الدبلوماسية. والآن، إذا كانت الهند لا تشعر بالارتياح لتنامي العلاقات الروسية الباكستانية، لا سيما في سياق جهودها الأخيرة الرامية إلى عزل باكستان ووصمها بأنها من الدول الراعية للإرهاب، فمن الأحرى أن تنتهج مسارا دبلوماسيا مقنعا لإثناء موسكو عن الاقتراب الوثيق من إسلام آباد، كما يقول الكاتب والمحلل الهندي رودراشيل غوش.
ويقول الكاتب إمبارناث سينغ، محذرا الهند: «تلك هي الطريقة التي استخدمتها روسيا لتجعل الهند تدرك أن الصداقة الثنائية ما بينهما ليست من الأمور المسلم بها على الدوام، حيث إن الاستخدام الوحيد لباكستان من زاوية روسيا هي لإعادة جذب الانتباه الهندي. ولدى روسيا كل الحق في أن تقوم بذلك، لأن روسيا هي الدولة الوحيدة التي بلا صديق حتى الآن. فهي ليست أوروبية وهي ليست آسيوية. وهي أبعد ما تكون عن الولايات المتحدة كذلك. لذا، إن كانت هناك دولة يمكن للهند أن تحصل منها على معاملة منصفة، فهي روسيا. إن الهند في حاجة إلى أن تستمع بكل عناية وتتحرك بكل حذر. وبالتالي، يتعين على نيودلهي تحليل العلاقات الروسية الباكستانية بعمق وإعداد الاستجابة الاستراتيجية المناسبة، وربما الطارئة كذلك».
وقال أحد كبار الدبلوماسيين في وزارة الخارجية الهندية: «على الرغم من أن العلاقات الهندية الروسية قد تفرقت بها السبل الشيء القليل في الآونة الأخيرة، فإن الروابط بينهما لا تزال قوية للغاية، لدرجة أن موسكو لن تريد الدخول في مغامرة من شأنها استفزاز حفيظة الهند مثل تسليح باكستان بالمعدات العسكرية المتفوقة على الهند».
يعقد رئيس الوزراء الهندي والرئيس الروسي جلسة المباحثات الثنائية في 15 أكتوبر على هامش قمة البريكس المقبلة.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعىٍ مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.