«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي: أفلام تهرب من الحاضر الصعب إلى الأمس الشائك

يلتقي في المهرجان مخرجون حققوا أفلاما حصلت على جوائز عالمية

فيلم «رحلة من الزمن» لترنس مالك
فيلم «رحلة من الزمن» لترنس مالك
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي: أفلام تهرب من الحاضر الصعب إلى الأمس الشائك

فيلم «رحلة من الزمن» لترنس مالك
فيلم «رحلة من الزمن» لترنس مالك

منذ السبعينات، عندما كان المخرج ترنس مالك لا يزال طري العود في السينما، حلم بفيلم أكبر من قدراته على التنفيذ، بل أكبر من قدرات السينما آنذاك على تحمّل رؤيته الفريدة. أراد فيلما عن الخلق منذ النشأة الأولى وصولاً إلى رموش المرأة المعاصرة.
نعم هو تطرّق إلى الموضوع قبل بضع سنوات عندما أخرج «شجرة الحياة»، وخص جزءًا منه لتقديم ما يجول في فكره حول هذا الجانب الفلسفي والتأملي البعيد، لكن مع فيلمه الجديد «رحلة من الزمن» ينجز أخيرًا عملاً هو بكلّه عن الخلق والحياة والمحيط وحياة الكواكب وحياة الأرض. عن السماء وما بعدها وعن الأرض وما تحتها. صرف عليه سنوات طويلة وأموالا كثيرة، وحتى الأمس القريب كان لا يزال يضبط إيقاعه، ليعرضه في الدورة الثالثة والسبعين من مهرجان فينيسيا الدولي الذي ينطلق اليوم (الأربعاء).
* الفيلم الأغرب
نسختان متوفرتان من هذا الفيلم الذي ربما سيطلب من تحفة ستانلي كوبريك «2001: أوديسا الفضاء» أن يغادر كرسيه المتقدم ليحل مكانه. النسخة الأولى ستعرضها صالات «آي ماكس» التي لم تكن متوفرة أيام حقق كوبريك فيلمه ذاك سنة 1968. هذه ستكون الطريقة الوحيدة للتشبع من فيلم متعدد الطبقات فلسفيًا وبصريًا. النسخة الثانية هي تلك التي سيعرضها مهرجان فينيسيا، وتعرضها صالات السينما غير المخصصة. نسخة 35 ملم منفوخة لـ70 ملم، وستفي بالحاجة مؤقتًا.
يصل ترنس مالك إلى «فينيسيا» لحضور فيلمه، كما وعد، أو لا يصل متهربًا، لأنه لا يحب الصحافة والإعلام والصور، أمر لا جواب عنه الآن، لكن في كل الحالات سيجد الفيلم نفسه محاطًا بالاهتمام، ليس لأن كل النقاد وكل الجمهور معجب بأعماله على حد سواء، بل لأن فيلمه هو الأغرب، كما صرّح مدير المهرجان الفني ألبرتو باربيرا، واسم مالك يسبق أعماله تمامًا، كما حال مخرجين آخرين مشتركين في هذه الدورة، ومن بينهم الروسي أندريه كونتشالوفسكي والألماني فيم فندرز.
لا يعني ذلك طبعًا أن الأميركي مالك سيسرق كل الاهتمام. في هذه الدورة الجديدة هناك كثير من الأعمال المنتظرة تبعًا لسوابق الجمهور مع مخرجيها. إلى جانب مالك وكونتشالوفسكي وفندرز هناك عدد مهم آخر في المسابقة الرئيسية ذاتها، بينهم الصربي أمير كوستارتزا والفرنسي فرنسوا أوزون والكندي دنيس فيلنيوف والتشيلي بابلو لاران. هذا إلى جانب جيل أحدث قليلاً من بينهم الأميركي توم فورد والهولندي مارتن كولهوفن والإيطالي جيسبي بيكيوني.
في الحصيلة 20 فيلما في المسابقة جاءت من الولايات المتحدة والمكسيك وفرنسا وألمانيا وهولندا وتشيلي، علاوة على ما هو مشترك ما بين دولتين (الأرجنتين وإسبانيا) أو أكثر (بلجيكا، وألمانيا، وبريطانيا، والسويد).
بعض المخرجين الذين تمرسوا في تحقيق أفلام تصعد درجات المهرجانات الكبرى أو تتلقف جوائزها يلتقون هنا مخرجين جددا وبناة سينما الغد. المواضيع المعروضة داخل المسابقة وخارجها، تتعدد بطبيعة الحال، لكن إذا ما نظرنا إلى النماذج التالية لبعض أهم ما في جعبة المهرجان الإيطالي هذا العام، سنجد أن هناك هروبًا واضحًا من مشكلات اليوم إما إلى الأمس وإما إلى حالات مستقبلية. فبعض هذه الأفلام تعالج ما مضى، ولو كانت حروبًا شائكة وشخصيات عاشت حياة متقلبة، وبعضها الآخر يتحدث عن مخلوقات من الفضاء جاءت تبحث أو تستقر. ومع أن العناوين لا تعني كثيرا إلى أن يمكن مشاهدة الأفلام ذاتها، فتعلو بحسناتها أو تنخفض بسلبياتها، إلا أن هذا لا يمنع وجود عشرة أفلام أخرى غير فيلم مالك المستأثر بالاهتمام الأول، لا بد لنا من تدوينها كونها تحمل وعودًا مهمّة.
* Nocturnal Animals «حيوانات ليلية»
هذا الفيلم الأميركي هو لإحدى المواهب المنتمية إلى سينما السنوات العشر الأخيرة هو توم فورد. سبق له وأن قدم، قبل سبعة أعوام فيلمه الأول «رجل أعزب» مع كولين فيرث في البطولة. هنا ينقل رواية أوستن رايت التي وُصفت بالمشوّقة ويضع في البطولة مايكل شانون وجايك جيلنهال وإيسلا فيشر، ويطلب منهم التحرك في رحى حكاية حول امرأة تعتقد أن زوجها السابق يخطط لقتلها.
* Frantz «فرانتز»
المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون محبوب في فرنسا أكثر مما هو محبوب في خارجها. إلى حد كبير هذا طبيعي، لكن أعماله السابقة نقلت جانبين متواجهين من الحسنات والسيئات. هي مثيرة الحكايات والأفكار، داعية إلى التأمل والتفكير، لكنها كثيرًا ما تتوجه صوب مفادات غير مترابطة، وتبدو كما لو أنها مسيّرة بالضرورة وليس كنتاج درامي. فيلمه الجديد، بالأبيض والأسود، وحسب ما يتوارد، ينتمي إلى أفضل أعماله، ويدور في زمن الحرب العالمية الأولى عندما تكتشف بطله (بولا بير) أن صديقها الراحل «فرانتز»، لم يكن مخلصًا لها وحدها.
* Hacksaw Ridge «هاسكو ريدج»
ليس هناك من مخرج وممثل وجد نفسه يمر بظروف مناوئة في السنوات العشرين الأخيرة كما حال ميل غيبسون، مخرج هذا الفيلم. أثار ما أثار عندما تفوّه بتعبيرات عنصرية، وحاولت هوليوود تجاهله. عانى من نتائج هذه المحاولة فغاب إلا من ظهور محدود ومتباعد، لكنه كان دوما ما يهدف إلى العودة إلى الإخراج، وهو الذي حقق أفلامًا فوق المتوسط دومًا آخرها «أبوكاليبتو» سنة 2006. الفيلم الجديد يقع في نطاق الحرب العالمية الثانية، ويتناول حياة الضابط دزموند دوس (يقوم به أندرو غارفيلد) الذي كان أول جندي أميركي ينال ميدالية الشرف.
* The Untamed «غير المروّض»
بعد «مدنايت سباشل» لجف نيكولز الذي عرضه برلين، و«شيطان النيون» لنيكولاس وندينغ رفن الذي عرضه «كان»، يطل دور مهرجان فينيسيا لعرض فيلم بشخصيات غريبة في عمل قد يستعير قليلاً من هذين العملين ولو صدفة. «غير المروّض» هو خيالي علمي (كما حال فيلم نيكولز)، ورعب (كما فيلم رفن) مع لمسات فنية (كما في الفيلمين معًا): حكاية وسمها المخرج المكسيكي أمات إسكالانتي حول أزمة تنطلق عاطفيًا، وتنتهي كوارثيًا عندما يتدخل شخص بين زوجين، ليكتشفا أنه ليس شخصًا عاديا، بل ربما كان من مخلوقات الفضاء.
* Arrival «وصول»
في الإطار الخيالي العلمي ذاته، وفي ثنايا الحكايات التي تتعاطى ومخلوقات فضائية تهبط الأرض يأتي «وصول» حاملاً الخامة الفنية الخاصّة بمخرجه الكندي دنيس فيلينييف الذي انطلق من دون تمهيد منجزًا في عام 2010 فيلم «حرائق» حول جحيم الحرب الأهلية ونتاجاتها الدرامية في بلد عربي تركه بلا اسم. لو راقبنا مسيرته لوجدناه يغير أنواع أعماله، لكنه يحافظ على جديتها وبحثها في ذوات شخصياتها. بعد «سيكاريو» في العام الماضي، يعود في «وصول» منتقلاً إلى رحاب حكاية حول عائلة من الفضاء وصلت الأرض وقررت أن تسكن في إحدى بلداتها. جيرمي رَنر وفورست ويتيكر وآمي أدامز في البطولة.
* The Age of Shadows «عصر الظلال»
المخرج الياباني كيم جي - وون حاول دخول السوق العالمية بأفلام لافتة بينها «ستوكر» الأميركي، و«سنوبيرسر» الكوري الذي دار حول نهاية العالم أو ما بعد. الآن يعود إلى التاريخ ويقدم حكاية تقع في رحى احتلال اليابان لكوريا في العشرينات، حيث يتم تجنيد كوري جاسوسا لاختراق المقاومة، لكن الجاسوس (يقوم به سونغ كانغ - وهو من أشهر وجوه السينما في بلاده)، يقرر أن يتجسس على اليابانيين لحساب الكوريين أيضًا. في أسوأ الاحتمالات، سيكون هذا الفيلم فيلم إثارة وتشويق وتسلية باتت المهرجانات تقصدها للتنويع.
* Brimstone «بريمستون»
سينما الوسترن التي قيل إنها أسلمت الروح للأبد كانت قد عادت بقوّة منذ بضع سنوات، وعزز وجودها في العام الماضي فيلم كونتين تارانتينو «الثمانية الكارهون»، كما فيلم «فأس عظمي» لمخرج جديد هو س. كريغ زولر. كلا الفيلمان من بطولة كيرت راسل، لكن هذا ليس كل ما في الجعبة. «بريمستون» هو فيلم وسترن جديد آخر يقدم عليه الهولندي مارتن كولهوفن ومعه غاي بيرس وداكوتا فانينغ.
* The Magnificent Seven «السبعة الرائعون»
ليس من أفلام المسابقة، بل الفيلم الذي يختتم الدورة الجديدة من المهرجان الإيطالي، لكنه، لجانب «بريمستون» دلالة على أن أفلام الغرب الأميركي قد تغيب لكي تعود بقوّة. إنه نسخة جديدة من فيلم جون ستيرجز بالعنوان ذاته سنة 1960. لكن بما أن «السبعة الرائعون» السابق كان بدوره استلهامًا مكشوفًا من فيلم «الساموراي السبعة» لأكيرا كوروساوا فإنه من غير المعروف كيف سيختلف هذا الفيلم الجديد عنهما. الثقة بمخرجه الموهوب أنطون فوكوا غالبًا في مكانها.
* The Beautiful Life of Aranjuez «الحياة الجميلة لأرانجويز»
في العام الماضي قام الألماني فيم فندرز بإنجاز «كل شيء على ما يرام»، كاشفًا عن أن ليس كل شيء على ما يرام في عالمه. حكاية باهتة التأثير حول الروائي الذي دهس طفلاً فتبدلت حياته وحياة والدة الطفل. لم يُستقبل الفيلم جيدًا وكان النقاد على حق. لكن التأثير الذي وقع خص الفيلم وليس المخرج، وها هو يعود في هذا الفيلم الذي وصف بأنه يحمل سمات التجريب ويدور حول رجل (رضا كاتب) وامرأة (صوفي سيمين) يتحاوران في عقل كاتب روائي.
* Jackie «جاكي»
مهرجان «تورونتو» فاز بفيلم أوليفر ستون «سنودون»، لكن «فينيسيا» فاز بفيلم بابلو لاران الجديد «جاكي». دراما من بطولة ناتالي بورتمان عن حياة جاكلين كينيدي، زوجة الرئيس جون ف. كينيدي وذلك بعد حادثة اغتياله. يقوم بيتر سكارسغارد بدور روبرت كينيدي، وهناك دور محدود لجون كينيدي يتولاه كاسبر فيلبسن، لأن معظم الأحداث تقع بعد الحادثة وليس قبلها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».