«مهرجان بيروت للرقص المعاصر» كسر كل المعوقات وبلغ عيده العاشر

179 عرضا وألف راقص بحضور 34 ألف متفرج

أحد مشاهد عرض {هابي أند لاري}
أحد مشاهد عرض {هابي أند لاري}
TT

«مهرجان بيروت للرقص المعاصر» كسر كل المعوقات وبلغ عيده العاشر

أحد مشاهد عرض {هابي أند لاري}
أحد مشاهد عرض {هابي أند لاري}

تنطلق عروض «مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر» (بايبود) مساء الخميس محتفيا بسنته العاشرة. وهذا ليس بالأمر القليل، فقد استطاعت «فرقة مقامات» بقيادة الكوريغراف والراقص اللبناني عمر راجح، وعلى مدار عقد من الزمان، أن تجعل لهذا الفن حيزا يعتد به، ويجمع حوله جمهورا، لبنانيا وعربيا، غفيرا ومخلصا يتابع المهرجان، مالئا الصالات، مطلعا على المتغيرات العالمية، من خلال أشهر الفرق التي يتم استقبالها. تمكن المهرجان، خلال السنوات الماضية، أن يقدم لجمهوره 179 عرضا شارك فيها ألف راقص، منها 43 عرضا لبنانيا و56 عرضا عربيا. شاهد هذه العروض جمهور غفير تجاوز عدده 34 ألف متفرج. هذ غير المعارض والحوارات وأفلام الفيديو و36 ورشة عمل.
«مهرجان بيروت للرقص المعاصر» ارتبط طوال سنوات، بشبكة من مهرجانات الرقص العربية الأخرى التي تتزامن معه، حيث تنتقل الفرق ذاتها بين عمان ورام الله ودمشق وبيروت، ضمن ما عرف باسم «مساحات». شبكة فنية عربية، أحدثت نقلة نوعية في المفاهيم، وأثارت في بعض الأحيان اعتراضات المحافظين على أعمال في هذه العاصمة أو تلك، ثم جاءت الأحداث الدامية في سوريا، لتتقلص شبكة «مساحات»، وتخرج دمشق من الخارطة ولو مؤقتا.
استقبل المهرجان أغلب الأسماء اللامعة في مجال الرقص، وحين نطلب من عمر راجح ما يشبه الجردة السريعة يقول: «المهرجان باتت له قيمته في العالم، واختلف مشهد الرقص المعاصر في لبنان، ربما ليس بالقدر الكافي، إذا إن الأمر يحتاج إلى متسع من الوقت، لكن ها نحن نرى شبانا صغارا يبدأون، والأفكار التي مرت في العروض التي قدمناها، فرضت تعاطيا مختلفا مع الثقافة البصرية عند الجمهور».
ويضيف راجح: «وبكل تواضع، المهرجان خلق مشهدا مختلفا عما كان قبله. وأنتجنا ديناميكية مهمة على مستوى الأفكار والمفاهيم. ومن جانب آخر، فتح المهرجان فرصا جديدة، إذ أفسح المجال أمام مشاركات عربية في ما يقارب 120 مهرجانا في العالم، كما أنه لفت النظر إلى أن هناك حركة فنية راقصة تستحق الاهتمام في منطقتنا. وقد جرت دعوة فنانين عرب إلى مهرجانات عالمية كثيرة، وبعضهم حظي بإقامات تدريبية، أو بإنتاج لأعمال، أو العمل مع فرق».
مع الوضع العربي القائم، تصبح المبادرات الفردية ذات شأن أساسي لتحريك العجلة الفنية، فقد أنتجت «مقامات» عروضها الخاصة، كما أنها ساهمت في جلب أعمال راقصة عالمية ضمن برامج المهرجانات الصيفية مثل «مهرجانات بيت الدين» مثلا بمناسبة العيد العاشر. ويقول راجح: «سنحتفل طوال السنة بعروض منتقاة، كما عودنا جمهورنا. كان البدء مع عرض (أجسام غريبة) لستيفاني تيرش، وعرض (وتدور) الذي قدمته (فرقة مقامات)، وبعد مهرجان الرقص السنوي المعتاد سنقدم مهرجانا آخر في بيروت للمرة الأولى بالتعاون بين فرقة (مقامات) ومهرجان (ارتجال) للموسيقى الذي ينظمه سنويا الفنانان مازن كرباج وشريف صحناوي. هذا المهرجان الجديد، بالتعاون بين راقصين وموسيقيين، سيجري تنظيمه بين شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)».
فرقة «مقامات» تضرب عرض الحائط بكل التهديدات الأمنية وما يمكن أن يثير الرعب. عمر راجح يقول معلقا: «الناس بحاجة إلى الخروج من أجواء الخوف إلى ما هو أكثر بهجة. نحن بدأنا المهرجان عام 2004 ومعه بدأت الاغتيالات والأحداث الأمنية في بيروت عام 2005 ولا تزال مستمرة حتى الآن. لنا أن نتخيل ماذا لو أوقفنا العمل من حينها، لكانت عشر سنوات ماتت من أعمارنا، بينما ها نحن نصل إلى مهرجان له سمعته في العالم، ونجوم الرقص يريدون المشاركة فيه. نقول بصدق، لأن الأوضاع سيئة إلى هذا الحد، على المهرجان أن يستمر ويقوى. نحن لا نستطيع انتظار نتائج هذا الاجتماع أو ذاك المؤتمر، وإلا خسرنا حياتنا ووقتنا. رضخنا لسرقة السياسيين لأموالنا، ولا نريد أن نمنحهم فوقه أعمارنا». ويؤكد راجح أنه رغم كل ما مر من ظروف «لم يسبق لأي فرقة أن ألغت مجيئها إلى لبنان، أو رفضت، «خصوصا وأن شركاءنا الذين نعمل معهم لا يأتون لتأدية عرض ينصرفون بعده، نحن نشبك معهم علاقات نريد لها أن تعيش طويلا، ولهذا فالعلاقة معهم قائمة على الثقة. عرض (أجسام غريبة) هذه السنة جاء بعد انفجاري وسط بيروت والضاحية، شجعنا الفرقة على الحضور، مع توضيح المخاطر لهم، وحضروا وجرى العرض وكان ناجحا جدا».
الموعد السنوي لـ«مقامات»، أي مهرجان الرقص، يبدأ الخميس بحفل استعادي على خشبة مسرح المدينة، عنوانه «عشر سنوات لبايبود» حيث تعرض صور فوتوغرافية وأفلام وثائقية ويطلق كتاب يختصر أهم محطات المهرجان، يليه عرض راقص للكوريغراف (مصمم الرقص) البريطاني راسل ماليفنت، متضمنا أربع لوحات بديعة تركز على العلاقة بين الجسد والضوء. ويعاد تقديم العرض مساء الجمعة.
تشارك في المهرجان الذي يمتد حتى مساء الـ27 من الشهر الحالي فرق من النرويج وبلجيكا ولبنان وبريطانيا وألمانيا والمغرب وأستراليا وفرنسا، تتوزع عروضها بين ثلاثة مسارح بيروتية، هي «مسرح المدينة» و«مسرح مونو» و«مسرح مترو المدينة».
تشارك في العروض فرقة شاون باركر الأسترالية التي اكتسبت شهرة عالمية، بعرض عنوانه «سعيد مثل لاري»، وهو إنتاج قوي يجمع بين مزيج مشوق من الباليه، البريك دانس، والتزلج بالعجلات والرقص المعاصر ذي الطابع الحركي. من المشاركين أيضا فرقة «زي بايكري» الألمانية التي أسسها الكوريغراف الأميركي ريتشارد سيغل، إذ تقدم على خشبة «مسرح مونو» بالتعاون مع الرباعي «أساسيلو» لوحات تعتمد الإيماء الجسدي على أنغام أربع آلات وترية. وهناك عرض الانتصاب لبيير ريجال وفرقته «آخر دقيقة»، وهو عرض يسعى إلى متابعة التطور البشري، في مسرح خالٍ برفقة مؤثرات صوتية ومرئية يجري إنتاجها في بث حي. يرقص بيير ريجال الحيوان - الرجل، الرجل الفردي والرجل الاجتماعي في الوقت نفسه، ويقدم لجمهوره عرضا شيقا من خلال تحولات غير متوقعة.
سيشاهد الجمهور أيضا عرضا بعنوان «من الباء إلى الباء»، وهو حوار ما بين الموسيقى والحركات الجسدية يحث على التأمل ويمتاز بخفة القدمين والمرح ويشد الانتباه. وهو حوار لغوي ما بين البلجيكي توماس هاريت والإسبانية انجيلز مرغريت في رحلة اكتشاف الفن وعوالم أخرى. وهناك عرض «مصغرات» من فرنسا لفرقة «دانس ماب» التي تقدم على خشبة «مسرح مترو المدينة» وفيه دعوة لرحلة فنية مكونة من ثلاثة «مصغرات» أو لوحات راقصة قصيرة جرى إنتاجها من قبل ثلاثة فنانين هم المغربي توفيق عزيدو واللبنانية يندي نمور والفرنسي ارنو ساوري، اعتمدوا الحب كعنصر مشترك بين لغتهم وكتاباتهم وأشعارهم. هذه المصغرات جرى إنتاجها ضمن مشروع «منيتشرز أوفيسيني» بقيادة لوفيسينا مع الكثير من الشركاء في حوض البحر الأبيض المتوسط.
العرض السويسري «التعتيم» لفيليب ساير يعطي أهمية خاصة للرسم، حيث نرى عملا راقصا ينتج لوحات تشكيلية فنية مميزة. أما العرض النرويجي «لا شيء من أجل شيء» لمصمم الرقص والراقص هيني افدال، فيرينا كيف يمكن للمكان أن يكون مرنا ويتحول من حالة إلى أخرى.
وختام المهرجان بعرض عنوانه «ما لا يتذكره الجسد» لفرقة «التيما فيز» التي أسسها المصمم البلجيكي فيم فاديكيبوس، وهو يقوم على توازن دقيق بين حالة الجذب والتنافر وأحيانا ينتج هذا العمل مواجهة بين راقصين ثم بين مجموعتين ثم بين الراقصين والموسيقى وبين الراقصين ومجموعة رائعة من الخطوط. ولكن في جميع الأحوال نشاهد انفجارا من العدوانية والخوف والخطر.
ومن عروض «بايبود» هذه السنة «حبر»، وهو التعاون الأول بين مصمم الرقص والمدير الفني لمسرح «مقامات» عمر راجح، والسويسري مارسيل ليمان وفرقته. وكان العرض قد قدم قبل أسبوعين في مدينة برن السويسرية. وتقام على هامش المهرجان ورشتا عمل، الأولى مع فرقة الكوريغراف البريطاني راسيل ماليفنت، والثانية مع البلجيكي فيم فانديكيبوس.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».