إبيكتيتوس: العبد الأعرج فيلسوفًا رواقيًا مثاليًا

علمنا كيف نغير ذواتنا حينما تكون الظروف خارج السيطرة

إبيكتيتوس
إبيكتيتوس
TT

إبيكتيتوس: العبد الأعرج فيلسوفًا رواقيًا مثاليًا

إبيكتيتوس
إبيكتيتوس

يروى أن الفيلسوف إبيكتيتوس، كان عبدا لشخص يدعى «إبافروديت». وذات يوم قرر سيده أن يلهو به بطريقة غريبة، وهي ليّ ساقه بآلة للتعذيب. فقال له إبيكتيتوس: «إنك ستكسر رجلي». لكن سيده لم يأبه لذلك، وتمادى في ليّها، وإبيكتيتوس يتحمل صابرا ولا يبدي جزعا، حتى كسرت ساقه. ولم يقل بعدها، سوى: «ألم أقل لك يا سيدي إنك ستكسر ساقي؟».
بالطبع، هذا الحادث سيجعل إبيكتيتوس يعيش بقية حياته، يعاني من ضعف الجسم وعرج الساق، لكنه يظهر لنا أيضا، وجها من فلسفته المنتمية إلى المدرسة الرواقية، التي تدعو إلى ضرورة الثبات عند الشدائد، والخضوع لتصرفات القدر، والصبر على المدلهمات، والسيطرة على الانفعالات العنيفة.. فمن هو إبيكتيتوس؟ وما أبرز ملامح مواقفه الرواقية؟
لمعالجة هذا الأمر، سنعتمد بالأساس، على كتاب إبيكتيتوس «المختصر»، الذي ترجمه إلى العربية وشرحه وعلق عليه، الدكتور عادل مصطفى، وأصدرته دار «رؤية» سنة 2015.

