«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي: أفلام تهرب من الحاضر الصعب إلى الأمس الشائك

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي: أفلام تهرب من الحاضر الصعب إلى الأمس الشائك

يلتقي في المهرجان مخرجون حققوا أفلاما حصلت على جوائز عالمية
الأربعاء - 28 ذو القعدة 1437 هـ - 31 أغسطس 2016 مـ
فينيسيا: محمد رُضا
منذ السبعينات، عندما كان المخرج ترنس مالك لا يزال طري العود في السينما، حلم بفيلم أكبر من قدراته على التنفيذ، بل أكبر من قدرات السينما آنذاك على تحمّل رؤيته الفريدة. أراد فيلما عن الخلق منذ النشأة الأولى وصولاً إلى رموش المرأة المعاصرة.

نعم هو تطرّق إلى الموضوع قبل بضع سنوات عندما أخرج «شجرة الحياة»، وخص جزءًا منه لتقديم ما يجول في فكره حول هذا الجانب الفلسفي والتأملي البعيد، لكن مع فيلمه الجديد «رحلة من الزمن» ينجز أخيرًا عملاً هو بكلّه عن الخلق والحياة والمحيط وحياة الكواكب وحياة الأرض. عن السماء وما بعدها وعن الأرض وما تحتها. صرف عليه سنوات طويلة وأموالا كثيرة، وحتى الأمس القريب كان لا يزال يضبط إيقاعه، ليعرضه في الدورة الثالثة والسبعين من مهرجان فينيسيا الدولي الذي ينطلق اليوم (الأربعاء).

* الفيلم الأغرب

نسختان متوفرتان من هذا الفيلم الذي ربما سيطلب من تحفة ستانلي كوبريك «2001: أوديسا الفضاء» أن يغادر كرسيه المتقدم ليحل مكانه. النسخة الأولى ستعرضها صالات «آي ماكس» التي لم تكن متوفرة أيام حقق كوبريك فيلمه ذاك سنة 1968. هذه ستكون الطريقة الوحيدة للتشبع من فيلم متعدد الطبقات فلسفيًا وبصريًا. النسخة الثانية هي تلك التي سيعرضها مهرجان فينيسيا، وتعرضها صالات السينما غير المخصصة. نسخة 35 ملم منفوخة لـ70 ملم، وستفي بالحاجة مؤقتًا.

يصل ترنس مالك إلى «فينيسيا» لحضور فيلمه، كما وعد، أو لا يصل متهربًا، لأنه لا يحب الصحافة والإعلام والصور، أمر لا جواب عنه الآن، لكن في كل الحالات سيجد الفيلم نفسه محاطًا بالاهتمام، ليس لأن كل النقاد وكل الجمهور معجب بأعماله على حد سواء، بل لأن فيلمه هو الأغرب، كما صرّح مدير المهرجان الفني ألبرتو باربيرا، واسم مالك يسبق أعماله تمامًا، كما حال مخرجين آخرين مشتركين في هذه الدورة، ومن بينهم الروسي أندريه كونتشالوفسكي والألماني فيم فندرز.

لا يعني ذلك طبعًا أن الأميركي مالك سيسرق كل الاهتمام. في هذه الدورة الجديدة هناك كثير من الأعمال المنتظرة تبعًا لسوابق الجمهور مع مخرجيها. إلى جانب مالك وكونتشالوفسكي وفندرز هناك عدد مهم آخر في المسابقة الرئيسية ذاتها، بينهم الصربي أمير كوستارتزا والفرنسي فرنسوا أوزون والكندي دنيس فيلنيوف والتشيلي بابلو لاران. هذا إلى جانب جيل أحدث قليلاً من بينهم الأميركي توم فورد والهولندي مارتن كولهوفن والإيطالي جيسبي بيكيوني.

في الحصيلة 20 فيلما في المسابقة جاءت من الولايات المتحدة والمكسيك وفرنسا وألمانيا وهولندا وتشيلي، علاوة على ما هو مشترك ما بين دولتين (الأرجنتين وإسبانيا) أو أكثر (بلجيكا، وألمانيا، وبريطانيا، والسويد).

بعض المخرجين الذين تمرسوا في تحقيق أفلام تصعد درجات المهرجانات الكبرى أو تتلقف جوائزها يلتقون هنا مخرجين جددا وبناة سينما الغد. المواضيع المعروضة داخل المسابقة وخارجها، تتعدد بطبيعة الحال، لكن إذا ما نظرنا إلى النماذج التالية لبعض أهم ما في جعبة المهرجان الإيطالي هذا العام، سنجد أن هناك هروبًا واضحًا من مشكلات اليوم إما إلى الأمس وإما إلى حالات مستقبلية. فبعض هذه الأفلام تعالج ما مضى، ولو كانت حروبًا شائكة وشخصيات عاشت حياة متقلبة، وبعضها الآخر يتحدث عن مخلوقات من الفضاء جاءت تبحث أو تستقر. ومع أن العناوين لا تعني كثيرا إلى أن يمكن مشاهدة الأفلام ذاتها، فتعلو بحسناتها أو تنخفض بسلبياتها، إلا أن هذا لا يمنع وجود عشرة أفلام أخرى غير فيلم مالك المستأثر بالاهتمام الأول، لا بد لنا من تدوينها كونها تحمل وعودًا مهمّة.

* Nocturnal Animals «حيوانات ليلية»

هذا الفيلم الأميركي هو لإحدى المواهب المنتمية إلى سينما السنوات العشر الأخيرة هو توم فورد. سبق له وأن قدم، قبل سبعة أعوام فيلمه الأول «رجل أعزب» مع كولين فيرث في البطولة. هنا ينقل رواية أوستن رايت التي وُصفت بالمشوّقة ويضع في البطولة مايكل شانون وجايك جيلنهال وإيسلا فيشر، ويطلب منهم التحرك في رحى حكاية حول امرأة تعتقد أن زوجها السابق يخطط لقتلها.

* Frantz «فرانتز»

المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون محبوب في فرنسا أكثر مما هو محبوب في خارجها. إلى حد كبير هذا طبيعي، لكن أعماله السابقة نقلت جانبين متواجهين من الحسنات والسيئات. هي مثيرة الحكايات والأفكار، داعية إلى التأمل والتفكير، لكنها كثيرًا ما تتوجه صوب مفادات غير مترابطة، وتبدو كما لو أنها مسيّرة بالضرورة وليس كنتاج درامي. فيلمه الجديد، بالأبيض والأسود، وحسب ما يتوارد، ينتمي إلى أفضل أعماله، ويدور في زمن الحرب العالمية الأولى عندما تكتشف بطله (بولا بير) أن صديقها الراحل «فرانتز»، لم يكن مخلصًا لها وحدها.

* Hacksaw Ridge «هاسكو ريدج»

ليس هناك من مخرج وممثل وجد نفسه يمر بظروف مناوئة في السنوات العشرين الأخيرة كما حال ميل غيبسون، مخرج هذا الفيلم. أثار ما أثار عندما تفوّه بتعبيرات عنصرية، وحاولت هوليوود تجاهله. عانى من نتائج هذه المحاولة فغاب إلا من ظهور محدود ومتباعد، لكنه كان دوما ما يهدف إلى العودة إلى الإخراج، وهو الذي حقق أفلامًا فوق المتوسط دومًا آخرها «أبوكاليبتو» سنة 2006. الفيلم الجديد يقع في نطاق الحرب العالمية الثانية، ويتناول حياة الضابط دزموند دوس (يقوم به أندرو غارفيلد) الذي كان أول جندي أميركي ينال ميدالية الشرف.

* The Untamed «غير المروّض»

بعد «مدنايت سباشل» لجف نيكولز الذي عرضه برلين، و«شيطان النيون» لنيكولاس وندينغ رفن الذي عرضه «كان»، يطل دور مهرجان فينيسيا لعرض فيلم بشخصيات غريبة في عمل قد يستعير قليلاً من هذين العملين ولو صدفة. «غير المروّض» هو خيالي علمي (كما حال فيلم نيكولز)، ورعب (كما فيلم رفن) مع لمسات فنية (كما في الفيلمين معًا): حكاية وسمها المخرج المكسيكي أمات إسكالانتي حول أزمة تنطلق عاطفيًا، وتنتهي كوارثيًا عندما يتدخل شخص بين زوجين، ليكتشفا أنه ليس شخصًا عاديا، بل ربما كان من مخلوقات الفضاء.

* Arrival «وصول»

في الإطار الخيالي العلمي ذاته، وفي ثنايا الحكايات التي تتعاطى ومخلوقات فضائية تهبط الأرض يأتي «وصول» حاملاً الخامة الفنية الخاصّة بمخرجه الكندي دنيس فيلينييف الذي انطلق من دون تمهيد منجزًا في عام 2010 فيلم «حرائق» حول جحيم الحرب الأهلية ونتاجاتها الدرامية في بلد عربي تركه بلا اسم. لو راقبنا مسيرته لوجدناه يغير أنواع أعماله، لكنه يحافظ على جديتها وبحثها في ذوات شخصياتها. بعد «سيكاريو» في العام الماضي، يعود في «وصول» منتقلاً إلى رحاب حكاية حول عائلة من الفضاء وصلت الأرض وقررت أن تسكن في إحدى بلداتها. جيرمي رَنر وفورست ويتيكر وآمي أدامز في البطولة.

* The Age of Shadows «عصر الظلال»

المخرج الياباني كيم جي - وون حاول دخول السوق العالمية بأفلام لافتة بينها «ستوكر» الأميركي، و«سنوبيرسر» الكوري الذي دار حول نهاية العالم أو ما بعد. الآن يعود إلى التاريخ ويقدم حكاية تقع في رحى احتلال اليابان لكوريا في العشرينات، حيث يتم تجنيد كوري جاسوسا لاختراق المقاومة، لكن الجاسوس (يقوم به سونغ كانغ - وهو من أشهر وجوه السينما في بلاده)، يقرر أن يتجسس على اليابانيين لحساب الكوريين أيضًا. في أسوأ الاحتمالات، سيكون هذا الفيلم فيلم إثارة وتشويق وتسلية باتت المهرجانات تقصدها للتنويع.

* Brimstone «بريمستون»

سينما الوسترن التي قيل إنها أسلمت الروح للأبد كانت قد عادت بقوّة منذ بضع سنوات، وعزز وجودها في العام الماضي فيلم كونتين تارانتينو «الثمانية الكارهون»، كما فيلم «فأس عظمي» لمخرج جديد هو س. كريغ زولر. كلا الفيلمان من بطولة كيرت راسل، لكن هذا ليس كل ما في الجعبة. «بريمستون» هو فيلم وسترن جديد آخر يقدم عليه الهولندي مارتن كولهوفن ومعه غاي بيرس وداكوتا فانينغ.

* The Magnificent Seven «السبعة الرائعون»

ليس من أفلام المسابقة، بل الفيلم الذي يختتم الدورة الجديدة من المهرجان الإيطالي، لكنه، لجانب «بريمستون» دلالة على أن أفلام الغرب الأميركي قد تغيب لكي تعود بقوّة. إنه نسخة جديدة من فيلم جون ستيرجز بالعنوان ذاته سنة 1960. لكن بما أن «السبعة الرائعون» السابق كان بدوره استلهامًا مكشوفًا من فيلم «الساموراي السبعة» لأكيرا كوروساوا فإنه من غير المعروف كيف سيختلف هذا الفيلم الجديد عنهما. الثقة بمخرجه الموهوب أنطون فوكوا غالبًا في مكانها.

* The Beautiful Life of Aranjuez «الحياة الجميلة لأرانجويز»

في العام الماضي قام الألماني فيم فندرز بإنجاز «كل شيء على ما يرام»، كاشفًا عن أن ليس كل شيء على ما يرام في عالمه. حكاية باهتة التأثير حول الروائي الذي دهس طفلاً فتبدلت حياته وحياة والدة الطفل. لم يُستقبل الفيلم جيدًا وكان النقاد على حق. لكن التأثير الذي وقع خص الفيلم وليس المخرج، وها هو يعود في هذا الفيلم الذي وصف بأنه يحمل سمات التجريب ويدور حول رجل (رضا كاتب) وامرأة (صوفي سيمين) يتحاوران في عقل كاتب روائي.

* Jackie «جاكي»

مهرجان «تورونتو» فاز بفيلم أوليفر ستون «سنودون»، لكن «فينيسيا» فاز بفيلم بابلو لاران الجديد «جاكي». دراما من بطولة ناتالي بورتمان عن حياة جاكلين كينيدي، زوجة الرئيس جون ف. كينيدي وذلك بعد حادثة اغتياله. يقوم بيتر سكارسغارد بدور روبرت كينيدي، وهناك دور محدود لجون كينيدي يتولاه كاسبر فيلبسن، لأن معظم الأحداث تقع بعد الحادثة وليس قبلها.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة