الاقتصاد اليوناني.. بين الضغوط الدولية والسخط الشعبي

الحكومة تتحاشى «التقشف الجذري».. وخلافات «الترويكا» معوق أساسي

اعتراضًا على خطط التقشف التي تريد الترويكا تطبيقها بطريقة قاسية، شارك نحو 15 ألف محتج في مظاهرات مناوئة للحكومة
اعتراضًا على خطط التقشف التي تريد الترويكا تطبيقها بطريقة قاسية، شارك نحو 15 ألف محتج في مظاهرات مناوئة للحكومة
TT

الاقتصاد اليوناني.. بين الضغوط الدولية والسخط الشعبي

اعتراضًا على خطط التقشف التي تريد الترويكا تطبيقها بطريقة قاسية، شارك نحو 15 ألف محتج في مظاهرات مناوئة للحكومة
اعتراضًا على خطط التقشف التي تريد الترويكا تطبيقها بطريقة قاسية، شارك نحو 15 ألف محتج في مظاهرات مناوئة للحكومة

بعد سنوات من انتهاج حكومة أثينا سياسات التقشف القاسية، التزامًا بشروط الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي، المعروفة بالـ«الترويكا»، وذلك من أجل الحصول على حزم إنقاذ مالية لإخراج اليونان من عثرتها الاقتصادية بعد بلوغ مستويات العجز في الميزانية والدين الحكومي لمستويات قياسية.. بدأت الحكومة اليونانية تُبدي اعتراضها بشكل واضح على تبني مزيد من تلك السياسات التي تزيد من مستويات الإحباط الاجتماعي في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتدني مستوى معيشة الأفراد.
وحتى الآن، هناك خلاف بين صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي بشأن قوة تدابير الإصلاح التي يجب على أثينا اعتمادها لاستكمال أول مرحلة في خطة الإنقاذ الجديدة، وقال رئيس البرلمان اليوناني نيكولاوس فوتسيس، إن برنامج الإصلاحات التي يجري تنفيذها في اليونان تستبعد اتخاذ تدابير «تقشف جذرية» لتفادي تصعيد التوترات داخل البلاد. وأضاف فوتسيس - على هامش المؤتمر الأوروبي لرؤساء البرلمان في ستراسبورغ - قائلاً: «نحن نسير على الطريق الصحيح من حيث إصلاح مواردنا المالية. ولأننا نريد أن تنعكس الإصلاحات بشكل إيجابي على الوضع الاجتماعي، فيجب أن يتم تقليص عبء الظروف الصعبة عن كاهل المواطنين».
وكانت اليونان قد وافقت في يوليو (تموز) 2015 على خطة إنقاذ أوروبية قيمتها 86 مليار يورو (94 مليار دولار) على مدى ثلاث سنوات، تفاديًا للخروج من منطقة اليورو، لكن جاءت الخطة بشروط صارمة. وبموجب شروط اتفاق الإنقاذ في العام الماضي، يجب على اليونان اتخاذ تدابير الإصلاح التي من شأنها أن تنتج فائضًا أوليًا قدره 5.3 في المائة من الناتج الاقتصادي بحلول عام 2018. ويتركز الخلاف على قوة التدابير التي تحتاج إليها أثينا للوصول إلى تحقيق فائض بنحو 5.3 في المائة، مع إصرار من تسيبراس على أن اليونان ملتزمة بتنفيذ الإصلاحات التي سوف تصل إلى الهدف.. لكن يعتقد صندوق النقد الدولي أن كثيرًا من التدابير المتفق عليها تعد «غامضة»، ولا تمكن من الوصول إلى الهدف.
* خلافات الترويكا
وقال رئيس الوزراء اليوناني، ألكسيس تسيبراس، إن الخلافات بين صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي بشأن طريقة معالجة أزمة ديون اليونان تضر بالبلاد. وأكد تسيبراس في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي أن ما يؤخر استعادة ثقة الأسواق والمستثمرين هو استمرار النزاع والخلاف بين صندوق النقد الدولي والمؤسسات الأوروبية. ولم يقرر صندوق النقد حتى الآن ما إذا كان سيشارك في حزمة الإنقاذ الدولية الثالثة لليونان التي وقعت في عام 2015، ويقول إنه ليس مقتنعًا بقدرة البلد على خدمة ديونه.
وذكر تسيبراس أن الخلاف الحالي يمنع مشاركة اليونان في الوقت المناسب في برنامج التيسير النقدي للبنك المركزي الأوروبي. وأضاف أن اليونان التي تنفذ مثل هذا الإصلاح القاسي لا تستطيع أن تنتظر أكثر من ذلك بكثير، حيث تتجاوز ديون اليونان 170 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال جورج كاتروجالوس، وزير العمل اليوناني، إن بلاده ستبلغ دائنيها بأنها لا تستطيع الامتثال لإصلاحات سوق العمل التي يطلبها صندوق النقد الدولي كشرط لدعم ثالث خطة إنقاذ مالي للبلاد. وبحسب «رويترز»، فإن الحكومة اليسارية في اليونان تعتبر طلب صندوق النقد بمثابة حظر لحق العمال في التفاوض الجماعي على الأجور وظروف العمل، وإذا فشلت المفاوضات مع صندوق النقد بخصوص هذا الموضوع فإن تمويل الصندوق لخطة الإنقاذ البالغة قيمتها 86 مليار يورو (96 مليار دولار) قد يتعرض للخطر، وقد يقوض ذلك الثقة بالاتفاق عمومًا.
