«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (2): {فينيسيا} يفتتح بفيلم استعراضي يليق بدورة واعدة

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (2): {فينيسيا} يفتتح بفيلم استعراضي يليق بدورة واعدة

المهرجانات تطلب النجومية والنوعية.. وتفضل الأولى على الأخيرة
الخميس - 29 ذو القعدة 1437 هـ - 01 سبتمبر 2016 مـ
لقطة راقصة من «لا لا لاند» - رايان غوزلينغ وإيما ستون في «لا لا لاند»
فينيسيا: محمد رُضـا
أفلام الافتتاح في المهرجانات الثلاثة الكبرى، برلين وكان وفينيسيا، هذه السنة كلها أميركية.
برلين افتتح بفيلم الأخوين إيتان وجووَل كووَن «مرحى، سيزار». ومهرجان كان افتتح دورته بفيلم وودي ألن «كافيه سوسيتي».
والآن ها هو مهرجان «فينيسيا»، الذي انطلق أمس ويستمر حتى العاشر من هذا الشهر، يفتتح دورته الـ73 بفيلم «لا لا لاند» لداميان شازيل. ما يدفع بالسؤال حول إذا ما كانت السينمات العالمية، غير الأميركية، ليس لديها ما تفتتح به مهرجانًا كبيرًا كأي من هذه المهرجانات. أو إذا ما أصبحت الافتتاحات منصّة إطلاق مناسبة للأفلام الأميركية.
الواقع هو أن كلا السؤالين مجاز ولكنهما لا يعبران عن الحقيقة كثيرًا. السينمات الآسيوية أو الأوروبية على سبيل المثال لديها إنتاجات تستحق التنويه في مطلع مهرجان كبير كأي من هذه المهرجانات المذكورة، لكن الفيلم الأميركي يأتي عادة مع نجومه: جورج كلوني، جوش برولين، سكارلت جوهانسن، تيلدا سوينتون كانوا زينة فيلم «مرحى، سيزار». ستيف كارل، جسي أيزنبيرغ وكرستن ستيوارت قادوا بطولة «كافيه سوسياتي». و«لا لا لاند» لديه نجمان يرصّعانه هما إيما ستون ورايان غوزلينغ. والمهرجانات تطلب النجوم كما تطلب النوعية، وأحيانًا ما تضحي بالنوعية لخاطر النجومية.
بالنسبة إذا ما أصبحت المهرجانات منصّـة انطلاق للأفلام الأميركية فإن قليلا من التأثير التجاري الإيجابي يلي اختيار مثل هذه الأفلام لافتتاح المهرجانات. «مرحى، سيزار» أحد أقل أعمال الأخوين كووَن إثارة لاهتمام الجمهور حتى المتخصص وفيلم وودي ألن «كافية سوسياتي» لم يرتاده نفر جديد واحد فوق العدد المحدود من المشاهدين في أفلامه الأخيرة.
* أوتوستراد راقص
على ذلك «لا لا لاند» يختلف في بعض أهم الأوجه فهو أفضل فيلم افتتاح شهدته هذه المهرجانات المذكورة، حيث يحمل لغة بصرية جميلة ويبث أملاً وتفاؤلاً بالحياة فوق المعتاد من أفلام المهرجانات هذه الأيام.
هو فيلم موسيقي - رومانسي كبير ورائع وبالسينما سكوب. والشاشة العريضة هي أكثر من مجرد حجم عرض ملائم، هي تذكرة من صانعي الفيلم للعودة به إلى أيام ما كانت السينما الاستعراضية ذات الفقرات الراقصة والأغاني العاطفية الصادحة منوالاً شبه دائم حتى الستينات. ومع أن مثل هذه الأفلام تكررت وتبلورت بعد تلك الفترة أيضًا إلا أن عصرها الذهبي كان قد انقضى. كذلك فإن النتاج اللاحق، خلال السنوات الثلاثين الماضية، لم ينشد التماثل مع أفلام ما قبل الستينات لا من حيث مواضيعها الفرحة ولا من حيث أساليب تنفيذها البصرية. أفلام مثل «كل ذلك الجاز» لبوب فوسي (1979) و«بوباي» لروبرت التمن (1980) و«آني» لجون هيوستون (1982) ثم «شيكاغو» لروب مارشال (2002) كانت جميعًا جيدة، إنما حاملة همومًا مختلفة ورسالات اجتماعية - سياسية محددة، على عكس أفلام الميوزيكالز السابقة التي لم تعد مشاهديها (وكانوا بمئات الملايين) بأكثر من ترفيه عاطفي مناسب للعائلات والمراهقين على حد سواء.
«لا لا لاند» لا يخجل من أن ينتمي إلى تلك الأفلام الأولى، لكنه يفعل ذلك بفن غامر. بإدارة متقنة للأحداث وبقدر رائع من تزاوج الخيال الضروري لتلك الأفلام مع ما هو قابل للتصديق. المخرج داميان شازيل يعرف تمامًا ما يريد ويحققه تمامًا كما يريد. مباشرة بعد نجاحه اللائق بفيلم Whiplash («طرف السوط») في العام الماضي، الذي دار أيضًا عن الموسيقى كأرضية، ها هو يقدم عملاً أفضل من سابقه. خال من الدكانة التي لصقت بالفيلم السابق ويتعامل مع حكاية عاطفية تعيد بث تلك العواطف الصحيحة إلى المشاهدين الذين نسوا كيف كانت السينما تقدّمها.
يبدأ «لا لا لاند» باستعراض موسيقي أخاذ يقع فوق طريق رئيسية في لوس أنجليس. الكاميرا تهبط من لقطة للسماء الزرقاء إلى أوتوستراد مزدحم توقفت فيه السيارات عن التقدم كما لو كانت مصطفة في مرأب مفتوح للسيارات. الكاميرا تتحرك بين هذه السيارات وكل منها يصدح بموسيقى مختلفة. فجأة تهبط امرأة من إحدى تلك السيارات وتبدأ بالرقص، وما هي إلا لحظات حتى يتحوّل الشارع بأسره إلى مرقص في وضح النهار. الركاب والسائقون نزلوا من سياراتهم واشتركوا في ذلك الاستعراض الكبير لنحو خمس دقائق حسنة التصميم وجيدة المونتاج قبل أن يعود كل إلى سيارته.
* فيلم جوائز
مثل هذه المشاهد منتشرة في عموم الفيلم. هناك عين جيدة للمخرج يلتقط فيها الأفكار التي ينفذها. وحكاية شاب اسمه سيباستيان (رايان غوزلينغ) مغرم بموسيقى الجاز. يعزف البيانو بمهارة ويبحث عن عمل ثابت. الفتاة هي ميا (إيما ستون) ممثلة مبتدئة تبحث بدورها عن عمل ثابت. لقاؤهما في البداية ليس لقاء عاطفيًا من تلك التي تؤسس لقصة حب، بل هما لقاءان عاصفان على نحو غير ودّي، ثم تعارف بعد أشهر والوقوع كل في حب الآخر.
ما يشد كل منهما صوب الآخر حلمه بالنجاح. هو يريد افتتاح ناد للجاز يعزف فيه وهي تريد أن تحقق رغبتها في التمثيل. لكنهما يواجهان ظروفًا صعبة تفرض على الأول التنازل وعلى الثانية الانسحاب لحين. في النهاية سيحقق كل منهما أمله ورغبته لكن ذلك سيكون على حساب قصّة حبه وديمومة البقاء إلى جانب الآخر.
بقدر ما الفيلم تحيّة للسينما الاستعراضية، بقدر ما هو تحية لموسيقى الجاز الكلاسيكية. في حقيقته هو أشبه بفيلم من تلك السنوات الذهبية تم تحقيقه في هذه السنوات الثرية بالفرص التقنية. النتيجة عمل يطرق به المخرج شازيل باب الجوائز من جديد وهو الذي أنجز بعضها في فيلمه السابق. هذه المرّة الحظوظ تبدو أعلى (بدءًا بجائزة غولدن غلوب لأفضل فيلم موسيقي) فعند شازيل تلك الرؤية المتينة لما يتطلبه فيلم جديد من هذا النوع والقدرة على ضبط الأحداث بحيث لا تسقط في الميلودراما أو في عاطفة رخيصة الشأن. قبل النهاية يبتدع مشهد حلم في اليقظة: العازف شاهد حبيبته، وقد تزوّجت، جالسة بين الجمهور تتابعه. يبدأ العزف ثم، من دون خيط فاصل، يتوجه صوبها ويرقص معها ثم ينطلقان إلى باريس ويعودان إلى أميركا. يعيشان حياة جميلة تنتهي بالزواج. تعتقد أنها تطلّقت بالفعل، فهذه المشاهد تبدو كما لو كانت استطرادًا لأمنية تحققت لكن فجأة ما يعود الفيلم إلى الواقع فإذا به لا يزال يعزف وهي ما زالت جالسة في مكانها.
في هذه الدورة الثالثة والسبعين من مهرجان «فنيسيا» لا يمكن التكهن الآن بما قد ينجزه هذا الفيلم على صعيد الجوائز، لكنه بالتأكيد باق في البال حتى يوم لقاء لجنة التحكيم التي يقودها المخرج سام منديز.
علاوة على ذلك، يضم كل من غوزلينغ وستون إلى مواهبهما موهبتي الرقص والغناء. وعزف غوزلينغ على البيانو لا يمكن أن يكون تمثيلاً. هي أصابعه الفعلية تتلاعب بالمفاتيح في معزوفات تتلوّن بحسب الظرف التي تمر بها شخصيته. هذا لا يمنع من القول إن حركة قدميه خلال نمر الرقص قد لا تكون خفيفة كحركة قدمي فرد استير، لكنه صاغ لنفسه برهانًا على أن موهبته تنجز تقدّمًا من فيلم لآخر.
الغالب أن الدورة، كما ذكرنا سابقًا، زاخرة بالأعمال التي ستستحق الاعتبار والاهتمام من قِـبل لجنة التحكيم. إنها دورة تمزج المواهب الجديدة بالمواهب القديمة وتتعدد فيها المواضيع والمفادات كما يليق بمهرجانات السينما أن تفعل. وإذا ما حققت هذه الأفلام المتسابقة ما تعد به الآن، فإن المهرجان الإيطالي في هذه الدورة لن يكون فقط أفضل دوراته منذ سنوات، بل أفضل من دورات منافسيه الأساسيين، كان وبرلين.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة