كيري ولافروف يتحدثان هاتفيًا 45 دقيقة لبحث اتفاق التسوية

واشنطن تتأرجح بين تفاؤل الخارجية.. وتشاؤم وتهديد من البنتاغون

رجل من قرية داعل بريف درعا جنوب سوريا يتأمل الدمار الذي لحق بالمكان على إثر غارة من طيران النظام أمس (رويترز)
رجل من قرية داعل بريف درعا جنوب سوريا يتأمل الدمار الذي لحق بالمكان على إثر غارة من طيران النظام أمس (رويترز)
TT

كيري ولافروف يتحدثان هاتفيًا 45 دقيقة لبحث اتفاق التسوية

رجل من قرية داعل بريف درعا جنوب سوريا يتأمل الدمار الذي لحق بالمكان على إثر غارة من طيران النظام أمس (رويترز)
رجل من قرية داعل بريف درعا جنوب سوريا يتأمل الدمار الذي لحق بالمكان على إثر غارة من طيران النظام أمس (رويترز)

في الوقت الذي من المفترض أن تنطلق فيه محادثات بين وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي جون كيري يومي الثامن والتاسع من سبتمبر (أيلول) في جنيف؛ لبحث الاتفاق حول الأزمة السورية، صدرت من موسكو وواشنطن معلومات متضاربة حول احتمال انعقاد مثل ذلك اللقاء، في حين صدر تصريح من وزارة الخارجية الروسية، مساء أمس، يقول: إن وزير الخارجية الروسي ونظيره الأميركي بحثا، هاتفيا، التعاون المحتمل بين البلدين لهزيمة الجماعات الإرهابية الناشطة في سوريا.
وأضافت الوزارة، أن المحادثة الهاتفية جاءت بعد مباحثات بشأن سوريا بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي باراك أوباما في الصين قبل أيام. وبحث الوزيران أيضا التعاون المحتمل لتسهيل تسليم المساعدات الإنسانية، والتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية.
وتناقلت وسائل إعلام أميركية معلومات تبقي احتمال انعقاد لقاء لافروف – كيري، الفعلي، رهنا بموافقة روسيا على مقترحات قدمها أوباما لبوتين خلال محادثاتهما مؤخرًا على هامش قمة العشرين.
وتأرجح موقف الولايات المتحدة من المفاوضات مع روسيا حول اتفاق لوقف الأعمال العدائية في سوريا ما بين موقف للخارجية الأميركية يتفاءل بتحقيق بعض التقدم، وبين موقف وزارة الدفاع الأميركية الذي يلوح ويهدد ويتشاءم من الموقف الروسي والمساندة الروسية لنظام الأسد.
ففي الخارجية الأميركية، أكد مارك تونر، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، أن جون كيري تحدث مع نظيره الروسي سيرجي لافروف لمدة 45 دقيقة حول التحديات المتبقية التي يحتاجون إلى التغلب عليها من أجل التوصل إلى اتفاق، مشيرا إلى أن الجانبين لم يصلا بعد إلى الاتفاق المرجو، مبديا التفاؤل بإمكانية إحراز تقدم خلال المحادثات. وأوضح تونر، أن الوزيرين سيجتمعان مرة أخرى، من أجل مواصلة المناقشات، دون أن يحدد موعدا للاجتماع، أو يؤكد اجتماعا وجها لوجه بين الوزيرين.
في المقابل، تحدث وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، بلهجة غاضبة في حواره لشبكة «سي إن إن»، مساء أول من أمس، محملا روسيا مسؤولية تصرفات رئيس النظام بشار الأسد، والفشل في التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار في سوريا
وقال كارتر «يمكن لروسيا أن تستخدم نفوذها للمساعدة في وضع حد لهذه الحرب الأهلية، وهم يتحملون مسؤولية النتائج المترتبة على هذه الأشياء التي يمكن تجنبها». وأشار كارتر إلى الهجوم على شرق حلب الثلاثاء الماضي ببراميل غاز الكلور في حي تسيطر عليه قوى المعارضة السورية.
وفي حديث آخر إلى الراديو البريطاني، لمح وزير الدفاع إلى صعوبة المحادثات مع الجانب الروسي، وقال: «أمامنا طريق طويل لنقطعه قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وروسيا»، ملوحا ومهددا بأن «صبر الولايات المتحدة ليس بلا حدود»، داعيا إلى وقف حقيقي للأعمال العدائية، وقال «ما رأيته هو وقف جزئي للأعمال القتالية، وصبرنا ليس بلا حدود».
وتشير مصادر إلى أن الخلافات تتركز على قضايا تقنية حول توصيف الجماعات المسلحة في سوريا، أي الجماعات التي يمكن أن يطلق عليها مصطلح معارضة معتدلة، وأي الجماعات يمكن وصفها بـ«جماعات إرهابية»، وترسيم المناطق لسيطرة كل جماعة والأهداف المحددة لقصف الإرهابيين ورسم الخرائط التفصيلية وطرق الإمدادات، كما تتعلق بكيفية ضمان احترام وقف إطلاق النار من جميع الأطراف، وضمانات لنفاذ المساعدات الإنسانية إلى كافة الذين في أمس الحاجة إليها.
وقد تم الاتفاق على الخطوط العريضة للاتفاق على مدى أسابيع ماضية عدة، لكن المسؤولين الأميركيين يتهمون روسيا بالتراجع عن بعض العناصر، بما في ذلك توقيت ومدة وقف إطلاق النار، وغيرها من جوانب الاتفاق، وقال مسؤول لصحيفة «واشنطن بوست»: نحن نتطلع لفترة طويلة من الهدوء؛ لأن الحديث طال للغاية، وكانت هناك وعود قدمت ووعود لم يتم الوفاء بعها، ونحن نتطلع إلى سلسلة من الخطوات التي تصل بها إلى نهج شامل وهذه ليست مجرد هدنة أخرى قصيرة الأمد».
وفي لحظة غضب، أشار مسؤولون في إدارة أوباما إلى أن الإدارة الأميركية تقترب من نفاد صبرها مع روسيا. وقال مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية لصحيفة «واشنطن بوست»: إن الترتيبات بين واشنطن وموسكو للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار جنبا إلى جنب مع التعاون الثنائي في مكافحة الإرهاب ينتظر قرارا من موسكو خلال الأيام المقبلة.
وأوضح المسؤولون، أن الجانب الأميركي قدم بالفعل مقترحات «نهائية» إلى الروس في أعقاب اجتماع الرئيس أوباما مع الرئيس بوتين في الصين، الاثنين الماضي. وازداد غموض الوضع مع إعلان الخارجية الروسية اجتماعا محتملا بين لافروف وكيري في جنيف صباح أمس (الخميس) واليوم (الجمعة)، مع تصريحات لنائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف عن احتمال مشاركة مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا ستيفان دي ميستورا للمحادثات، فيما رفضت الخارجية الأميركية تأكيد الاجتماع، وأوضحت أن الوزيرين تحدثا هاتفيا فقط. وأوضح مسؤولون أميركيون، أن واشنطن لا ترى هدفا من عقد جلسة تفاوض أخرى إذا لم تغير موسكو من موقفها، فيما أبدت موسكو «استياءها من إعلان الولايات المتحدة عقوبات تتعلق بأوكرانيا ضد روسيا خلال الأسبوع الحالي». وقال بيان لوزارة الخارجية الروسية إن «حل الصراعات الإقليمية والتعاون الذي تطالب به إدارة أوباما بانتظام يعد مستحيلا دون توافر اللياقة الأساسية».
ورفض الجانب الأميركية تحديد الخطوات التي ستتخذها الإدارة الأميركية في حالة عدم التوصل إلى اتفاق مع روسيا، وقال مسؤولون إن الأولوية لدى إدارة أوباما هي المعركة ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا.
وكانت ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، قد أكدت في تصريحات لها يوم أمس وفي حديثها عن المحادثات الجارية بين خبراء عسكريين ودبلوماسيين روس وأميركيين حول «تفاصيل تقنية في الاتفاق الأميركي - الروسي»، زاخاروفا أن العمل جار، وأن «الجانب الروسي عازم على تحقيق نتائج»، لافتة إلى أن «الفصل بين المعارضة المعتدلة والمجموعات الإرهابية تشكل حاليًا المشكلة الرئيسية في المحادثات». ودعت المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية إلى عدم الاهتمام بالتسريبات التي تنشرها صحف أميركية حول سير المحادثات، وتحديدا تلك التسريبات التي تشير إلى أن لقاء لافروف – كيري المرتقب سيكون الأخير بحال لم يتم التوصل للاتفاق المنشود حول الأزمة السورية. واعتبرت أن تلك التسريبات «لا تمتلك فهما عميقا وتقييمات واقعية وتحليلا لما يعمل عليه الخبراء الأميركيون والروس»، مرجحة أن «الهدف من تلك التسريبات قد يكون التحفيز لعمليات ما، أو لتحقيق أهداف معينة».
من جانبه، رد دميتري بيسكوف، المتحدث الصحافي باسم الرئيس الروسي، على التسريبات التي نشرتها الصحيفة الأميركية، التي قالت: إن الرئيس الأميركي سلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «آخر اقتراح أميركي» حول الاتفاق لتسوية الأزمة السورية، خلال محادثاتهما على هامش قمة العشرين في الخامس من سبتمبر في الصين. وقال بيسكوف بهذا الصدد إن «تلك المعلومات لا تتطابق تماما مع الواقع»، مؤكدا في الوقت ذاته أن «الموضوع السوري جرى بحثه فعلا بالتفصيل خلال محادثات الرئيسين»، و«جرى بحثه بتفصيل أوسع خلال محادثات الوزيرين لافروف وكيري حينها». وأضاف بيسكوف إن «الحديث يدور في الواقع حول اتفاق ما، وثيقة ما، لم يتم وضع اللمسات الأخيرة عليها حتى الآن؛ لأنه ما زالت هناك مسائل لم يتم الاتفاق عليها بعد، والعمل مستمر»، مشددًا على أن «كل هذه القضايا يمكن بحثها ضمن صيغة الحلول الوسط، وللتوصل إلى تلك الحلول الوسط ما زال العمل جاريا».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».