من هو إبيكتيتوس؟

يعد إبيكتيتوس من أهم فلاسفة الرواقية المتأخرين. وهو لم يكتب، شأنه شأن الفيلسوف سقراط. ويعود الفضل في كتابة سيرته وتوثيق أخباره وكتبه، لتلميذه فلافيوس آريانوس، الذي قام بمثل ما قام به أفلاطون مع أستاذه سقراط.
ولد إبيكتيتوس عام 50م، في مدينة تدعى هيرابوليس، في آسيا الصغرى (تركيا حاليا)، لوالد غير معروف، وأم جارية تعلم منها اليونانية. وقد ولد إبيكتيتوس عبدا، ولم تتح له فرصة التعلم. وحتى كلمة «إبيكتيتوس» مجرد لقب وليست اسمه الحقيقي، وتعني حرفيا باليونانية: «الشخص المقتنى» أو «العبد». وقد صار إبيكتيتوس، ينتقل من سيد إلى سيد، ومن مدينة إلى أخرى، إلى أن أصبح عبدا لرجل يدعى إبافروديت. وهو سكرتير الإمبراطور نيرون، وربما كان سيدا سيئًا. ويكفي أنه كسر له رجله لهوا، إلا أنه على الرغم من ذلك، قد قام بعمل جليل يشكره التاريخ عليه. فهو حالما اكتشف موهبة عبده، منحه مباشرة تعليما حرا. وقد كان التعليم آنذاك امتيازا. بل أرسله ليستمع إلى محاضرات الفيلسوف الرواقي البارز، آنذاك، موسونيوس روفس. وبعد الدراسة بسنوات، أصبح إبيكتيتوس فيلسوفا. وقد كان محظوظا، لأن لقبه فيلسوفا سيتزامن مع حصوله على حريته من سيده شديد الصرامة، قانونيا، وباعتراف «البريتور»، وهو القاضي الكبير عند الرومان. فأصبح مواطنا يعيش في روما في بيت صغير شبه متهدم ودون باب، ولا يوجد فيه سوى مائدة وحصير ومصباح من الحديد. وقد سرق منه المصباح الحديدي ليغيره بمصباح من الطين. عموما، كانت الوحدة والبساطة سمتي حياته. ويحكى أنه ذات يوم وجد طفلا متروكا بلا مأوى، فقرر أن يعوله مستخدما امرأة فقيرة للعناية به.
عندما تولى الإمبراطور دوميتيان الحكم، أصدر أمرا بطرد الفلاسفة من إيطاليا. وهجر إبيكتيتوس نحو سنة 91م روما، ليستقر في مدينة نيقوبوليس ببلاد اليونان، وفتح بها مدرسة، أصبحت تستقبل الطلاب أفواجا. وكان كثير منهم من علية القوم، أي من الشبيبة الأرستقراطية الرومانية. وكانوا يحرصون على الاستماع إلى دروس الفيلسوف العبد الأعرج. فحصل إبيكتيتوس على المجد والشهرة، من دون أن يسعى إلى ذلك، حتى قيل إن الناس كانت تقصده للشفاعة والوساطة.
ينتمي إبيكتيتوس إلى قمم الرواقيين أمثال المؤسس زينون، (355/ 263ق.م، وخريسيبوس (280/ 206ق.م)، والفيلسوف الشاعر الروماني سينيكا (4/ 65ق.م) والإمبراطور ماركوس أوريليوس (121/ 180م). إلا أن ميزة إبيكتيتوس، كانت في تطبيقه الصارم لتعاليم الرواقية. فحياته كانت صورة صادقة لفلسفته. كان يطبق ما كان ينادي به، فعاش حياة البسطاء مع القليل من الرزق، خيرا وصبورا، متحملا للنائبات. وكان عكسه مثلا، الفيلسوف سينيكا، الذي لم يلتزم برواقيته في سلوكه، فهو على الرغم من احتقاره المال، جمع ثروة هائلة، كما تورط في بعض المؤامرات وجرائم القصر الإمبراطوري.
ترك لنا إبيكتيتوس مؤلفين؛ هما: «الأحاديث» و«المختصر»، وهو لم يدون شيئا كما أشرنا. والفضل في بقاء كنوزه، يعود إلى تلميذه آريانوس الذي سجل خطب إبيكتيتوس باللغة اليونانية، التي كانت لغة الكلام والكتابة في ذلك الوقت. فكتاب «الأحاديث» هو، في الحقيقة، 8 كتب، لم يبق منها سوى 4 كتب، تضم 95 فصلا، عبارة عن خواطر نفسية وأخلاقية. أما كتابه «المختصر»، فهو ذائع الصيت، وكان يستعمله حتى رهبان الأديرة، ويضم 53 شذرة تعد أثمن متن في الأدب الرواقي، بل في الأدب الأخلاقي بوجه عام، ويمتاز بعبارات وجيزة ومركزة.
نقش على شاهد قبر إبيكتيتوس العبارة التالية: «عبد أعرج معوز.. ولكن عزيز لدى الآلهة». أحبه الإمبراطور هادريان وزاره في مدرسته في نيقوبوليس؛ بل اقتبس منه الإمبراطور الرواقي، ماركوس أوريليوس، كثيرا في كتابه «التأملات»، وأثنى عليه القديس أوغسطين. أما الفيلسوف بليز باسكال، فكان يعتبر أحاديث إبيكتيتوس أعز ما يقرأ.

فلسفة إبيكتيتوس

تعد الشذرة الأولى من مؤلف «المختصر»، خلاصة الأخلاق الرواقية. وهي بعنوان: «ما في قدرتنا وما ليس في قدرتنا»، حيث يوضح فيها إبيكتيتوس الموقف الرواقي الذي يفرق فيه المرء بين الأشياء التي له؛ أي التي في قدرته وتحت قبضة إرادته، والأشياء التي تخرج عن أمره؛ أي تلك الخارجة عن قدرته والمتجاوزة له. بعبارة أخرى، على الحكيم الرواقي أن يسأل نفسه: فيم يثق الإنسان؟ أكيد ليس في المال والممتلكات، أو الجسد والصحة، أو المجد والمنصب والمكانة، فهي أمور خارجة عن سيطرتنا، لكن يمكن الثقة، كل الثقة، في إدراكاتنا واختياراتنا وأفكارنا وأحكامنا على الأشياء، فهي الوحيدة التي توجد في إطار سيطرتنا. باختصار، علينا أن نفحص الأشياء، فإذا وجدناها لا تقع تحت تحكمنا، فلا ينبغي أن نعيرها وزنا. وكمثال توضيحي لذلك، نتجه صوب الشذرة الخامسة، التي تعالج قضية الموت. يقول إبيكتيتوس: «ليست الأشياء ما يكرب الناس، ولكن أحكامهم عن الأشياء. الموت مثلا ليس مريعا.. وإنما المريع هو الحكم بأن الموت مريع. لذا فعندما ينتابنا الإحباط أو الاضطراب أو الحزن، فإن علينا ألا نلوم غير أنفسنا، أعني غير أحكامنا نحن. أن يلوم المرء الآخرين على ما أصابه، فذلك من شيمة الجاهل. أما بداية العلم، فأن تلوم نفسك، وأما تمام العلم، فألا تلوم نفسك ولا غيرك».
إن إبيكتيتوس خصوصا، والرواقية عموما، يؤكدان على أن الضرر لا يكون إلا ذاتيا، وهو ليس موضوعيا أبدا.. فالمشكلة ليست في العالم الخارجي، بل في تصوراتنا، فالإنسان ضحية نفسه، فالموت لا حيلة لنا فيه، ولكن يمكن التحكم في الخوف من الموت، فهذا نقدر عليه. يقول إبيكتيتوس: «من التعس أن تنضج أكواز الذرة ثم لا تحصد، ومن التعس أن يكبر الإنسان ثم لا يموت». وعلى الحكيم الرواقي، الإيمان بالقدر والخضوع له من دون تلكؤ.
إن خلاص الإنسان أو تلفه بيده.. فإذا كان قدري أن أصفد بالأغلال، فبإمكاني ألا أئن وأعول. وإذا كان محتما علي النفي، فبمقدوري أن أذهب للمنفى مبتسما ومنشرحا. وإذا كان ينبغي أن أموت، فيمكن أن أموت راضيا من دون خوف. لهذا نجد إبيكتيتوس يؤكد أنه ليس لزاما أن نتخلص من الفقر، بل المهم هو التخلص من فكرتنا عن الفقر لنكون في أحسن الأحوال. فالرواقي النموذجي، يصحح ذاته وتصوراته، ولا يكثرت لما تأتي به صروف الدهر.. فهو يجتهد لتصحيح الفكر، ليصحح الانفعال ويحوله من السلبي إلى الإيجابي.. على الرغم من المرض، فإنه سعيد. وعلى الرغم من الخطر، فإنه سعيد. وعلى الرغم من السجن، فإنه سعيد.. سأقول لك إنه رواقي مثالي.
يقول الدكتور عادل مصطفى، إن عبارة «تصحيح الفكر لتصحيح الانفعال»، لهي فكرة رواقية بسيطة، تلقفها السيكولوجيون المعاصرون، قصد علاج الأمراض النفسية، كالاكتئاب والقلق والخوف والهلع.. فتشغيل الفكر قادر على تحويل النفس. ناهيك بأنه يشير، في التفاتة نبيهة، إلى أن الرواقية يمكن أن تكون ترياقا ضد المادية الاستهلاكية المعاصرة، لأنها تعلم عدم اللهاث وراء الأشياء الخارجية، والاكتفاء بالعالم الداخلي، فهو الخلاص.
بكلمة ختامية نقول مع إبيكتيتوس: «أعطني فكرا، وخذ كل أشياء العالم».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».