* التفاوض الجماعي
وأشار وزير العمل اليوناني قبل ساعات قليلة من محادثات أجراها مع رؤساء بعثة الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي يوم الخميس الماضي بشأن مدى تقدم خطة إنقاذ اليونان، إلى أن أثينا قد تحارب من أجل الحفاظ على «حق التفاوض الجماعي»، واصفًا صندوق النقد بأنه «لاعب متشدد». وأوضح كاتروجالوس أن حكومته تريد إعادة نظام التفاوض الجماعي لأنه أساس النموذج الاجتماعي الأوروبي، وفي برامج الإنقاذ السابقة جرى إضعاف نظام التفاوض الجماعي.
ويقول الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي إن القوة العاملة «غير المرنة» أسهمت في عدم قدرة اليونان على المنافسة، بما أسهم بدوره في الضائقة الاقتصادية، لكن مصادر قريبة من الدائنين تشير إلى أن صندوق النقد بصفة خاصة يعارض أي محاولة من أثينا لإحياء نظام التفاوض الجماعي القديم. وأفاد كاتروجالوس بأن هناك تدابير رفضها بالفعل أرباب الأعمال في اليونان، وقد وصلنا إلى نقطة لم يعد بإمكاننا فيها التساهل مع تدهور وضع العمال اليونانيين.
وعلى الحكومة اليونانية اليسارية أن تقدم برنامج إصلاحات جديدًا من أجل الحصول على شريحة جديدة من القروض بقيمة 2.8 مليار يورو بحلول نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي، على أن تباشر بعدها مفاوضات حول تخفيف أعباء الدين عليها. وأكد صندوق النقد الدولي أنه لن يشارك ماليًا في خطة المساعدة الجديدة التي أقرتها دول منطقة اليورو لليونان، ما لم يتوصل الأوروبيون إلى اتفاق لخفض عبء الدين بشكل كبير على هذا البلد.
* إجراءات قاسية
وبالنسبة لهؤلاء الذين يصنفون على أنهم يعملون لحسابهم الخاص في اليونان، فسوف يواجهون التزامات ضريبية أكثر صعوبة في عام 2016 وعام 2017. وبموجب خطة حكومية لتلبية مطالب الإنقاذ الثالث لليونان، سوف تكون هناك حاجة إلى قيام جميع الأفراد العاملين لحسابهم الخاص بدفع 75 في المائة من ضرائبهم في عام 2016 على أساس أرباح العام الماضي، حتى لو لم يحققوا أي دخل يذكر في العام الحالي. وفي عام 2017 سترتفع هذه النسبة إلى 100 في المائة.
واعتراضًا على خطط التقشف التي تريد الترويكا تطبيقها بطريقة قاسية، شارك نحو 15 ألف محتج في مظاهرات مناوئة للحكومة قبل زيارة إلى اليونان يجريها عدد من مفتشي الإنقاذ وخطط الحكومة اليسارية لفرض مزيد من إجراءات التقشف بعد سنوات من المتاعب الاقتصادية. ذلك بعد أن قضت اليونان الجانب الأكبر من السنوات الثماني الأخيرة في ركود اقتصادي، وتمر الآن بثالث جولة من إجراءات التقشف المرتبطة ببرامج إنقاذ دولية. وحقق اقتصاد اليونان وتيرة نمو محدودة في الربع الثاني من العام الحالي، وأظهرت بيانات حديثة أن الاقتصاد البالغ حجمه 176 مليار يورو، أي 196.8 مليار دولار، نما بنسبة 0.2 في المائة في الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) الماضيين، بما يقل قليلاً عن تقديرات سابقة بنموه 0.3 في المائة، وذلك يعود بالأساس إلى ضعف إنفاق المستهلكين وصافي الصادرات.
وأشارت البيانات إلى أن اقتصاد اليونان انكمش 0.9 في المائة على أساس سنوي في الربع الثاني، مقارنة مع توقعات أولية بانكماش نسبته 0.7 في المائة. في حين يتوقع خبراء الاقتصاد ركودًا محدودًا للعام بأكمله. وتتوقع المفوضية الأوروبية والبنك المركزي اليوناني انكماشًا اقتصاديًا نسبته 0.3 في المائة خلال العام الحالي، بينما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انكماشًا أقل نسبته 0.2 في المائة.



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.