السياسة النقدية للاقتصادات الكبرى.. وخطر «الدومينو» على الدول الناشئة

السياسة النقدية للاقتصادات الكبرى.. وخطر «الدومينو» على الدول الناشئة

مجموعة العشرين تركز على تعزيز النمو الاقتصادي
الاثنين - 3 ذو الحجة 1437 هـ - 05 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13796]
شبان وشابات يقفون حاملين أعلامًا لدى ترحيبهم بقادة الدول المشاركة في قمة العشرين في هانغتشو أمس (أ.ف.ب)
القاهرة: صبري ناجح
زاد دور البنوك المركزية أخيرًا حول العالم، في محاولة للسيطرة على التداعيات التي يمر بها الاقتصاد العالمي، من تباطؤ في معدلات النمو وتراجع حركة التجارة العالمية إلى زيادة نسب البطالة، فضلاً عن التضخم المرتفع بشدة في دول، والمنخفض بشدة في دول أخرى.

ونظرًا لارتباط الدول الكبرى والناشئة باتفاقات تجارية ثنائية أو جماعية في بعض الأحيان، فإن تأثير القرارات سيمتد لدول أخرى، بما يعرف بـ«تأثير الدومينو»، ولا يقتصر على الدولة صاحبة القرار، إذ إن تخفيض أو رفع سعر العملة لدولة ما، سيؤثر حتما على الدول التي تستورد منها البضائع والسلع.

وظهر ذلك جليًا في تحريك الصين لعملتها أغسطس (آب) العام الماضي، من خلال بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) الذي خفض قيمة اليوان للحفاظ على تنافسية منتجاته، حسب قوله حينها، الأمر الذي أثر بالتبعية على معظم أسواق العالم، بداية من السوق الأميركية والأوروبية إلى العربية والآسيوية، نظرًا لأن الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لديها اتفاقيات تصديرية واستيرادية مع معظم دول العالم.

وذكرت تقارير إخبارية أخيرًا أنه سيبدأ العمل بنظام التسوية البديلة بالعملة الأوروبية (اليورو)، في التجارة بين كوريا الجنوبية وإيران اعتبارا من يوم 29 أغسطس 2016. وحتى الآن لا تتمكن الشركات الكورية الجنوبية من التسوية إلا بالعملة الكورية في التجارة مع إيران في الوقت الحاضر، لهذا السبب فإنها تطالب بوضع نظام التسوية البديلة باليورو.

ومن المتوقع أن يسهم نظام التسوية البديلة باليورو في تجاوز بعض العوامل التي تعرقل تعزيز التجارة والاستثمار مع إيران. ويوضح هذا التصريح التأثير الذي سيحدثه أي تحرك في العملة الأوروبية على دول الاتحاد الأوروبي، وأيضًا كوريا الجنوبية وإيران، بطريقة مباشرة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تحريك قيمة العملة الرئيسية في العالم، الدولار الأميركي - وهو أداة مالية تدخل في صميم عمل السياسة النقدية للبنك المركزي - الذي تزداد التوقعات يومًا بعد يوم لرفع أسعار الفائدة عليه خلال ديسمبر (كانون الأول) المقبل، والذي سيتبعه من المؤكد تحريك عملات أخرى حول العالم، إذ إن أي سلع مقومة بالدولار سترتفع تكلفتها لحائزي العملات الأخرى.

ونظرًا لأهمية تلك التحركات والقرارات التي تتخذها الدول الكبرى بمعزل عن الأوضاع الاقتصادية للدول الناشئة، والتي تؤثر بالكاد عليها بطريقة مباشرة وغير مباشرة، فمن المتوقع أن تناقش دول مجموعة العشرين، في اجتماعها المقبل، دور البنوك المركزية حول العالم في دفع عجلة النمو، مع تزايد الغيوم في أفق النمو العالمي وتنامي المخاوف بشأن تباطؤ اقتصاد الصين.

وتتوقع الصين أن تركز قمة مجموعة العشرين على تعزيز النمو الاقتصادي وقضايا مالية أخرى، وليس على نزاعات مثل نزاع بحر الصين الجنوبي.

وكانت المناقشات حول تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمخاوف من سياسات الحماية التجارية سيطرت على قمة اجتماع صانعي السياسة في مجموعة العشرين الذي عقد الشهر الماضي. وقال يي جانغ نائب محافظ بنك الشعب الصيني في تصريحات صحافية، إن القمة ستركز على كيفية تحفيز النمو الاقتصادي العالمي من خلال الشمول التجاري وتطوير أسواق مالية قوية. وأضاف: «نحن بحاجة لغرس الثقة في السوق والحرص على عدم وجود تخفيضات تنافسية لأسعار العملات، وإنما ترك السوق تحدد سعر الصرف».

وتأتي تصريحات محافظ البنك المركزي الصيني، وسط أجواء سماها البعض «حرب العملات» قادتها البنوك المركزية حول العالم، مستخدمه سياستها النقدية لتحفيز النمو المحلي، بينما تجاهلت التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على الدول الأخرى.

وتنشأ الحاجة إلى تحريك قيمة العملة في بلدٍ ما، لمواجهة زيادة الضغوط الاقتصادية المحلية والعالمية على الإدارة المالية في تلك الدولة، مع مراعاة النتائج السلبية (أبرزها التضخم) التي ستنتج جراء هذه العملية. وعادة ما تلجأ حكومات الدول، إلى تحريك العملة من خلال تخفيض أو رفع أسعار الفائدة، لضبط الميزان التجاري (الفرق بين قيمة الواردات والصادرات) وميزان المدفوعات (قيمة العمليات المالية مع الدول الأخرى) في موازنتها المالية.

وتلعب أسعار الفائدة دورًا كبيرًا في تحريك أسعار العملة دوليًا، كما تسهم في تدفقات الأموال للاستثمار، إذ يقدر محللون ماليون الحجم اليومي لتداول العملات في السوق بنحو 3 تريليونات دولار.

وتأتي هذه التوجهات للبنوك المركزية، في الوقت الذي زادت فيه المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي العالمي مقارنة بما كانت عليه من قبل، ففي الاقتصادات المتقدمة، تراجعت الآفاق المتوقعة بسبب زيادة عدم اليقين والنكسات التي أصابت النمو ومستوى الثقة. وتكثفت هذه الضغوط مع الاضطرابات التي شهدتها أسواق المال العالمية أخيرًا.

وأدت الانخفاضات في أسعار النفط والسلع الأولية إلى استمرار مستوى المخاطر المرتفع في اقتصادات الأسواق الصاعدة، بينما أدى ارتفاع عدم اليقين بشأن التحول في نموذج النمو الصيني إلى زيادة انتقال التداعيات إلى الأسواق الناشئة. وتسببت هذه التطورات في زيادة ضيق الأوضاع المالية، وخفض الإقبال على تحمل المخاطر، وزيادة المخاطر الائتمانية، وتعطيل معالجة الخلل في الميزانيات العمومية، مما أثر على الاستقرار المالي.

* الاقتصاد العالمي و النقاط الواجب اتباعها

ينبغي اتخاذ تدابير إضافية للوصول إلى مزيج من السياسات الأكثر توازنًا لتحسين آفاق النمو والتضخم وتأمين الاستقرار المالي، وقد تتكرر اضطرابات السوق في غياب هذه التدابير. ففي مثل تلك الظروف، ويمكن أن تؤدي اضطرابات أسواق الأصول العالمية إلى زيادة مخاطر الاقتراب من تباطؤ أخطر وأطول يتسم بالركود المالي والاقتصادي.

كما يجب على الاقتصادات المتقدمة أن تتعامل مع تركة القضايا التي خلفتها الأزمة المالية العالمية الأخيرة. فقد أصبحت بنوكها أكثر أمانا في السنوات القليلة الماضية، مع توافر احتياطيات وقائية أكبر في صورة رؤوس أموال وسيولة وتحقيق تقدم في علاج خلل الميزانيات العمومية. بحسب تقرير لصندوق النقد الدولي عن المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي.

