يتبلور مهرجان فنيسيا في دورته الحالية الممتدة حتى العاشر من هذا الشهر نقطة منافسة بين السينما الأميركية وسينمات العالم.
مع ارتفاع عدد الأفلام الأميركية المشاركة إلى أكثر من ستة أفلام، لا مجال لعدم ملاحظة أن هذه السينما ما زالت تختلف عن مثيلاتها خارج الولايات المتحدة. فالسينما الأميركية هي أفضل من سرد الحكاية. هناك إصرار كبير على أن يضع المخرج شرايين عمله كلها في قلب الفيلم ويرتبها بحيث تنطلق من التمهيد إلى التأسيس ومنه إلى بلورة الحبكة ثم الوصول بها إلى مفاداتها.
هذا في مقابل السينما الأخرى، التي عادة ما تفضل التركيز على الشخصيات وظروفها وحالاتها لكي تسرد الحكاية من خلالها.
لكل نوع حسناته وهناك أفلام رائعة تنتمي إلى كل فئة، لكن عندما يجيد المخرجون الأميركيون الابتعاد قليلا عن السرد التقليدي والسهر طويلا على توليف روائي فعال، فإن النتائج أكثر إثارة للاهتمام من معظم ما توفره السينما العالمية الأخرى.
هذا يتضح مع حفنة الأفلام التي شوهدت في اليوم الثاني من المهرجان وخصوصا عبر فيلمين؛ واحد يعبّر عما يُسمّى «النظرة الذاتية»، وهو «الأيام الجميلة لأرانجويز»، والثاني عن مزاولة تفعيل ثري للحكاية ومن خلالها المضي في سبر غور شخصياتها وهو «وصول».
* لا دور للكاميرا
لا يمكن القول إن فيلم المخرج الألماني المعروف ڤيم ڤندرز «الأيام الجميلة لأرانجويز» خيبة أمل. ليس لأنه فيلم جيد، بل لأن المخرج رمى على شاشة هذا المهرجان في العام الماضي فيلما غير ناجح هو «كل شيء سيكون على ما يرام». ذلك الفيلم كان خطوته إلى الوراء لكن الفيلم الجديد الذي شوهد هنا في إطار هذه الدورة الـ72 هو قفزة كاملة إلى الخلف. ليس في غايات المخرج تحقيق فيلم ركيك لكن هذا ما انتهى إليه في كل الأحوال.
«الأيام الجميلة لأرانجويز» مأخوذ عن مسرحية كتبها بيتر هاندكي، الذي كتب بضعة سيناريوهات لڤندرز من قبل وتحكي عن كاتب يستمع لرجل وامرأة وهما يتحدّثان عن الحب والجنس ومسائل أخرى. هذا هو الفيلم باستثناء أن الكاتب الذي يجلس وراء مكتبه على آلة طابعة ينقر أحرفها بأصبعيه يتوقف من حين لآخر ليسترق السمع إلى حديث هذين الشخصين الجالسين في الحديقة. إنهما امتداد لخياله، فهما ليسا موجودين في الواقع ولو أن المخرج يريد، لاحقا في الفيلم، طرح سؤال متفلسف حول ما إذا كانا هما الحقيقة وهو الخيال.
كيفما قلبت المسألة فإن هذا الفيلم من النوع الذي تشاهده بأذنيك. ماراثون من الحوار من مطلعه لآخره ولا شيء يتحرك فيه دراميا أو حتى كدلالات ذهنية بل يمر لساعة ونصف الساعة مثل خط مستقيم لا بهجة فيه ولا فرح ولا غضب ولا تعابير تجعلك أقرب إلى الممثلين بعد عشر دقائق أكثر من قبل ولا بعد نصف ساعة أو ساعة ونصف.
يتراوح الحديث ما بين المسائل الشخصية ويمر على مسائل وجدانية عامّة. هو يسأل وهي تجيب على راحتها ومن دون انفعال يذكر. التعبير لا يتغير والمواضيع ليست مثيرة والضجر يأكل الوقت منذ مطلع الفيلم.
لمصاحبة هذا الإيقاع لا دور للكاميرا سوى الالتفاف حول الشخصين كونهما جالسين إلى طاولة مستديرة. تارة تتجه الكاميرا من اليمين إلى اليسار و(حتى لا يشعر المشاهد بالملل؟) من اليسار إلى اليمين. الكاتب يقف من وقت لآخر ليدير جهاز «جوك بوكس» أو ليضع حطبا في النار أو ليمشي بضع خطوات قبل أن يجلس من جديد.
كل ذلك، بنظام الأبعاد الثلاثة الذي هو مشكلة بحد ذاته من حيث إنه لا يوجد سبب واحد - فني أو تقني أو درامي - ليبرر استخدام النظام في فيلم مسطح. إنه عمل كسول من مخرج ما عاد جديده يُثير سوى المقارنة مع ما كانت عليه أفلامه السابقة من نجاحات.
* مشكلة تواصل
ما أنقذ اليوم الثاني من المهرجان فيلم الكندي دنيس فيلنييف «وصول»، ثاني فيلم أميركي يعرض هنا بعد فيلم الافتتاح المبهر «لا لا لاند». الفيلم، كأعمال فيلنييف السابقة مثل «سجناء» و«عدو»، وفي العام الماضي، «سيكاريو». لأنه إذا ما كان «الأيام الجميلة لأرانجويز» من النوع الذي تستطيع أن تصطاد السمك وأنت تستمع له، إلى أن تمل، فإن «وصول» فيلم تشاهده بعينين «مبحلقتين» ومفتوحتين «على الآخر».
الخامة التي يشتغل عليها هذا المخرج تطورت في «سيكاريو» عما كانت عليه في «سجناء» و«عدو»، لكنه دوما ما نفّذ أفلامه بمقدرة على الاهتمام بالحال الشخصي لأبطاله وسبر غور ما وراء المعتاد من المفارقات.
في «وصول» ينتقل إلى سينما الخيال العلمي ويفعل ذلك بثقة كبيرة كما لو خاض غمار هذا النوع من السينما سابقا. ما يختلف به «وصول» عن شتّى أفلام النوع هو أنه يخلو من مشاهد قتال بين مخلوقات الفضاء التي هبطت الأرض، وبين البشر. يخلو من الخراب الذي تعمد إليه الأفلام الشبيهة حيث تقوم تلك المخلوقات الآتية من كوكب غامض بتدمير المدن والمنشآت وتحويل البشر إلى جثث متطايرة. فيلم فيلنييف هو إبحار في مسألة الزمن والذكريات وتقاطع المصائر و - في المقدّمة - مشكلة التواصل مع الغريب الذي يزور الكوكب بحثا عن إجابات حول المخلوقات الأرضية كونهم فضوليين مثلنا.
آمي آدامز تؤدي دور باحثة لغات تستعين بها قوات الدفاع الأميركية بعدما حطّت اثنتا عشرة سفينة فضائية في اثني عشر موقعا. سفن الفضاء لم تبادر بهجوم ولا أثارت أي نوع من الإشعاعات النووية ولا حتى تغير الجو بوجودها. أشكالها البيضاوية الطويلة ترتفع، حسب الفيلم، إلى 1500 متر. المادة المصنوعة منها لا حرارة فيها ولا هي معروفة المصدر. مهمّة عالمة اللغات لويز (آدامز) هي محاولة التواصل مع هذه المخلوقات قبل اللجوء إلى إعلان حرب شاملة عليها.
بعد صعودها مع طبيب نفسي اسمه إيان (جَرَمي رَنر) إلى داخل تلك الهياكل الشامخة يتم نوع من التواصل. لن نسمع شيئا عمدت إليه الأفلام القديمة جاعلة مخلوقات الفضاء تتحدث الإنجليزية بعدما استمعت طويلا إلى لغاتنا عبر الأثير (!) بل هي لا تتكلم مطلقا. لديها صوت يشبه الرعد لكنها تتواصل عبر بث دوائر مختلفة من أيديها.
* قوى عسكرية
مرّة بعد مرّة استطاعت لويز فك الطلاسم ليجيب الفيلم، ببعض الصعوبة وبالكثير من الغموض، عن سبب هبوط تلك المركبات الأرض وما هي الرسالة التي تريد إيصالها. وهو سبب حري بفيلم آخر يشرحه ذلك لأن «وصول» على حسناته الفنية لا يوفر الكثير من الإجابات. بالطبع هناك الذاكرة التي تعايشها العالمة لويز بعدما فقدت ابنتها. ويحاول الفيلم الربط بين خسارتها لابنتها وتلك الذكريات التي تقض مضجعها ثم قدرتها على استشفاف المستقبل.
لا يوازي ذلك غموضا إلا الطريقة التي استطاعت بها العالمة فك رموز تلك الدوائر وتحويلها إلى كلمات. ما ينجح به المخرج أكثر هو التعويض عن هذه الثغرات بمعالجة فنية شجاعة. بالإصرار على رؤيته ومعالجته والاتكال على آمي آدامز لكي تجذب الاهتمام مثل ضوء بطارية في الليل عليه أن يقود صاحبه إلى المعرفة.
على المنصّة بعد العرض ووسط تصفيق دافق من الحضور، التقطت الكاميرات دموعا ساخنة تهبط من مقلتي الممثل جرمي رَنَـر. دموع تفصح عن الكثير من الشعور بالامتنان لجمهور معجب بالعمل ككل وبممثليه الرئيسيين هو وآدامز. باقي الممثلين (من بينهم فورست ويتيكر) ليس لديهم الكثير ليضيفوه، وحتى الدور الذي يؤديه رَنـر محدود المساحة والنتائج. بعد إميلي بْلنت في «سيكاريو»، يعيد المخرج الاعتماد على موضوع شخصيته الرئيسية لامرأة. وهذا أمر آخر غير معهود كثيرا في أفلام هذا النوع، حيث يقود الرجال الصراع عادة ضد غزاة الفضاء.
يأتي اسم السودان في الفيلم مرّتين. فالسودان يتأهب لجانب الصين وروسيا وباكستان للهجوم على تلك المخلوقات حتى ولو بالسلاح النووي. بما أن السودان ليس دولة نووية، ولا هي مثال لدولة عسكرية قوية فإن الأمر فيه دعوة مبطنة لكي يراجع المخرج مثل هذه الحقائق التي يوفرها. الدولة التي تتبلور كرائدة في الدفاع عن أهل الأرض، هنا، هي الصين وهي التي تعلن لاحقا أنها تفهمت رسالة الغازين ولذلك ستتركهم يعودون من حيث أتوا من دون استخدام السلاح.
في مجمله، ليس أفضل من «سيكاريو» لكنه يوازي بعض أفضل أفلام الخيال العلمي الأخيرة ويختلف عن الكثير منها.
«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (3): «وصول».. ينقذ اليوم الثاني من مهرجان فينيسيا السينمائي
فيلم للخيال العلمي يبحر في الزمن والذكريات وتقاطع المصائر
لقطة من فيلم ڤندرز «الأيام الجميلة لأرانجويز» - آمي آدامز في «وصول»
«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (3): «وصول».. ينقذ اليوم الثاني من مهرجان فينيسيا السينمائي
لقطة من فيلم ڤندرز «الأيام الجميلة لأرانجويز» - آمي آدامز في «وصول»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

