«الشرق الأوسط» تورد قصصًا تنم عن دهاء الملك المؤسس وحكمته وإنسانيته وحزم سابع ملوك السعودية

الملك عبد العزيز دعا الله أن يرزقه فسمعه صاحب حاجة فخجل وهرب من مقابلته لكن الملك أعاده وأكرمه

الحسيني في صورة مع الملك سلمان عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض أثناء استقباله له قبل 10 سنوات
الحسيني في صورة مع الملك سلمان عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض أثناء استقباله له قبل 10 سنوات
TT

«الشرق الأوسط» تورد قصصًا تنم عن دهاء الملك المؤسس وحكمته وإنسانيته وحزم سابع ملوك السعودية

الحسيني في صورة مع الملك سلمان عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض أثناء استقباله له قبل 10 سنوات
الحسيني في صورة مع الملك سلمان عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض أثناء استقباله له قبل 10 سنوات

عاصر الشيخ عبد الله بن محمد الحسيني أحد رواد التعليم في بلاده، الدولة السعودية الحديثة، بدءًا من الملك المؤسس مرورًا بالملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله، رحمهم الله، وعهد الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله. وتحمل ذاكرة الحسيني قصصًا كثيرة، باح بها في سيرته التي صدرت قبل أشهر، تؤكد على ما يتمتع به الملك عبد العزيز وأبناؤه من عقول يقظة وسرعة بديهة وحكمة وإنسانية وحزم وعزم، في كثير من المواقف. «الشرق الأوسط» التقطت بعض هذه القصص التي تحمل دلالات هامة.
آيات قرآنية تحول الأعداءإلى أصدقاء
يقول الحسيني في تأكيده على سرعة بديهة الملك عبد العزيز وحضوره ورجاحة عقله ودهائه: إن الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) كان حقًا أحد دهاة العرب الأفذاذ ذوي البأس والشجاعة. وكان (رحمه الله) سريع البديهة ذا عقل يقظ. في إحدى زياراته لمدينة الجبيل وقت سعيه لتوحيد الجزيرة برفقة وفد من الإنجليز، حان وقت صلاة المغرب، فقام أحد الشيوخ بالأذان للصلاة، ثم أمّ الناس فقرأ قوله تعالى: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمُ النّارُ وَمَا لَكُم من دُونِ اللَهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَ لا تُنصَرُونَ»، فكان أنْ سحبه الملك عبد العزيز وتقدم هو يصلي بالجماعة، فقرأ سورة الكافرون. المعنى الذي فهمه الملك عبد العزيز من الآية التي قرأها الشيخ بسرعة كان كافيًا من وجهة نظره ليرسل رسالة سيئة إلى الوفد الذين كانوا معه من الإنجليز، إذا فَهموا معنى الآية جيدًا؛ ولذا أراد أن يغير المسار أيضًا بآيات أنزلها الله سبحانه في محكم قرآنه، توضح احتواء الإسلام لأصحاب الديانات الأخرى وتمنحهم الحق في اعتناق ما يشاءون؛ لأن الإسلام لا يجبر أحدًا على اعتناقه، كما أنه لا يعتبرهم أعداءً طالما لم يعتدوا أو يبادروا بالاعتداء على المسلمين. ولما كان الملك عبد العزيز يسعى في تلك الفترة الحرجة من عمر الوطن لاحتواء الأطراف الخارجية؛ ليكونوا عونًا له في حربه، فإن مجرد وصفهم بالظالمين (كما أراد الشيخ بصلاته) كان سيجعلهم يعتقدون أن الملك يخدعهم وأنه ربما يدبر للخلاص منهم بعد استتباب الوضع له بالجزيرة، وذلك من شأنه بالطبع ضياع كل الجهود التي ظل يبذلها (رحمه الله) لسنوات طوال.
كرم وإنسانية
وحول ورع الملك عبد العزيز، يشير الحسيني إلى قصة معبرة وشهيرة تدور أحداثها عن رجل من أمراء الهجر الصغيرة في نجد، أتى إلى قصر الملك عبد العزيز في الرياض وله بعض الأموال يحتاج إلى تحصيلها من الدولة، وكان لا بد أن يقابل الملك عبد العزيز ليشرح له الوضع وليوافق على صرفها له، ولأن الملك عبد العزيز (رحمه الله) كانت لديه مسؤوليات كبيرة وزواره كثيرون ويقضي وقتًا طويلاً في قضاء حاجات الناس ومقابلتهم حتى موعد صلاة العشاء، حيث إن من المعروف أن الملك عبد العزيز كان يصلي العشاء وينام بعدها مباشرة، فلم يستطع هذا الرجل مقابلته، فأشار عليه بعض العاملين لديه أن ينام في جناح الضيافة، وفي الصباح يقابل الملك، فوافق وفي الليل أفاق من نومه على صوت شخص يصلي في القصر ويدعو الله ويبكي ويقول: (يا رب.. يا رب ارزقنا.. يا رب ارزقنا..) فأطل من الدريشة (النافذة)، فرأى الملك عبد العزيز يصلي ويبكي.. ففكر وخجل من أن يطلب شيئا من الملك وهو يشكو إلى الله من قلة الحاجة، لذا قرر الرجل الرحيل بعد صلاة الفجر، وبالفعل ركب ناقته ومضى في طريقه عائدًا لهجرته. وبعد الصلاة سأل عنه الملك عبد العزيز، فقالوا له لقد رحل. فغضب الملك وأمر خيالين من رجاله أن يلحقا به ويعيداه بسرعة، وعندما جيء بالرجل سأله الملك عن سبب رحيله المفاجئ، فذكر له ما رآه منه وسمعه في الليل، وكيف أنه خجل من أن يطلب ممن ليس معه. فضحك الملك كثيرًا، وقال له: «كلنا نطلب الرزق من الله.. ويأمرنا الله ونعطيك»، وبالفعل سدد عنه ديونه كافة، وأمر بأن تُحمّل ناقته من مختلف الأرزاق والعطايا. وهذه القصة تدل على سعة صدر الملك عبد العزيز وكرمه وحبه لأبناء شعبه.
ذكاء وسرعة بديهة
ويورد الحسيني قصة تنم عن ذكاء الملك وسرعة اتخاذه للقرار في المواقف الصعبة، شاهدها المندوب البريطاني أثناء حصار جدة مُدَّة طويلة تراوحت ما بين 6 و8 أشهر، في الحرب التي دارت رحاها قبل توحيد المملكة. جاء المندوب الإنجليزي إلى الملك عبد العزيز، وقال له: (إنّ شريفَ مكة - يقصد الحسين بن علي - يقول عنك: إنك بَدَوِي، ولا تملك شيئا، وأنّ جماعتك يموتون من الجوع).. ولم يُرِد الملك الدخولَ في جِدال عقيم، بلْ استدعى شخصًا اسمه (عقيل) من الرياض، وأعطاه خطابين: الأول لوالدة الشيخ عبد الرحمن السبيعي (حصة السدحان) رحمهما الله، والثاني للسبيعي نفسه، الذي تربطه علاقة قوية بالملك عبد العزيز، وكان السبيعي جارًا للوالد في (شقراء) في حي (الصبخة)، وقد عرف عنه أنه كان يُشَكِّل مركزًا ماليًا للملك عبد العزيز، وأمره ألا يرجع إليه إلا بجواب منهما، وكان الهدف جَمْع أكبر قدر من المال والذهب من رجال ونساء (شقراء)؛ كي يكون ذلك ردًا عمليًا على الإشاعات التي يُرَوّج لها الحسين بن علي. ونظرًا لمكانة السبيعي في منطقة (شقراء)، وثقة رجالها به، ومكانة والدته، فلم يكن هناك أفضل منهما لأداء هذا الأمر. وعندما وصل (عقيل) إلى (شقراء) سلّم الخطابين كما أمره الملك المؤسّس، ثم راجعه بعد مُدّة؛ فأبلغه السبيعي أنَّ جميعَ أهالي (شقراء) رجالاً ونساءً يجمعون الأموال والذهب، واستغرق ذلك وقتًا، ونصحه أنْ يمرّ عليه بعد يومين. وكانت فرصة سانحة لـ(عقيل) أنْ يذهب إلى الرياض؛ لرؤية أهله والاطمئنان عليهم قبل أن يعود بالمال والذهب إلى الملك عبد العزيز، وعندما دقّ الباب على زوجته لم تُصدّق أنه هو زوجها الذي خرج للجهاد مع الملك عبد العزيز، وهو يخبرها، ويؤكّد لها أنه هو نفسه الواقف بالباب، وبعد أخذ وردّ طال أرهق (عقيلاً) نفسه، تأكدت الزوجة المخلصة أنه زوجها؛ ففتحت له الباب، ولم يكن (عقيل) أقلّ حرصًا منها على سمعتها وسمعته بين الجيران؛ لهذا طلب منها أنْ تذهب وتنادي أباها وإخوانها؛ ليشهدوا على وجوده في منزله؛ كي يَدْرَأ عنها الشبهة إذا حملت منه. وبعد ذلك أعاد (عقيل) الكرة ثانية إلى (شقراء)؛ فوجد السبيعي قد جمع الأموال المطلوبة منه؛ فحملها واتجه إلى الحجاز حيث يقيم الملك عبد العزيز. وكان (عقيل) يدرك حجم المهمة التي كُلّف بها، ويعلم أن ما يحمله من أموال ستكون المُعِين بعد الله للملك عبد العزيز في حربه وطموحه نحو توحيد الجزيرة؛ فكان يسير ليلاً وَيَكْتَنّ، أي يَخْتَبِئُ بالنهار، ودامت حالته هكذا عددًا مِن الأيام، وتعرض في أحدها لموقف صعب، عندما اعترض طريقه أحدُ قُطّاع الطرق إلا أن الله سلّم؛ فلمّا وصل سالمًا بالأموال والذهب إلى الملك عبد العزيز في الحجاز، احتضنه (رحمه الله)، وقال له: (الله يبيّض وجهك)، ثم استدعى المندوب الإنجليزي بعد أنْ وضع شحنة من الرمل تحت البساط، ثم وضع عليها كميات من الذهب؛ وكانت حيلة ذكيَّة؛ مِن أجل إقناع المندوب الإنجليزي بأنّ البدوي الذي يُشاع عنه أنّ جماعته يموتون من الجوع لديه من الأموال ما يجعل جماعته ملوكًا، وهي الرسالة التي أبلغها المندوب الإنجليزي إلى شريف مكة عندما عاد إلى الشريف، وقال له إنّ الملك عبد العزيز لديه كثير من الأموال والذهب الذي يمكن أن يَدْعم به الجنود، وينفقها على الحرب، وذكر له أنّه رأى عنده شحنة من الذهب (وحقيقتها أنّ الذهب وضع من الأعلى، وكان أسفله الرمل)؛ فخاف الشريف، وخرج من الحجاز، ولم يحمل معه سوى أسرته.
حزم سلمان
وحملت ذاكرة الشيخ عبد الله الحسيني المولود قبل 87 عامًا في شقراء حاضرة الوشم (وسط السعودية) قصة لافتة مع الملك سلمان بن عبد العزيز – حينما كان أميرا لمنطقة الرياض - فيها تأكيدات وإشارات بأن الحزم والعزم والتفاؤل، كانت من طبائعه ولازمته، منذ نشأته وإلى اليوم، والتي تمثلت في «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، وانطلقت قبل عام ونصف العام من اليوم لدعم الشرعية في اليمن. واسترجع الحسيني من خلالها ذكريات ومشهدًا يعود لأكثر من نصف قرن، عندما قرر الملك سلمان استخدام أسلوب الحزم والعزم مع الحكمة لإعادة أمل أهالي أحد بلدان منطقة الرياض لإلحاق بناتهم في مدرسة رسمية بدلاً من مدارس الكتاتيب والحلقات النسائية، حيث حرص الملك سلمان على نشر تعليم الإناث وعدم النكوص عنه، عقب إقرار هذا النوع من التعليم بشكل رسمي.
ويشير الحسيني إلى ما تعرض له عندما وصل إلى البلدة لافتتاح أول مدرسة بصفته مندوبًا لتعليم البنات: «وضعت إعلانًا في السوق ووقعت عقد استئجار المبنى، وأدخلت فيه الأثاث والمستلزمات الخاصة بالمدرسة أمام فرحة الأهالي، وذهبت لأداء صلاة الجمعة لينبري شخص ويخطب أمام جموع المصلين محرضًا لهم على رفض افتتاح المدرسة، لأذهب إلى بيت أمير البلدة وأبلغه بما حدث، والذي أصر بدوره على افتتاحها، وتتوالى الأحداث ويتجمع الغاضبون ومعهم مالك المبنى المدرسي حاملاً عقد الاستئجار مطالبًا بإلغائه، بعد أن هدده الرافضون بإحراق المبنى، ليتطور الوضع ويتمكن الغاضبون من دخول مبنى إمارة البلدة، ويعتدوا على الأمير وعلى مندوب التعليم، ويجبر على حمل أثاث المدرسة ومغادرة البلدة.
وزاد الحسيني بالقول: جئت للرياض وقابلت الرئيس العام لتعليم البنات، وشرحت له الوضع، واصطحبني معه للأمير فيصل بن عبد العزيز (ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك) حاملاً برقية أمير البلدة بشأن ما حدث، وسلمها إلى الأمير فيصل، وحولت البرقية إلى الأمير سلمان أمير منطقة الرياض حينها، الذي بدوره أبرق عاجلاً إلى أمير البلدة باعتماد فتح المدرسة ويكون الدخول فيها اختياريًا لا إجباريًا، ونفذ توجيهات الأمير فيصل بإرسال قوة عسكرية مكونة من مائة جندي من قوات الصاعقة لتأمين افتتاح المدرسة بسلام. وجاء هذا الحزم من قبل الملك سلمان لقناعته بأهمية نشر التعليم وعدم التراجع عن ذلك، بل إنه رفض السكوت عما حدث، باعتبار أن الصمت عن ذلك من شأنه اهتزاز هيبة الدولة في نفوس الناس، وأن الحزم في هذه المسألة هو الحل، لكن دون عنف، وهو ما تأباه الدولة في علاقتها مع المواطنين. وبالفعل تم افتتاح المدرسة وتهافت الأهالي على تسجيل بناتهم فيها.
يقول الشيخ الحسيني عن ذلك: «عندما قرأتُ كغيري من الناس الأخبار المتداولة عن (عاصفة الحزم) و(إعادة الأمل) عادت بي الذاكرة إلى أكثر من خمسين عامًا حيث تشرّفت حينها بمقابلة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز للمرة الأولى في حياتي، في وقت عصيب بالنسبة لي؛ فقد كنت وقتها مندوبًا لتعليم البنات، ولم تكن الأجواء متقبّلة تعليم الفتاة في ذلك الوقت كوقتنا الحاضر. في عام 1383 هـ (1963) تمَّ تكليفي بالذهاب وأنا بالرياض إلى إحدى بلاد وطننا الغالي لافتتاح أوّل مندوبية لتعليم البنات هناك؛ ففوجئت برفض كثير من الأهالي لافتتاح المدرسة، وحدث أن قام أحد المجتهدين - وما كل مجتهد مصيب - بعد صلاة الجمعة خطيبًا فيهم متوعدًا بأنهم لو ارتضوا تعليم بناتهم فإنهم كمن يرضى لهن الخزي والعار!!. وتعرضت وقتها للاعتداء والتهديد بإهدار دمي؛ فعدت إلى الرياض سالمًا، وطلبت مقابلة الأمير سلمان (حينها)؛ فوافق مشكورًا، وشرحت له كل ما حدث موضحًا أني دخلت البلدة غريبًا وخرجت غريبًا، ولا أعرف أحدًا باسمه، ورجوته أنْ يتمّ اختيارُ شخص آخر لإكمال المهمة؛ نظرًا لظروفي الخاصة؛ وكان من حكمته وسداد رأيه، وبُعْد نظره أنْ وافق على إرسال زميل آخر مع قوة خاصة؛ لإتمام المهمة، ولردع من يؤلِّب الناس على فتح المدرسة. ولقد كَتَمْتُ كثيرًا مما جرى كي لا يُفسر الأمر بأنني عدت لأنتقم ممن آذوني؛ فيكون في النفوس ما يحول دون التعاون الكامل بيننا لصالح البلاد والعباد. ثم كان قراره الأكثر حكمة؛ وهو الفتح الإجباري للمدرسة، ثم ترك الحرية في التسجيل بها أو عدمه وفق ما يراه أولياء الطالبات».
وزاد الحسيني بالقول: «على الرغم مِن حداثة سِنّه آنذاك فإنّ ما رأيته من حكمة في التصرف منه، ونفاذ البصيرة، كان يتعدى أضعاف عمره بكثير؛ فقد رأى أن الصمت على ما حدث، من شأنه اهتزاز هيبة الدولة في نفوس الناس، كما أنَّ الرد بعنف تأباه العلاقة الجيدة القوية بين الدولة ومواطنيها، كما أنّ النكوص عن تعليم البنات ليس في صالح البلاد على المدى القريب ولا البعيد؛ لأنّ حقّ المرأة في التعليم كحق الرجل تمامًا، طالما كان الأمر متّفقًا مع الشريعة الإسلامية، ولا يتعارض مع العادات والتقاليد المألوفة في كلّ مجتمع أمين مع دين ربّه. ثمّ كان لي الشرف مرة ثانية أن التقي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، بعد مرور نحو أربعين عامًا على تلك الأحداث».



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.