ورغم هذه المكاسب، خضعت البنوك لضغوط السوق في بداية العام، مما يعكس المخاوف بشأن مدى الربحية التي تحققها نماذج العمل المطبقة في البنوك في بيئة اقتصادية ضعيفة. ويواجه قرابة 15 في المائة من البنوك في الاقتصادات المتقدمة (بحسب ما لديها من أصول) تحديات كبيرة في الوصول إلى مستوى من الربحية القابلة للاستمرار دون إصلاح.

وفي منطقة اليورو، الحاجة ماسة لمعالجة المستوى المرتفع من الديون المتعثرة باستخدام استراتيجية شاملة، كما يتعين القيام بعلاج تدريجي لمشكلة الطاقة الزائدة لدى النظام المصرفي في منطقة اليورو. وفي الولايات المتحدة، نجد أن أسواق القروض العقارية لا تزال تستفيد من الدعم الحكومي الكبير. وينبغي للسلطات أن تكثف الجهود للحد من هيمنة مؤسستي «فاني ماي» و«فريدي ماك» وأن تواصل إصلاحهما. بحسب صندوق النقد.

وينبغي أن تعمل الأسواق الصاعدة على تعزيز صلابتها في مواجهة التأثيرات العالمية المعاكسة. ذلك أن اقتصادات الأسواق الصاعدة تواجه مزيجا صعبا من التحديات المتمثلة في تباطؤ النمو وانخفاض أسعار السلع الأولية وضيق أوضاع الائتمان، مع زيادة في تقلب تدفقات المحافظ الاستثمارية، وهو المزيج الذي تسبب في استمرار المخاطر المالية والاقتصادية المرتفعة. وقد أبدى كثير من الاقتصادات صلابة واضحة حتى الآن في هذه البيئة المحلية والخارجية الصعبة، حيث كان استخدام الهوامش الوقائية التي تتيحها أطر السياسات المعززة استخداما رشيدا من جانب صناع السياسات.

وفي الاقتصادات المتقدمة، تؤدي مخاطر الاستمرار المزمن للنمو الضعيف والتضخم المنخفض إلى زيادة التحديات أمام تخفيض نسب الدين. وفي اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، يمكن أن تتسبب زيادة ضيق الأوضاع المالية العالمية واشتداد تقلبها في رفع فاتورة الفوائد إلى حد كبير في وقت تتصاعد فيه احتياجات التمويل الإجمالية. كذلك يؤدي ضعف آفاق الاقتصاد إلى زيادة احتمالات تحقق الالتزامات الاحتمالية.

وتمتلك اقتصادات الأسواق الصاعدة بوجه عام أدوات تعزيز صلابتها والتصدي لأثار انخفاض أسعار السلع الأولية وتباطؤ النمو والتدفقات الرأسمالية. وينبغي أن تواصل السلطات في تلك الاقتصادات استخدام هوامشها الوقائية والحيز الذي تتيحه السياسات، حيثما كان متوافرًا، لتخفيف وطأة التصحيح وتقوية الميزانيات العمومية السيادية والمصرفية، ويتضمن هذا استخدام الاحتياطيات الخارجية، وسياسة المالية العامة والسياسية النقدية، والأطر الاحترازية الكلية والرقابية.

وخلّفت الأزمة المالية العالمية الأخيرة تركة تحديات ضخمة لاقتصادات الدول المتقدمة، خفضت معها أسعار الفائدة البنكية لـ«صفر»، ووصلت إلى السالب في دول أخرى، ولجأت أغلب الحكومات إلى برنامج للتيسير الكمي «شراء الأصول» كإجراء سهل لضخ سيولة جديدة في الأسواق، كما ارتفعت الديون السيادية على الدول حول العالم، نتيجة ارتفاع العائد على السندات وأذون الخزانة، فضلاً عن القروض التي توسعت فيها معظم الدول، لجذب سيولة جديدة.

وأخيرا ينبغي على جميع الدول أن تتخذ مسارًا جديدًا للنمو، من خلال إصلاح النظام المالي العالمي، لتعزيز التجارة الدولية والاستثمار، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى التخفيف من حدة الفقر.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة