خرافة المراكز والأطراف

خرافة المراكز والأطراف

الأحد - 25 ذو القعدة 1437 هـ - 28 أغسطس 2016 مـ
فاضل السلطاني
هل لا تزال هناك مراكز وأطراف، في ثقافتنا العربية في الأقل، كما كانت هناك في الستينات والسبعينات؟ هل لا تزال القاهرة وبغداد وبيروت، مراكز ذلك الزمن السعيد، هي نفسها، وهل لا تزال الأطراف، التي كانت تشمل كل البلدان العربية الأخرى، وضمنها الخليج وبلدان المغرب العربي، هي نفسها؟ وعلى مستوى البلد الواحد، هل لا تزال العواصم هي المراكز التي يحلم مثقفو المدن الأخرى بالوصول إليها، ليطلقوا شهرتهم من هناك، حيث الصحف والمطابع، ودور النشر، والصداقات أيضًا، و«الأسماء الكبيرة»، التي تمنح التزكية والتبريك؟ ظاهريًا، يبدو أن أسئلة كهذه صارت أسئلة نافلة، لكن الواقع للأسف يشير إلى عكس ذلك.
وبشكل أكثر وضوحًا، هل عرفنا، نحن، مثقفي القاهرة وبيروت وبغداد، ثقافة المغرب العربي الكبير، أو ثقافة «الخليج»، أو ثقافة الصحراء، حسب تعبير البعض، كما ينبغي، وكما تفرض علينا مهمتنا كـ«مثقفين» من متابعة وقراءة؟ هل قرأنا جيدًا التاريخ الثقافي، بكل تعرجاته وتعقيداته، لبلدان «الهوامش» هذه، كما تعرف هي تاريخنا؟ ولنتوسع قليلاً، في هذه المساحة الضيقة، ونتحدث حتى عن أبناء الوطن الواحد. ماذا يعرف المثقفون اللبنانيون العراقيون والسوريون والمصريون عن نتاج «أبناء الهوامش»؟
لقد هيمنت ثقافة المركز، أو ثقافة الحواضر، التي هي ثقافة الطبقة الوسطى، منذ ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، على الثقافة الوطنية في أوطاننا، وصبغتنا بألوانها، ولكن، في المقابل، فقدت هذه الثقافة ثروة أدبية وثقافية وفكرية تشكلت في مدننا «الهامشية»، لكنها لم تصل، إلا فيما ندر، وفي حالات خاصة جدًا، في زمن كانت فيه ثقافة المراكز هي الثقافة المهيمنة. كان «أدباء الأقاليم»، حسب التسمية المصرية، يشكون من تجاهل كتاب القاهرة لهم، وكتاب البصرة والحلة والنجف، يعانون ما يعانون حتى يثبتوا أنفسهم لكتاب بغداد. ولم يكن أحد ليسمع، مثلاً، بشاعر مثل محمد مهدي الجواهري، ولاحقًا السياب وحسين مردان وبلند الحيدري، لولا وجودهم في المركز، بغداد. ولم تكن بيروت لتعرف كتاب الجنوب إلا بعد الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة ابتداء من 1978، وهجرتهم للعاصمة. وحتى في بلدان «الأطراف»، لعبت العاصمة دور المركز بالنسبة للمدن الأخرى، كما في الرباط، والرياض، على سبيل المثال.
قد يبدو من السطح أن هذه التناقضات بين المراكز والهوامش قد اضمحلت إلى حد كبير، ليس بسبب تغيير تركيبتنا الثقافية، وبنيتها المركزية، فهي لا تزال كذلك إلى حد بعيد، بل بسبب تغير العصر نفسه بفضل ثورة الاتصالات. الأفكار لا تتغير بسهولة، على الرغم من تغير الواقع المادي الذي أنتجها، بل تستمر طويلاً متنقلة من مرحلة معينة لأخرى متباينة عنها في الظاهر، لكنها في الجوهر قد تكون مجرد إعادة إنتاج لها. وقد أثبتت التجارب التاريخية والاجتماعية أنه ليس يكفي أن تتغير الشروط التي ولدت ظواهر معينة لتتغير هذا الظواهر تلقائيًا، بل تحتاج إلى زمن طويل من التثقيف وإعادة التثقيف، والنضال المرير على مستوى الذات والمجتمع أيضًا.
لقد نجحت المركزية الأوروبية، التي أنتجت حركة الحداثة، التي يمجدها قسم من المثقفين ليل نهار من دون أن يعوا ماذا تعني حقًا، في تقسيم العالم إلى مراكز وأطراف، بحكم قوتها الاقتصادية والاجتماعية، ولكنها فقدت مبرراتها الواقعية في عصرنا هذا، مما أدى فكريًا إلى نهوض ما يناقضها، وهي حركة ما بعد الحداثة، التي تحتفي بالآخر وثقافته، بل تستنهضها، وتباركها.
ولكن القسم الكبير من المثقفين العرب ليسوا مغرمين، كما يبدو، في «ما بعد»، ولذلك هم يكررون ويعكسون في تنظيراتهم وكتاباتهم وممارستهم أبشع ما أنتجته المركزية، سواء أكانت شرقية أم غربية، وما خلقته من وعي زائف بالتفوق على الآخر «الهامشي»، من دون أن يدركوا أنهم أنفسهم مستلبون.
نفي الآخر، مهما يكن هذا الآخر، هو، كما تعلمنا، أبسط مبادئ التحليل النفسي، ليس سوى تصعيد وهمي للشعور بالدونية.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة