بعد 15 عامًا.. كشف حساب «الحرب على الإرهاب»

7 آلاف جندي أميركي قتيل و50 ألف جريح في حربي العراق وأفغانستان بتكلفة زادت عن 6 تريليونات دولار

لحظة الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي قبل 15 عاما («الشرق الأوسط»)
لحظة الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي قبل 15 عاما («الشرق الأوسط»)
TT

بعد 15 عامًا.. كشف حساب «الحرب على الإرهاب»

لحظة الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي قبل 15 عاما («الشرق الأوسط»)
لحظة الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي قبل 15 عاما («الشرق الأوسط»)

في ديسمبر (كانون الأول)، وأثناء شهادتي أمام اللجنة الفرعية المعنية بالخدمات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ، طرح علي السؤال التالي: «مرت ثلاثة شهور منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ولم يقع أي شيء آخر، فهل يمكن القول: إننا اجتزنا الأمر برمته؟».
كنت واثقا من أن السيناتور الذي يطرح السؤال يعني ما إذا كنا قد تجاوزنا الخطر الفوري المتعلق بالتعرض لهجوم آخر بحجم هجمات 11 سبتمبر ـ التي تحولت للهاجس الأكبر للأميركيين ـ لكنني أجبت أنه من المحتمل أن نخوض نضالاً طويلاً يستمر لسنوات عدة. والآن، ورغم مرور 15 عامًا، لم ننته من هذا الأمر بعد.
من غير الواضح حتى الآن إلى متى سيستمر هذا النضال، وإن كان ذلك أمرًا غير مثير للدهشة، ذلك أن الحروب الطويلة بطبيعتها تفتقر إلى المؤشرات التي يمكن أن تنبئ عن عدد الأميال المتبقية قبل أن نصل وجهتنا المنشودة. على سبيل المثال، لم تكن جيوش أوروبا الوسطى مدركة عام 1633 أنها وصلت منتصف الطريق فيما عرف بـ«حرب الأعوام الثلاثين». وبالمثل، لن ندرك متى قربنا أو بعدنا عن خط النهاية حتى تضع الحرب أوزارها بالفعل.
ومع ذلك، فلنفترض أنني كنت قد وهبت منحة التنبؤ واستشراف المستقبل، وأخبرت أعضاء مجلس الشيوخ عام 2001 أننا بعد 15 عامًا من «الحرب العالمية ضد الإرهاب» سنكون ما نزال نطارد تنظيم «القاعدة» والجماعات المنبثقة من تحت مظلته، فإن هذا القول بالقطع كان ليثير الصدمة، رغم حقيقة أن كثيرا من المحللين توقعوا أن تستمر الحرب طويلاً.
ورغم أن توصيف «الحرب الطويلة» قوبل بالرفض آنذاك، كشفت الأيام أن الحرب في أفغانستان والعراق تحولتا إلى أطول حربين في التاريخ الأميركي. وقد استمرت جهود الحربين على مدار فترتي ولاية رئيسين، تولى كل منهما الرئاسة لفترتين كل منهما أربع سنوات. والمؤكد الآن أن الرئيس أوباما سيسلم راية قيادة «الحرب ضد الإرهاب» للرئيس القادم.
الملاحظ أن استخدام لفظ «حرب» خلق توقعات غير واقعية، حيث ينظر غالبية الأميركيين إلى الحرب باعتبارها مهمة لها أجل محدد، لكن الحقيقة أن الصراعات من عينة «الحرب ضد الإرهاب» يمكن أن تستمر لسنوات كثيرة. مثلاً، استغرق الأمر من البريطانيين ربع قرن لقمع الحملة الإرهابية التي شنها الجيش الجمهوري الآيرلندي. وبالمثل، فإن الصراعات الداخلية الراهنة بأفغانستان قائمة بصورة أو بأخرى منذ مطلع سبعينات القرن الماضي. ومع أن «القاعدة» أعلنت الحرب ضد واشنطن عام 1996. منذ 20 عامًا، فإن خصومنا ينظرون لهذا الصراع باعتباره انطلق منذ قرون ماضية وسيبقى مشتعلاً حتى يوم القيامة. وبالفعل، تحذر بعض الأصوات داخل الولايات المتحدة من حرب بلا نهاية.
من ناحية أخرى، فإن أعضاء مجلس الشيوخ عام 2001 كانوا سيسعدون قطعًا لو أنهم علموا آنذاك أنه بحلول عام 2016 بقي أعداء أميركا الإرهابيون عاجزين عن شن هجوم جديد ضدها بحجم هجمات 11 سبتمبر ـ بل ولم يقتربوا حتى من ذلك. في الواقع، حتى في ظل تعريف «الإرهاب» الواسع الذي يتضمن الهجمات التي ينفذها أشخاص غاضبون، وأحيانًا يعانون أوضاعًا ذهنية غير مستقرة، فإن الإرهابيين منذ هجمات 11 سبتمبر تمكنوا من قتل أقل من 11 داخل الولايات المتحدة، ورغم إقرارنا بما تحمله هذه الحوادث من جوانب إنسانية مأساوية بالتأكيد، تظل الحقيقة أن متوسط قتلى يبلغ ستة أو سبعة سنويًا على أيدي متطرفين في بلد يبلغ متوسط ضحايا جرائم القتل به ما بين 14 إلى 15 ألفا سنويًا يشكل نتيجة أفضل بكثير عما كان يخشاه الكثيرون عام 2001.
بيد أن ثمة ثمنا فادحا وراء هذا الإنجاز، فبحلول أغسطس (آب) 2016، استقر عدد القتلى من الجنود الأميركيين في أفغانستان عند مستوى ألفين و383 قتيلاً، بجانب 4 آلاف و504 آخرين على صلة بحرب العراق التي جرى تصويرها من قبل مسؤولين حكوميين ويعتبرها غالبية الأميركيين امتدادًا للحرب ضد الإرهاب. وبذلك يرتفع مجمل الحصيلة إلى قرابة 7 آلاف جندي. ورغم تباين التقارير، فإن ما يقدر بعدة آلاف من المتعاقدين المدنيين الأميركيين قتلوا في خضم الحربين بأفغانستان والعراق، لتقترب المحصلة النهائية من نحو 10 آلاف قتيل. كما أسفرت الحربان عن إصابة نحو 50 ألف عسكري أميركي. أما إجمالي التكلفة المادية فتتراوح بين 4 و6 تريليونات دولار. والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا: هل كان أعضاء مجلس الشيوخ ليروا هذه التكلفة لحماية الوطن مقبولة؟

إحصاءات الإرهاب المضللة
في الوقت الذي تشن واشنطن حربًا لا هوادة فيها ضد الإرهاب، تشير بعض قواعد البيانات العامة إلى ارتفاع مجمل أعمال الإرهاب عالميًا منذ عام 2001. فهل ينبئ ذلك عن حدوث إخفاق ما؟
في الواقع، يمكن للإرهاب أن يتزايد أو يتضاءل لأسباب لا علاقة لها بالجهود الأميركية لتدمير جماعات إرهابية بعينها. تعكس بعض الزيادة قدرة أفضل على التغطية الإعلامية. بجانب ذلك، فإن التكتيكات الإرهابية بدأت تعتمد في العقود الأخيرة على الأنماط المميزة للصراعات المسلحة المتعلقة بالحروب. وعليه، فإننا عندما نواجه الإرهابيين عسكريًا، فإنهم يردون بتكتيكات إرهابية. وتعكس هذه الهجمات طبيعة وحدة الصراع، ولا تعتبر بالضرورة مقياسًا لإخفاق جهود مكافحة الإرهاب. وتتمثل الفرضية القائمة وراء التحركات الأميركية ضد الإرهابيين في أنه نظرًا لأنهم هاجموا الولايات المتحدة، فإنهم سيستمرون في ذلك حتى ولو لم تتعقبهم القوات الأميركية. وبالتالي، فإن ترك الإرهابيين دون مساس لن يمنحنا حصانة من شرهم.

تبدل الأهداف
إضافة لذلك، فإن تقييم التقدم يعتمد على كيفية تعريف الأهداف. وفي الحروب الطويلة، قد تتبدل الأهداف بمرور الوقت. مثلاً، بعد وقوع هجمات 11 سبتمبر مباشرة انصب الاهتمام الأكبر على منع وقوع هجوم آخر بذات الحجم أو أسوأ، الأمر الذي نجحت فيه الجهود الأميركية حتى الآن. بيد أن ثمة هدفا آخر تمثل في تدمير الكيانات المسؤولة عن هجمات 11 سبتمبر تمامًا لأسباب تتعلق بالوقاية والعدالة والردع لأي جماعات أخرى قد تحمل النوايا ذاتها. وعلى هذا الصعيد، تحقق بالفعل بعض التقدم.
إلا أنه بعد انطلاق الحرب ضد الإرهاب بفترة قصيرة، بدأ مسؤولون أميركيون في الحديث عن تدمير جميع الجماعات الإرهابية التي تلطخت يدها بدماء أميركيين أو ربما تشكل خطرًا على الأمن الأميركي. كما أن ضم حلفاء في الحرب الأميركية ضد الإرهاب استلزم وضع منظمات إرهابية تهدد هؤلاء الحلفاء على قائمة الأعداء. وعليه نجد أن ما بدأ كحملة ضيقة ضد «القاعدة» و«طالبان» التي ترعاها تحول إلى حملة واسعة ضد مجموعة من التنظيمات المتفرقة بمختلف أرجاء العالم.
واليوم، يتحدث مسؤولون أميركيون عن تدمير أخطر الجماعات الإرهابية، وحماية من يتهددهم خطر الإرهاب، ومنع وقوع جرائم إرهابية، وحرمان الإرهابيين من الملاذات الآمنة، وإصلاح الأوضاع بالدول الفاشلة، والتصدي للتطرف العنيف، وتغيير الظروف التي تسهم في التحول إلى التطرف والعنف ومهاجمة الأسباب الجذرية للإرهاب. والمؤكد أن محاولة تحقيق مثل هذه الأهداف يكفل استمرار الصراع لأجيال ومواجهة الكثير من الإحباطات.
أما التساؤل الذي يطرحه غالبية الأميركيين فهو: «هل أصبحنا أكثر أمنًا الآن؟» في الواقع، إذا كان المقياس الرئيسي للتقدم جعل الأميركيين أكثر أمنًا، فإن السلطات قد أبلت بلاءً حسنًا للغاية. وكان من شأن التعاون بين وكالات الاستخبارات وسلطات فرض القانون حول العالم جعل بيئة العمل الخاصة بالإرهابيين أكثر عداءً، في الوقت الذي كشف محققون فيدراليون وقوات الشرطة المحلية وأحبطوا قرابة 90 في المائة من المخططات الإرهابية الجهادية داخل الولايات المتحدة. ومع إضافة حقيقة أن متوسط أعمال القتل سنويًا بالولايات المتحدة تراجع بمعدل نحو 10.000 منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، يتضح أن الولايات المتحدة بالتأكيد أصبحت أكثر أمانًا. ومع ذلك، فإن الصورة لدى الرأي العام مختلفة، ذلك أن الهجمات الإرهابية اللافتة للأنظار، خاصة في ظل حرص الإرهابيين على قتل الأبرياء في المطاعم والحفلات الموسيقية والمطارات وما إلى غير ذلك، تخلق انطباعًا عامًا بأنه لا أحد في مأمن، بمعنى أن الطابع العشوائي لأعمال العنف يخلق المخاطرة بكل مكان.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended