«سوق السبت» في بلجرشي.. رحلة إلى عمق التاريخ جنوب السعودية

«سوق السبت» في بلجرشي.. رحلة إلى عمق التاريخ جنوب السعودية

الأهالي أعادوا إليها الحياة وحولوها إلى معلم سياحي
الأحد - 23 ذو الحجة 1437 هـ - 25 سبتمبر 2016 مـ
دار السوق ببلجرشي بعد ترميمها ورصفها ({الشرق الأوسط}) - دار السوق هجرها سكانها ابتداءً من ثمانينات القرن الماضي وانتقلوا إلى أحياء سكنية حديثة - أهالي المنطقة أناروا أزقتها وأعتادوا تأهيل جدران بيوتها

ما إن تطأ قدماك قرى «دار السوق» القديمة في محافظة بلجرشي (جنوب غربي السعودية)، حتى تدرك أنك تدخل في واحدة من أعرق الحضارات على مرّ التاريخ، فالبيوت الطينية بأسقفها الخشبية والأزقة المبنية بطريقة فريدة، تقود مخيلتك إلى حضارة الكنعانيين والعماليق الذين استوطنوا ما يعرف بمنطقة الباحة حاليًا.
أهالي المنطقة استفادوا من ميزة التاريخ، وحولوا قرى «دار السوق» إلى معلم سياحي عبر إنارة أزقتها وإعادة تأهيل جدران بيوتها، وهو ما جذب الزوار، لرؤية حضارة منطقة كان ساكنوها يحترفون الزراعة والتجارة ويلتقون لتبادل البضائع في «سوق السبت»، الذي لا تزال قائمة حتى اليوم.
وأوضح المؤرخ الدكتور أحمد قشاش، أن التجارة في المنطقة تجلّت من خلال «سوق السبت» في محافظة بلجرشي الواقعة في حاضرة منطقة الباحة، مبينًا أن اختيار يوم السبت ليكون سوقًا جعل بلجرشي القلب الاقتصادي النابض للمنطقة، لافتًا إلى أن اسم بلجرشي يعود إلى فخذ من قبيلة غامد، وهي من قبائل الأزد سكنتها قبل الميلاد بنحو مائة عام.
وأضاف قشاش أن «سوق السبت» تميزت بعرض سكان المنطقة محصولاتهم الزراعية ومنتجاتهم اليدوية فيها، والالتقاء عندها بالقوافل التجارية التي تحمل البضائع من القنفذة إلى بيشة، وتقع السوق حاليًا عند التقاء أربع قرى ضمن بلجرشي هي قرى العوذة ودار السلمية والغازي والركبة، كما أن أهالي المنطقة كانوا يجلبون البضائع حتى من خارج الجزيرة العربية، مشيرًا إلى أن السوق كانت محاطة بسور له ثلاثة أبواب تم هدمه منذ زمن، وأدرك بقاياه بعض كبار السن.
ورغم استمرار السوق الأسبوعية حتى يومنا هذا، فإن القرية القديمة المتاخمة للسوق هجرها سكانها ابتداءً من ثمانينات القرن الماضي، وانتقلوا إلى أحياء سكنية حديثة وإلى مدن أخرى في السعودية بحثًا عن العمل، مشيرًا إلى تحول القرية القديمة إلى معلم سياحي يقصده أبناء المنطقة وزوارها، حيث تم رصف أزقتها وإنارة طرقاتها ومداخل بيوتها، بما يتيح لأبناء الجيل الحالي زيارة المكان والاطلاع على تاريخ هذه القرية الراسخة في عمق التاريخ، رغم أن أسقفها الخشبية والطينية بحاجة إلى تأهيل ليتمكن قاصدوها من الدخول والتعرف أكثر على مساكن الأسلاف.
وأكد الدكتور قشاش أن الكنعانيين والعماليق أول من سكن منطقة الباحة منذ آلاف السنين، وتوالت شعوب وأقوام عربية لاحقة، اختارت قمم السروات وسفوحها، لصنع حضارة ألهمت البشرية في علوم الزراعة والكتابة والتعدين وقطع الصخور.
وذكر أن جنوب غربي الجزيرة العربية الممتد من الطائف إلى عسير شهد حضارة مرت بمراحل ازدهرت خلالها علوم الزراعة وحفر الآبار وتقنيات استخراج المياه من الآبار حيث استطاع سكانها تهيئة سفوح الجبال بمصطبات زراعية تم تشييدها بقياسات هندسية محكمة، تسمح بتدفق مياه الآبار وحفظ مياه الأمطار لري الفواكه والحبوب، وبالتالي أسهمت المنطقة في إثراء الحضارة الإنسانية، مستشهدًا بما ذكره المؤرخ الأميركي ويل ديورانت في كتابه «قصة الحضارة»، : «الشعير والذرة الرفيعة والقمح، واستئناس الماشية والماعز والضأن، وإن ظهرت كلها في مصر وبلاد ما بين النهرين منذ أقدم العهود المدونة، إلا أنها لم توجد في حالتها البرية الطبيعية في مصر بل في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة».
وأشار الدكتور قشاش إلى أولوية مسجلة لأسلاف سكان المنطقة في قطع الحجارة والبناء والتعدين كاستخراج الحديد والنحاس، قبل أي حضارة إنسانية أخرى، حيث أسهم تغير المناخ وانتهاء العصر الجليدي في نقل هذه العلوم إلى بلاد الرافدين وحوض النيل مع أوائل العرب المهاجرين، ومنها إلى مختلف أنحاء العالم.


اختيارات المحرر

فيديو