«المسار الأموي» فرصة أخيرة للعرب لإعادة الاعتبار لإرثهم الأندلسي

نزاع خفي بين الوجودين الإسلامي واليهودي.. والغلبة للأخير

الكنيس اليهودي في طليطلة بهندسته الاسلامية ولونه الأبيض - مسجد قرطبة
الكنيس اليهودي في طليطلة بهندسته الاسلامية ولونه الأبيض - مسجد قرطبة
TT

«المسار الأموي» فرصة أخيرة للعرب لإعادة الاعتبار لإرثهم الأندلسي

الكنيس اليهودي في طليطلة بهندسته الاسلامية ولونه الأبيض - مسجد قرطبة
الكنيس اليهودي في طليطلة بهندسته الاسلامية ولونه الأبيض - مسجد قرطبة

يحب العرب والمسلمون عمومًا زيارة إسبانيا، لاكتشاف جزء من تراثهم. وغالبًا ما يذهب العربي إلى هناك، وفي ذهنه توقعات كبيرة بأن يرى من القصور والآثار التي بقيت بعد ثمانية قرون من الإسلام، ما لم يتمكن أهل منطقته من الحفاظ عليه، بسبب الحروب أو الجهل والإهمال. لكن زيارة إسبانيا، والأندلس خاصة، تنتهي بخيبة أمل، إذ إن جلّ ما يتم التركيز عليه سياحيًا من الآثار الإسلامية هما عنوانان فقط، مسجد قرطبة الذي صار كاتدرائية ومركزًا دينيًا، وبنيت كنيسة في داخله منذ القرن السادس عشر، بحيث لم يبقَ من الجزء الإسلامي ما يمكن أن يعطي فكرة واضحة وجلية عن هذا البناء الضخم الذي كان مركزًا ثقافيًا ليس لإسبانيا وحدها بل لكل أوروبا. أما العنوان الثاني فهو «قصر الحمراء» بروعة هندسته، وموقعه الجبلي الخلاّب المطل على مدينة غرناظة من عل، وهو أيضًا تعرّض كثيرًا للدمار والخراب وإعادة البناء والأجزاء التي لم تمسّ منه ليست كثيرة، نسبة إلى حجمه الأصل.
وما عدا ذلك، فكل ما ستراه عيناك، هي بعض المعالم الصغيرة، التي يبدو أن ثمة تضاربًا حول تاريخها، وقصورًا تقرأ أن المسلمين بنوها، ثم سرعان ما تجد معلومات مضادة تقول إنه تم تخريبها، وإصلاحها وفق رؤية جديدة. أما ما يثير الاستغراب فهو التركيز من قبل المكاتب السياحية وأدلتها، الذين غالبًا ما ينظمون الجولات للزوار ويقررون الأماكن الأهم التي عليهم أن يروها، فهو الإصرار دائمًا على رؤية ما يسمى الحي اليهودي، في كل مرة تحط فيها بمدينة أندلسية، لا يزال فيها مثل هذه المناطق بينما عليك أن تنقب بنفسك لتعثر على الآثار الإسلامية التي هي موجودة حولك، لكنك غالبًا ما تمر بها، ولا تتم الإشارة إليها، رغم أنها بديعة وتستحق الزيارة. فلماذا يتم التركيز على معالم دون غيرها؟ ومن يسيّر النهج السياحي الثقافي الإسباني؟ وما مشروع «طريق الأمويين» الذي يتم العمل عليه رسميًا من قبل إسبانيا، ليمتد من أوروبا إلى وصولاً إلى لبنان وسوريا؟
غريس مانديس المتخصصة في التاريخ والإدارة السياحية، تعمل دليلاً سياحيًا منذ 25 عامًا، وتجوب إسبانيا مع الزوار من شمالها إلى جنوبها. وهي توافق على أن هذه الزيارات التي يتم تنظيمها لا تُعنى كثيرًا بالآثار الإسلامية باستثناء المعلمين الرئيسين «مسجد قرطبة» و«قصر الحمراء». وتضيف: «ليس عندي أي إجابة عن السبب الذي من أجله يتم التركيز على الأحياء اليهودية بشكل كبير، علما بأن إسبانيا باستثناء هذه الأحياء العادية، ليس فيها معالم يهودية مهمة إلا القليل جدًا مقارنة بالمعالم الإسلامية». ومن هذه المعالم التي تتم زيارتها «الكنيس» اليهودي في طليطلة، تم بناؤه من قبل المسلمين، بناء على طلب اليهود. وقد بنوه لهم وفق الهندسية الإسلامية ليمارسوا فيه شعائرهم، مما يدلل على مدى التسامح الكبير بين الدينين في الأندلس وحرارة العلاقات بين الطرفين.
لا تنكر مانديس أن ثمة آثارًا إسلامية كثيرة في الأندلس لا يُلقى عليها الضوء. وتشرح: «لقد بقي المسلمون من سنة 711 إلى عام 1492، ونحن كإسبان نشعر بالفخر بهذا التاريخ، لأنه كان استعمارًا إيجابيًا. فمن سوريا جاءنا في تلك الفترة أطباء وفنانون وفلاسفة وأدباء، وما تركوه ليس فقط بعض المعالم المعمارية الجميلة، وإنما ثقافة راقية أصبحت جزءًا من ثقافتنا الحياتية، ونحن محظوظون بذلك».
وبالعودة إلى الآثار العربية والإسلامية تعترف غريس بأنها كثيرة وموجودة من شمال إسبانيا إلى جنوبها وليست حكرًا على الأندلس كما يُشاع، وبعض المدن الشهيرة فيها. وتقول: «في المدن الأندلسية الجنوبية، ما زالت هناك آثار كثيرة، وفي القرى والبلدات، تتوزع معالم من ذلك الوقت تستحق المشاهدة والاستمتاع بجماليتها»، وتلفت هذه السيدة التي زارت المنطقة العربية وتذوقت تاريخها لا سيما تدمر وجرش، إلى أن «العرب وصلوا إلى مدريد ومناطق شمالية، فإذا كانت الآثار الإسلامية لم تعد تقريبًا موجودة في مدريد بسبب كثرة الحروب التي مرت بها، فهناك معالم مهمة، في مدينة سرقسطة، وهذا نادرًا ما يتم التحدث عنه أيضًا». وسرقسطة الواقعة على مبعدة 325 كلم شمال شرقي مدريد، فيها قصر الجعفرية، أحد أبرز معالم المدينة، بناه الملك أبو جعفر أحمد المقتدر في القرن الحادي عشر وحوله خندق وله قلاع.
وكعادة العرب في إسبانيا، فقد تخير أجمل المواقع وأكثرها سحرًا ليشيد هذا البناء. لكن ليس هذا القصر هو وحده الموجود تقول غريس، وإنما قصور جميلة أخرى تستحق اكتشافها من قبل الزائر.
لا تخفي غريس أن عاملين قد يكون لهما تأثير على خيارات السياحة الثقافية في إسبانيا، كما يروج لها حاليًا، أحدهما تأثير أميركي لا تبدي حماسة للدخول في تفاصيله، والأمر الثاني هو الشعور بالذنب اتجاه اليهود بسبب محاكم التفتيش ضدهم في القرن السادس عشر، التي كانت تخيرهم بين دخول المسيحية أو الهجرة، وقد هاجر كثير منهم، لكن آلافًا قتلوا. وهذه الحوادث لا تزال تلحّ على أوروبا كلها، فلقد امتدت محاكم التفتيش إلى إيطاليا وفرنسا والبرتغال وبريطانيا أيضًا.
التكفير عن الذنب لا يتسع ليشمل المسلمين الذين قتلوا أيضًا. لكن حين تستمع إلى دليل سياحي آخر يأتيك الجواب بأن «العرب كانوا استعمارًا آتيًا من الخارج، والصراع معهم كان مبررًا، لكن لماذا قتل اليهود، في موجة تعصب كاسحة اجتاحت أوروبا؟».
كان المسلمون حكامًا في إسبانيا عنوا بالثقافة والعلم وسعة المعرفة، فيما تميز اليهود في الأندلس في تلك الفترة بأنهم قبضوا على مفاصل الحياة الاقتصادية، وقد يكون هذا النفوذ المالي الكبير هو ما أثار الضغينة ضدهم، إضافة إلى العامل الديني طبعًا. الاجتهادات التاريخية لتفسير ما حدث بعد خروج المسلمين من الأندلس كثيرة، لكن النتيجة واحدة؛ ثمة إهمال شديد بالتعريف بالإرث الإسلامي مقابل اعتراف مبالغ به فيما تركه اليهود. والأسباب ليست موضوعية بالتأكيد.
هل بدأت تتوازن الخيارات الإسبانية؟ وهل مشروع «المسار الأموي» الذي أطلقته إسبانيا، سيعيد الحياة إلى الآثار الإسلامية في جنوب إسبانيا وشمالها وصولاً إلى المنطقة العربية؟ وهل يمكن لهذا المشروع أن يكون ناجعًا فعلا دون جهد عربي كبير؟ المشروع سياحي بامتياز يربط بين 200 قرية ومدينة في الأندلس ترك فيها الأمويون والمسلمون عمومًا آثارهم، بهدف تحويلها إلى مزارات للسياح يتعقبون فيها هذه الحضارة العربية الإسلامية، وسط المناظر الطبيعية المتوسطية الخلابة. المشروع يمتد بالتعاون مع بلدان كثيرة ليصبح عابرا لثلاث قارات وسبع دول. «مؤسسة التراث الأندلسي» في إسبانيا هي التي تدير المشروع ويفترض أن العمل به قد بدأ العام الماضي. ممثل عن «مؤسسة التراث الأندلسي» كان قد زار لبنان منذ ما يقارب العامين، وقال في مؤتمر صحافي لإطلاق المشروع الذي سيمر في بلاد الأرز أيضًا: «إن هذا المشروع يتضمن تنظيم أنشطة منسقة تحقق تلاحما أكبر بين دول المتوسط التي تحتضن التراث الأموي، لما بينها من مشتركات»، بالتأكيد هناك جانب استثماري سياحي تسعى إليه إسبانيا، لكن قد يكون إيجابيًا للعرب. فالتسويق سيجري عبر موقع متخصص ومن خلال عقد ندوات وموائد مستديرة، ومنتديات وحملات تعريفية، والنتيجة النهائية وبعد عمل سيستغرق 15 شهرا «للتعريف بخريطة طريق أموية تمتد من الشرق إلى الغرب، من آسيا مرورا بأفريقيا وصولا إلى أوروبا».
هذا العمل يحتاج إلى اهتمام عربي ووعي بالتراث الإسلامي الموجود في جزء من أوروبا والعمل على الترويج للتعريف به. فهل ينجح العرب هذه المرة في الامتحان؟ خصوصًا أن الحاجة ماسة والسياحة الثقافية باتت جزءًا من الاستثمارات التجارية التي يحسب لها ألف حساب، فيما يحاول الكل أن يقدم تراثه ويبرزه باعتباره الأهم والأجدر بالبقاء.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».