«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (8) : كثرة الأفلام ذات المزايا تجعل توقعات الجوائز صعبة

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (8) : كثرة الأفلام ذات المزايا تجعل توقعات الجوائز صعبة

عشية إعلان النتائج
السبت - 8 ذو الحجة 1437 هـ - 10 سبتمبر 2016 مـ
من فيلم أندريه كونتشالوفسكي «فردوس» - «على طريق الحليب» لكوستاريتزا
فينيسيا: محمد رُضا
مهرجان فينيسيا يشارف على الانتهاء بعد عشرة أيام حفلت بالأفلام والتوقعات ووصل إلى الساعات الأخيرة التي على لجنة التحكيم الاختيار بين الأفلام التي تراها جديرة بالجائزة الأولى، ثم الثانية، وبالمهارات والمواهب التي تستحق منحها جوائز أولى مماثلة.

عشرون فيلما في المسابقة الرئيسية، وهناك مسابقات أخرى مهمة أحيلت إلى لجان أخرى شهدت نسبة عالية من الأفلام الجيدة. من بين هذه النسبة ثلاثة أفلام من الصعب جدًا تجاوزها وسيكون من الصعب أكثر قبول خروجها من دون جوائز أولى.



سريالية

هذه الأفلام هي «سفر زمني: رحلة حياة» لترنس مالك (الولايات المتحدة)، و«فردوس» لأندريه كونتشالوفسكي (روسيا)، و«على طريق الحليب» لأمير كوستاريتزا (صربيا، بريطانيا، الولايات المتحدة). ليس لأنه ليست هناك أفلام أخرى سوف تطرح بقوّة على طاولة بحث لجنة التحكيم التي يرأسها المخرج البريطاني سام مندس، من بينها «فرانتز» لفرنسوا أوزون (فرنسا) و«جاكي» لبابلو لوران (الولايات المتحدة) و«وصول» لكلود فيلنفييف (الولايات المتحدة)، لكن أفلام مالك وكونتشالوفسكي وكوستاريتزا من القوّة البصرية وقوة المضمون بحيث لا يمكن تجاوزها طالما السينما ولغتها وثقافتها هي الحكَم.

ما خسره مهرجان «كان» فاز به مهرجان فينيسيا. كل من «على طريق الحليب» و«سفر زمني» كان من المتوقع عرضه في مهرجان كان، في مايو (أيار) المنصرم، لكن تبين سريعًا أن فيلم ترنس مالك يحتاج، بسبب دقة مخرجه، إلى أشهر قبل أن يكون جاهزًا، بينما حدثت جلبة كبيرة بين إدارة مهرجان «كان» والمخرج كوستاريتزا بعدما تردد أن إدارة المهرجان رفضت فيلم كوستاريتزا؛ لأنها لم تعجب به. هذا غريب لأن بعض ما عرض في «كان» ليس أفضل حالاً على الإطلاق، بل هناك سنوات ضوئية بين مستوياتها ومستوى هذا الفيلم المبهر بأفكاره وطريقة المخرج في معالجة موضوعه.

كوستاريتزا أعلن حينها أن الفيلم رفض ثم أعلن أن الفيلم لم يكن جاهزًا وأنه مستمر في توليفه. مهما كان السبب الحقيقي لما دار حينها، فإن الفيلم انتهى إلى مهرجان فينيسيا نافيًا كل ما أشيع عنه سابقًا من أنه أضعف أعمال كوستاريتزا. الواقع إنه من أبدع أعماله: مزيح من حكاية حب غارقة في الشغف الإنساني تقع في قرية تُـقصف ليل نهار (خلال حرب الدويلات اليوغوسلافية) وتنضح بمشاهد رمزية وسريالية. على المرء مشاهدة الفيلم مرّة ثانية لحفظها.

كوستاريتزا يقوم بالدور الرجالي الأول مؤديا شخصية قروي عادي يؤمن جلب الحليب فوق طريق ريفية خطرة ممتدة بين المزرعة والقرية. يحب فتاة المزرعة لكن امرأة إيطالية تصل إلى القرية تفتنه. الحرب الضروس تشتعل وكل الأحلام تتهاوى لكن الحب هو الذي يقود الرجل وامرأته هربًا من الكوارث ولو أن هذا الهروب بدوره يصل إلى طريق محدود.



تخمين صعب

فيلم كونتشالوفسكي (نصف شقيق الراحل أندريه تاركوفسكي) مختلف تمامًا ولو أنه عن زمن حرب أخرى، هي الحرب العالمية الثانية. ثلاثة (فرنسي وألماني وروسية) يروون جوانب الحكاية الواحدة التي جمعتهم. يجلسون (كل بمفرده) أمام كاميرا سينمائية صغيرة (8 أو سوبر 8 مم) ليقدم كل منهم شهادته عما حدث. ليس فيلم هولوكوست ولو أنه يتضمن إشارات، ورغم أن نصف أحداثه تقع في أحد المعسكرات النازية. لكنها معسكرات تحوي لا اليهود وحدهم بل الأسرى غير الألمان من المسيحيين أيضًا.

صوّره بالأبيض والأسود ليروي حكاية تلك المرأة الروسية العالقة في المعسكر بعدما ألقي القبض عليها في باريس المحتلة. ضابط ألماني يرتب لها سبيل النجاة لكن قرارها في النهاية هو أن تموت لإنقاذ حياة آخرين.

في نهاية الفيلم مفاجأة ستمحي آخر تردد البعض في اعتباره أحد أفضل ما حققته السينما في سنواتها الأخيرة ومفادها الموقع الذي تتم فيه تلك الشهادة.

هذه الأفلام، إذ تتسم بكونها أفضل ما مر، معرّضة، كما الحال دائمًا، لأن تقرر لجنة التحكيم، في لحظة يأس مثلاً، إهمال بعضها أو كلها وتوجيه الجوائز صوب أفلام أكثر قربًا من المستوى الوسطي للجمهور، كتلك الأفلام التي ذكرناها. وما يجعل التخمين صعبًا حقيقة أن كثيرا من الأفلام التي مرّت جيدة، مما يخلق منافسة مثالية بينها.

المنافسة أيضًا في عداد الممثلات والممثلين: إيما ستون في «لالا لاند» ومايكل فاسبيندر في «الضوء بين المحيطات» وإيمي آدامز وجايك جيلنهول في «حيوانات ليلية» وجوليا فيسكوفسكي في «فردوس» وداكوتا فانينغ في «بريمستون» ونتالي بورتمن في «جاكي».

معظم المواهب الصالحة أميركية، خصوصًا بين الممثلات. هناك بذل رائع من قبل الواردة أسماؤهن يتجاوز ما تمنحه معظم الممثلات الأوروبيات.

في نهاية المطاف، ومع كثرة الأفلام ذات المزايا، فإن التوقعات لا أهمية لها. وكما في كل مرّة، فإن مشارب أعضاء لجنة التحكيم قد تختلف تمامًا عن مشارب نقاد السينما، وهذه عن مشارب الجمهور.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة