كيف سيعاني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من تداعيات {الخروج»؟

منافسة حامية على تقاسم كعكة لندن المالية

كيف سيعاني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من تداعيات {الخروج»؟
TT

كيف سيعاني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من تداعيات {الخروج»؟

كيف سيعاني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من تداعيات {الخروج»؟

عندما تفاقمت المشاكل داخل الاتحاد الأوروبي بسبب السياسة الألمانية فيما يخص قضية اللجوء، قالت المستشارة أنغيلا ميركل «سنحل المشكلة»، وعندما أعلنت لندن عزمها إجراء تصويت شعبي لإقرار بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه، الخطوة التي اعتبرها الكثيرون تهديدا لأوروبا ومستقبلها السياسي والعسكري والاقتصادي، كان رد فعل ميركل هادئا، ولم تُظهر أي انفعال؛ فهذا ما اعتادت عليه منذ تسلمها الحكم، بعكس بقية السياسيين الألمان.
فمنذ الأزمة المالية عام 2008، وحتى مشكلة اللاجئين السياسيين، وهي تحاول اللجوء إلى الرصانة في انفعالاتها، حتى إنها تعتمد دائما على مقولتها «يجب إنجاز ما يجب إنجازه، ويجب ألا نُصاب بالارتباك؛ إذ يمكننا التغلب على المشكلات»، لكن مصادر داخلية في ديوان المستشارية أكدت أن ميركل عندما سمعت نتائج التصويت الشعبي في بريطانيا اختلفت تماما، فمع وداع البريطانيين للاتحاد الأوروبي اختفت الرصانة وبرودة الأعصاب، حتى أن أحد مستشاريها لم يتردد أن يقول: «من رأى وجه ميركل صبيحة التصويت والإعلان عن النتائج يخال إنها مريضة جدا، فقد بدت متعبة جدا، وكانت هناك هالة داكنة حول عينيها، ولقد اعترفت في أوساط ضيقة بأن خروج بريطانيا من دائرة الاتحاد الأوروبي يشكل أزمة حقيقية»؛ ما يعني أنه لم يعد بإمكان المستشارة القول: «بإمكاننا الحل».
ويحمّل بعض المحللين السياسيين ميركل جزءا من مسؤولية قرار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي، فهي أصبحت في السنوات الماضية تفرض سياستها على البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي؛ لأن بلادها الأقوى اقتصاديا، ما رفع من أصوات المناهضين لهذه السياسة فاستغلها الرافضون للخضوع لسياسة أوروبية واحدة ألمانية اللون، مثل ما حدث في استفتاء الخروج في بريطانيا، والمشكلة أن هذه الأصوات تزداد بالأخص مع إصرار الاتحاد الأوروبي على إدخال إصلاحات على سياسات دوله العضوة، ووجوب انتهاج سياسة تقشف قاسية جدا، وتوفير واعتماد سياسة واحدة حيال موجات اللجوء السياسي وليس الحد منها.
* التصويت ضربة موجعة لميركل
إذا ما استعرضنا الوضع الأوروبي وبالأخص الألماني بعد التصويت الشعبي البريطاني نجد أن رموز سياسية كثيرة كانت خاسرة، على رأسها المستشارة ميركل نفسها، فمع خروج بريطانيا تخسر ميركل شريكا مهما كان يشكل أحد أضلاع المثلث الأوروبي القوي (فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، لكنها كانت تريد بريطانيا برئاسة ديفيد كاميرون، فبعكس الرئيس الفرنسي الاشتراكي فرنسوا أولاند، تجمع ما بين ميركل وكاميرون أمور كثيرة، ولهما الاتجاه السياسي نفسه تقريبا، وهو تجريد البيروقراطية في مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل من نفوذها، وجعل الاتحاد الأوروبي أكثر حركة، وإرغام بلدان جنوب أوروبا على اتباع سياسة تقشف صارمة وضبط الموازنات العامة فيها، وزيادة حرية الأسواق وعدم تراكم الديون؛ لذا وصف البعض خسارة ميركل لكاميرون بأنها ضربة موجعة جدا لها، ولن يكون الرئيس الفرنسي الشريك الأوروبي الذي تعتمد عليه لأن «اللهجات مختلفة»، فرغم أن فرنسا بلد قوى فإنها تعاني مشكلات داخلية انعكست على رئيسها الذي يواجه اليوم أصعب فترات حياته السياسية، حيث تركة سياسية مليئة بالأخطاء للرئيس الأسبق نيقولا ساركوزي أدت إلى تنامي الجبهة الوطنية اليمينية المتشددة، ووضع اقتصادي ومالي صعب، وليس سرا بأن أولاند عاجز عن مواجهته بالشكل الصحيح. وعليه، فإن شراكة ميركل مع أولاند ليست سوى «شراكة اضطرارية»، ورغم أنها غير متساوية، لكن على الاثنين التعاون لإيجاد صيغ للحد من الكوارث الاقتصادية التي لم يستطع أحد حتى الآن تقدير تأثيراتها في النمو الاقتصادي لأوروبا بدقة.
وباعتراف الاشتراكي سيغمار غابريل، نائب المستشارة ميركل، ووزير اقتصادها، إنه من دون بريطانيا ستصبح أمور كثيرة صعبة؛ فهي ليست أي بلد، ومع ذلك يحاول غابريل دائما، في كل مناسبة تُناقش فيها انعكاسات خروج بريطانيا على الاتحاد الأوروبي، التخفيف من سوء الوضع، بالتأكيد على أن خروجها ليس نهاية العالم وسيحتاج الاتحاد الأوروبي وألمانيا إلى بريطانيا مستقبلا في السياسة الأمنية أو الاقتصادية أو التجارية، دون أن يذكر الأمور السياسية.
* أول الانعكاسات
قبل أيام من إجراء التصويت الشعبي في بريطانيا راهنت مؤسسة «غولدمان ساكس» بنحو 440 مليون يورو على عدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومراهنة هذه المؤسسة الأميركية كانت بناءها مبنى جدياد سُمي «مركز أوروبا» في لندن من المفترض أن يجهز عام 2019 ويعمل فيه أكثر من 8 آلاف موظف من كل أوروبا، لكن الآن وبعد القرار النهائي ليس معروفا كم موظفا سيعمل في المبنى الجديد، عدا عن ذلك، فإن الكثير من المؤسسات المالية الكبيرة تفكر في مغادرة لندن، فمصرف «اتش إس بي سي» البريطاني أعلن أنه يريد نقل خُمس عدد موظفيه إلى فرنسا أي نقل ما يقارب من ألف موظف من لندن إلى باريس، والمصرف السويسري «يو بي إس» عازم على تغيير مركزه الأوروبي، وقد يكون المكان الجديد في فرانكفورت، وهذا يعني أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستكون نتيجته مغادرة مؤسسات مالية مهمة تابعة للاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل 80 ألف موظف.
وفي الوقت الذي يتم الحديث فيه عن تأثيرات خروج بريطانيا تتنافس مدن أوروبية على جلب المؤسسات المالية التي ستترك لندن، واللائحة طويلة، لكن يجب أن يكون للبديل المواصفات نفسها، وهناك فرانكفورت وباريس ودبلن وإمارة لوكسمبورغ، أيضا مدريد وأمستردام ووارسو.
* فرانكفورت
في فرانكفورت التي يبلغ تعداد سكانها 720 ألفا، يعمل في قطاعها المالي نحو 63 ألف موظف، وإذا ما نُقلت بعض المؤسسات المالية، فعليها توفير مساكن، وهي التي تعاني أزمة سكن وبدل إيجارات مرتفعة، مع ذلك تتوفر لديها بعض المواصفات، منها أنها مقر المصرف المركزي الأوروبي ومؤشر بورصة أوراكس، والمئات من المؤسسات المالية العريقة والمصارف الكبيرة، إلا أن مستوى اللغة الإنجليزية في الأوساط المالية ما زال دون الحد المطلوب.
لكن القضية الكبيرة التي يجب حسمها هي مصير عملية اندماج بورصة فرانكفورت مع بورصة لندن «إل إس آي»، ويجري الآن البحث عن حل لمواصلة الشراكة، فالمركز الرئيسي في لندن وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستصبح بورصة لندن أجنبية وليست تابعة لبلد في الاتحاد الأوروبي، وبناء عليه تخضع للقوانين المطبقة على المؤسسات والشركات الأجنبية. والآن على حاملي الأسهم في البورصة الألمانية اتخاذ قرار في الجمعية العمومية، إما باستبدال أسهمهم بأسهم المؤسسة القابضة الجديدة في لندن أم لا، والبديل عن عاصمة الضباب قد تكون فرانكفورت، وإلى أن تجتمع الجمعية العمومية وتتخذ كل الإجراءات فإن الأمر قد يتطلب وقتا حتى عام 2018.
مع ذلك يتوقع هربوتوس فات، رئيس إدارة مؤسسة مبادرة السوق المالية في فرانكفورت، انتقال ما يقارب من الـ10 آلاف مركز عمل إلى فرانكفورت خلال السنوات الخمسة المقبلة، والسبب في ذلك أهمية القرب الجغرافي من المصرف المركزي الأوروبي، فهو لا يحدد فقط نسبة الفائدة المالية لمنطقة اليورو، بل ويراقب المؤسسات المالية الكبرى، عدا عن ذلك، فإن أغلب المصارف لها فروع في فرانكفورت؛ ما يجعل انتقالها أقل كلفة وأسهل، ولا حاجة إلى الحصول على ترخيص.
* باريس
وتعتقد باريس، وعدد سكانها نحو مليونين ونصف المليون نسمة، أن فرصتها لجذب المؤسسات التي ستغادر لندن أوفر، ويعمل في قطاعها المالي والمصرفي 145 ألف موظف، ففيها مجلس الإشراف الأوروبي على الأوراق المالية، وخمسة من أكبر مصارف أوروبا، وتدير المؤسسات المالية هناك ما يقارب من 1.5 تريليون يورو، ولدى باريس العزم على خفض نسبة الضريبة على الشركات من 33 إلى 28 في المائة، إلا أن قرابة الـ40 في المائة من الفرنسيين العاملين في قطاع المال لا يتقنون اللغة الإنجليزية بطلاقة.
* لوكسمبورغ
وتريد إمارة لوكسمبورغ منافسة فرانكفورت وباريس، فتعداد سكانها 540 ألفا، وفيها 26 ألف موظف في القطاع المالي، وما يميزها أن حكومة الإمارة تعطي أهمية كبيرة للصناعة المالية، والكثير من سكانها يتقن إلى جانب الألمانية الفرنسية والإنجليزية بطلاقة، إلا أن العامل السلبي لديها أن مساحتها صغيرة وفيها القليل من المحامين؛ لذا فإن انتقال آلاف الموظفين إليها سيحدث انفجارا سكانيا، والسلبيات الأخرى مرتبطة بانخفاض عدد خبراء الاجتهادات القانونية؛ فكلية الحقوق افتتحت قبل سنوات قليلة فقط.
* دبلن
أما بالنسبة لدبلن وعدد سكانها 530 ألفا، فإن الضريبة على الشركات فيها منخفضة ونظامها القانوني أنجلو ساكسوني، أي مشابه للبريطاني، وبالطبع لا توجد عوائق لغوية؛ فالكل يتكلم الإنجليزية، وبسبب الضريبة المنخفضة منذ زمن فإنها تجذب رأس مال الشركات الأجنبية وبالأخص الأميركية، من بينها «غوغل» و«فيسبوك» وعدد من مصانع التقنيات المتطورة، لكن اقتصادها سيعاني بشدة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بسبب ارتباطه بها.
الاقتصاد الألماني الأكثر تأثرًا
وعلى الرغم من الأحلام التي تبنيها فرانكفورت إذا ما احتضنت المصارف التي ستهجر بريطانيا، لكن انعكاسات الخروج ستكون كبيرة جدا على ألمانيا ككل بحسب تقديرات محللين اقتصاديين ألمان.
فسواء على صعيد الضرائب أو التمويل أو الدعم أو حرية التجارة أو مكافحة الاحتكار أو الرقمنة، فإن أوجه التشابه بين ألمانيا وبريطانيا كبيرة، وما يجمع العاصمتين صداقة عميقة وحميمة، حتى أن وزير المال الألماني فولفغانغ شوبليه قال قبل التصويت الشعبي «سنبكي إذا ما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي»، واليوم وبعد خروجها ستكون العلاقة على كل الأصعدة رسمية جدا وليس كما في السابق، ففي ألمانيا كما بريطانيا، سيحتاج رجل الأعمال إلى تأشيرة دخول، وسير الأعمال بين البلدين سيتخذ طابعا آخر تماما؛ ما يعني الدخول في مرحلة تغييرات بيروقراطية طويلة.
وبناءً على معلومات مكتب الإحصائيات الاتحادي في فيسبادن تربعت بريطانيا عام 2015 في المرتبة الثالثة في قائمة أهم المستوردين من ألمانيا؛ إذ وصل حجم صادرات ألمانيا إليها 95 مليار يورو، وفي قطاع الخدمات وصل إلى 23 مليار يورو.
يُضاف إلى ذلك، أن لدى أكثر من 2500 شركة ومصنع ألماني فروع في بريطانيا، ورفعت هذه الشركات سقف رأسمالها إلى نحو 130 مليار يورو مع زيادة عدد العمال إلى 400 ألف؛ لذا ليس غريبا أن تتفاعل بورصة فرانكفورت بعصبية شديدة عندما تم إعلان خبر انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ومن السلبيات الأخرى، أن إعادة الحكومة البريطانية الجديدة تقييم سعر الجنية الإسترليني مقابل اليورو وارتفاع نسبة التضخم سيزيد من سعر البضائع والسلع الألمانية ويخفض من مبيعاتها في المملكة المتحدة.
وطبقا لدراسة أجرتها شركات تأمين الائتمان، فإن خروج بريطانيا سيلحق بخسائر فادحة بالمصدرين الألمان حتى عام 2019 قد تصل إلى 6.8 مليار يورو، والقطاع الأشد تأثرا سيكون صناعة السيارات التي ستواجه تراجعا في التصدير قد يصل إلى ملياري يورو، وصادرات قطاع الكيماويات ستتراجع بـ1.1 مليار يورو، وقطاع صناعة المعدات والآليات بمليار يورو.
* خسائر بريطانيا
في المقابل، فإن لندن لن تفقد بريقها فقط بصفتها مركزا ماليا أوروبيا وعالميا، بل سينكمش موقعها بوصفها مركزا أوروبيا لصناعة التقنيات المتطورة حتى عام 2020 بنسبة 9.5 في المائة؛ ما يعني فقدان ما يقارب المائة ألف مكان عمل، فبريطانيا كانت تُشكل شبكة اتصالات مهمة بين الشركات الأوروبية، حيث تبادل المعلومات والخبرات تسير من دون عوائق.
يُضاف إلى ذلك، فإنها ستخسر ميزات كثيرة كونها دولة مصدرة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي؛ فحجم صادراتها إلى ألمانيا وصل عام 2015 إلى 41 مليار يورو، وفي قطاع الخدمات بقيمة 23 مليار يورو، وعليها مستقبلا الخضوع لقوانين التصدير بصفتها بلدا أجنبيا، كما أنها ستفقد الدعم الأوروبي لقطاعها الزراعي الذي يحصل عليه كل بلد عضو.
ليس هذا فقط؛ فالكثير من طلابها يأتون إلى ألمانيا بالتحديد للدراسة في جامعاتها شبه المجانية باعتبارهم مواطنين أوروبيين، وهذا غير متوفر في بلدان أوروبية أخرى، عدا عن ذلك يعيش في بلدان الاتحاد الأوروبي نحو مليوني بريطاني، وفي ألمانيا وحدها يعيش قرابة الـ110 آلاف بريطاني، وعليهم الآن الخضوع لإجراءات جديدة، مثل الحصول على إذن إقامة وعمل، أو العودة إلى بلادهم.
* مصير الصناعات المشتركة
وخروج بريطانيا يطرح علامة استفهام كبيرة حول نشاط مصنع طائرات «إير باص» الأوروبية؛ فتمويل هذا الطائرة أوروبي مشترك بتنفيذ من الشركة الأوروبية للصناعات الجوية والبلدان المشاركة هي فرنسا وألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة، وخروج بريطانيا الآن قد يؤثر سلبا في ديناميكية العمل؛ إذ إن شحن القطع اللازمة لصناعة هذه الطائرة من مختلف البلدان المشاركة قد لا يتعرض فقط للتأخير بسبب الإجراءات الجمركية، بل وسيزيد سعرها؛ ما يرفع بالتالي من سعر الطائرة، كما وإنه يجب ملاءمة مواقع صناعتها في فيلتون وبريتون في بريطانيا.
والوضع مماثل مع شركات صناعة السيارات مثل «بي إم دبليو» و«فولكس فاغن» التي تنتمي ماركات السيارات البريطانية إليها مثل «رولز رويس» و«ميني» و«بنتلي»؛ إذ يعمل في أقسامها للصناعة الفضائية الدفاعية وأنظمة الطاقة والتكنولوجيا البحرية نحو 11 ألف ألمانيا بين خبير ومهندس وعامل في 14 مصنعا، وهو ثاني أكبر مصنع في بريطانيا.
وخارج أسواق بلدان الاتحاد الأوروبي، فإن السياسة الجمركية ستختلف؛ فالرسوم الجمركية بالنسبة إلى السيارات المنتجة في بريطانيا للتصدير إلى بلدان الاتحاد الأوروبي سترتفع حتى 10 في المائة، حسب تقدير وكالة التصنيف الألمانية «إس وبي»، وقد تكون الرسوم أعلى بالنسبة لمصانع المواد الغذائية والتبغ، وتصل حسب تقدير وكالة التصنيف إلى 20 في المائة، وعلى منتجات الألبان إلى 45 في المائة.
* أوروبيون في بريطانيا
في المقابل، يعيش في بريطانيا نحو 3 ملايين مواطن من بلدان الاتحاد الأوروبي، من بينهم 131 ألف ألماني، ومن بولندا يوجد 900 ألف، وهؤلاء يجب عودتهم إلى بلادهم لعدم تمكنهم مستقبلا من البقاء في بريطانيا إلا بأذون عمل وإقامة؛ ما يعني أن عودتهم ستشكل ضغطا على بلادهم، بالأخص فيما يتعلق بمجالات العمل، وبلدان الاتحاد الأوروبي تعاني بطالة عمالية تصل إلى 19.8 في المائة، والمشكلة الكبيرة في بلدان الاتحاد الأوروبي الفقيرة مثل رومانيا، ففي بريطانيا يعيش ويعمل 150 ألف روماني في مجالات كثيرة فيها بأجور منخفضة، وهذا سيحدث ثغرة كبيرة في مجالات الصناعات الخفيفة والمتوسطة البريطانية، لكن عودتهم ستسبب مشكلة اقتصادية واجتماعية في بلادهم.
* مصير الاستراتيجيات الدفاعية والعسكرية المشتركة
والمسألة الملحة التي يجب وضع صياغة لها هي الاستراتيجية الدفاعية والعسكرية للاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا، ففي عام 2015 كانت بريطانيا المساهم الأكبر في الميزانية العسكرية للاتحاد تبعتها فرنسا وألمانيا، كما أنها تملك أكبر مصانع أسلحة من الدرجة الأولى وتعتمد على تكنولوجيا متطورة جدا، وهي واحدة من بلدين في أوروبا يمتلكان قدرة نووية وجيشا يتميز بقدرة تشغيلية كبيرة.
وفيما يتعلق بألمانيا، فإن ذلك يعني رفع الإنفاق الأمني وزيادة مساهماتها في الخارج كونها دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي، وقد يترتب على أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي زيادة النسبة الواجب عليها إنفاقها، وكان اتفق عليها خلال مؤتمر حلف شمال الأطلسي عام 2014، وهي 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أيضا فرنسا ستتحمل نفقات إضافية للردع النووي؛ ما يجعل الفجوة بين قدرات ألمانيا وفرنسا العسكرية التقليدية أكبر.
وبناءً عليه؛ فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يشكل مشكلة كبيرة لبريطانيا ولبلدان الاتحاد الأوروبي على السواء، ومن الصعب تقدير حجمها الآن.



«جيه بي مورغان» يخفض تصنيف الأسهم الهندية مع تصاعد مخاطر الطاقة وارتفاع التقييمات

متداول أسهم أثناء مزاولته عمله داخل شركة وساطة مالية في مومباي (رويترز)
متداول أسهم أثناء مزاولته عمله داخل شركة وساطة مالية في مومباي (رويترز)
TT

«جيه بي مورغان» يخفض تصنيف الأسهم الهندية مع تصاعد مخاطر الطاقة وارتفاع التقييمات

متداول أسهم أثناء مزاولته عمله داخل شركة وساطة مالية في مومباي (رويترز)
متداول أسهم أثناء مزاولته عمله داخل شركة وساطة مالية في مومباي (رويترز)

خفّض بنك «جيه بي مورغان» تصنيفه للأسهم الهندية من «مرجح الشراء» إلى «محايد»، مشيراً إلى ارتفاع التقييمات مقارنة بنظيراتها في الأسواق الناشئة، إضافة إلى الضغوط المحتملة على الأرباح نتيجة صدمات إمدادات الطاقة المرتبطة بالحرب الإيرانية، وذلك بعد يوم واحد من خطوة مماثلة من بنك «إتش إس بي سي».

وأوضح البنك في مذكرة صدرت يوم الجمعة أن ارتفاع أسعار النفط الخام قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية وإضعاف آفاق النمو في الهند، إلى جانب تقليص الاستهلاك المحلي، والضغط على هوامش أرباح الشركات في الأجل القريب، فضلاً عن الضغوط الإضافية الناتجة عن ضعف الروبية، وفق «رويترز».

وكان «جيه بي مورغان» قد خفّض في وقت سابق من الشهر تقديراته لأرباح السنة المالية 2027 بنسبة تتراوح بين 2 في المائة و10 في المائة لقطاعات محلية تشمل الطاقة والسلع الاستهلاكية والسيارات والخدمات المالية. كما خفّض توقعاته لنمو أرباح الهند لعامي 2026 و2027 بمقدار نقطتين مئويتين ونقطة مئوية واحدة على التوالي، لتبلغ 11 في المائة و13 في المائة.

وفي سياق متصل، خفّض البنك هدفه لمؤشر «نيفتي 50» القياسي بنسبة 10 في المائة إلى مستوى 27.000 نقطة. وقد تراجع مؤشرا «نيفتي» و«سينسكس» بنحو 8.5 في المائة و10 في المائة منذ بداية العام، ويتداولان حالياً منخفضين بنحو 9.3 في المائة و11 في المائة عن ذروتهما القياسية المسجلة في أوائل 2026 وأواخر 2025 على التوالي.

وقال البنك إن الأسهم الهندية ما زالت تتداول بعلاوة تقييمية مرتفعة مقارنة بأسواق ناشئة، مثل كوريا والبرازيل والصين والمكسيك وجنوب أفريقيا، رغم ما توفره هذه الأسواق من فرص استثمارية بتكلفة أقل ونمو مماثل أو أعلى في الأرباح المستقبلية.

وأضاف أن الهند تفتقر أيضاً إلى تمثيل قوي في قطاعات النمو المرتفع، مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والروبوتات وأشباه الموصلات، ما قد يحد من قدرتها على تحقيق نمو أرباح يفوق بعض نظيراتها في الأسواق الناشئة.

وأشار «جيه بي مورغان» كذلك إلى أن تزايد عمليات بيع حصص كبار المساهمين وعمليات الطرح العام الأولي والاكتتابات المؤهلة يحد من قدرة السوق على تحقيق مكاسب مستدامة، رغم استمرار التدفقات المحلية القوية.

ورغم هذه التحديات، أكد البنك أن قصة النمو طويلة الأجل في الهند لا تزال قائمة، لكنه خفّض توقعاته على المدى القريب.

وأبقى البنك على توصيته بـ«زيادة الوزن» في قطاعات الخدمات المالية والمواد والسلع الاستهلاكية غير الأساسية والمستشفيات والدفاع والطاقة، مقابل توصية بـ«خفض الوزن» في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والأدوية.

تراجع السندات لليوم الثالث

انخفضت أسعار السندات الحكومية الهندية للجلسة الثالثة على التوالي، يوم الجمعة، مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، في ظل غياب أي تسوية للنزاع الأميركي الإيراني، في وقت يستعد فيه المتعاملون لطرح جديد من السندات السيادية في مزاد أسبوعي.

وسجّل عائد السندات الهندية القياسية لأجل 2035، بفائدة 6.48 في المائة، مستوى 6.9761 في المائة عند الساعة 10:15 صباحاً بتوقيت الهند، مقارنة بـ6.9498 في المائة عند الإغلاق يوم الخميس.

وتخطط الحكومة في نيودلهي لجمع 320 مليار روبية (نحو 3.40 مليار دولار) عبر مزاد سندات يُعقد لاحقاً يوم الجمعة، يشمل إصدار سندات طويلة الأجل لأجل 30 عاماً.

وقال أحد المتعاملين في بنك خاص إن «ارتفاع أسعار النفط يضغط بوضوح على سوق الدين الهندية. ومع توقعات زيادة المعروض من السندات، لا توجد محفزات إيجابية كافية لدعم السوق في الوقت الحالي».

وجاء الضغط على السوق بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط في التعاملات الآسيوية، وسط مخاوف من تصعيد جديد في الشرق الأوسط، بعد تقارير عن تحركات عسكرية إيرانية في مضيق هرمز، وتبادل تصريحات بشأن التوتر مع الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران ربما أعادت تسليح قدراتها «بشكل محدود» خلال فترة وقف إطلاق النار، لكنه أشار إلى أن القوات الأميركية قادرة على تدمير هذه القدرات خلال وقت قصير.

وتنظر الأسواق حالياً إلى وقف إطلاق النار باعتباره احتمالاً لمرحلة توتر ممتدة، أكثر منه خطوة نحو تهدئة دائمة.


سيول تؤمّن 87 % من احتياجاتها النفطية لشهر مايو لمواجهة اضطرابات إمدادات الطاقة

امرأة تملأ سيارتها بالنزين داخل محطة وقود في سيول (رويترز)
امرأة تملأ سيارتها بالنزين داخل محطة وقود في سيول (رويترز)
TT

سيول تؤمّن 87 % من احتياجاتها النفطية لشهر مايو لمواجهة اضطرابات إمدادات الطاقة

امرأة تملأ سيارتها بالنزين داخل محطة وقود في سيول (رويترز)
امرأة تملأ سيارتها بالنزين داخل محطة وقود في سيول (رويترز)

أعلن المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية يوم الجمعة، أنَّ البلاد أمّنت 74.62 مليون برميل من النفط الخام لشهر مايو (أيار)، أي ما يعادل نحو 87 في المائة من متوسط وارداتها الشهرية خلال العام الماضي، في إطار جهودها لضمان استقرار إمدادات الطاقة وسط التوترات في الشرق الأوسط.

وأوضح البيت الأزرق الرئاسي أنَّ حصة واردات النفط الخام من الشرق الأوسط تراجعت إلى 56 في المائة مقارنة بـ69 في المائة سابقاً؛ نتيجة زيادة الإمدادات المقبلة من الولايات المتحدة وأفريقيا، وفقاً لرئيس ديوان الرئاسة، كانغ هون سيك.

وأشار كانغ إلى أن الأداء الاقتصادي القوي الذي فاق التوقعات في الربع الأول يعكس مرونة الاقتصاد الكوري الجنوبي رغم المخاطر الجيوسياسية، مدعوماً بنمو قطاع أشباه الموصلات وزيادة الصادرات، إلى جانب التدخلات الحكومية السريعة لتخفيف اضطرابات الطاقة، وفق «رويترز».

وسجل اقتصاد كوريا الجنوبية نمواً بنسبة 1.7 في المائة على أساس ربع سنوي و3.66 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول، وهي أسرع وتيرة نمو منذ الربع الثالث من عام 2020.

وفيما يتعلق بالطاقة، قال كانغ إن الحكومة لا تبدي قلقاً كبيراً بشأن إمدادات النفط الخام لشهر مايو، لكنها تتابع عن كثب مخاطر الإمداد المرتبطة بالنفثا والمنتجات المشتقة منها، مثل البلاستيك والمواد البتروكيماوية.

وأضاف أن السلطات تراقب يومياً أوضاع الإمدادات، وتعمل على وضع تدابير استباقية بناءً على توقعات تمتد من شهر إلى 3 أشهر.

كما أشار إلى أن شحنات من النفثا تبلغ نحو 2.1 مليون طن متري، تم تأمينها خلال زيارته الأخيرة إلى كازاخستان والشرق الأوسط مبعوثاً خاصاً، وستبدأ بالوصول تدريجياً إلى كوريا الجنوبية اعتباراً من أواخر أبريل (نيسان)، ما من شأنه تحسين أوضاع الإمداد بدءاً من الشهر المقبل.

ولفت كذلك إلى استمرار المخاوف بشأن إمدادات الإسفلت؛ ما دفع الحكومة إلى مراجعة جداول أعمال البناء وتعديلها للحد من أي اضطرابات محتملة في القطاع.


الصين تطرح سندات طويلة الأجل بعائد منخفض وسط تقلبات الأسواق

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
TT

الصين تطرح سندات طويلة الأجل بعائد منخفض وسط تقلبات الأسواق

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

في خطوة تعكس توجهاً لدعم الاستقرار المالي، طرحت الصين أول دفعة من السندات الحكومية الخاصة لأجل 30 عاماً بعائد منخفض، في وقت تتأثر فيه الأسواق العالمية بتقلبات التوترات في الشرق الأوسط.

وبحسب تقرير لوكالة «رويترز»، بلغ العائد على هذه السندات 2.2 في المائة، وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وتشير المعلومات إلى أنَّ وزارة المالية الصينية باعت سندات بقيمة 85 مليار يوان، وسط طلب قوي من المستثمرين، حيث تجاوزت نسبة التغطية 3.5 مرة، ما يعكس ثقةً في أدوات الدين طويلة الأجل رغم حالة عدم اليقين العالمية.

ويأتي هذا التراجع في العوائد بعد انخفاض بنحو 15 نقطة أساس خلال الشهر الحالي، مدعوماً بتوفر السيولة في الأسواق المحلية، إلى جانب تراجع المخاوف التضخمية مع توقعات تهدئة التوترات في الشرق الأوسط.

ويرى محللون أنَّ المستثمرين باتوا يميلون إلى السندات طويلة الأجل جداً، في ظلِّ ما يُعرف بسيناريو «القتال لتعزيز المفاوضات»، حيث تستمر التوترات الجيوسياسية دون تصعيد واسع، ما يعزِّز الطلب على أدوات استثمارية أكثر أماناً.

كما أسهم انخفاض أسعار إعادة الشراء لليلة واحدة إلى نحو 1.2 في المائة، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس (آب) 2023، في دعم الإقبال على هذه السندات. وفي موازاة ذلك، طرحت الصين أيضاً سندات لأجل 20 عاماً بقيمة 34 مليار يوان وبالعائد نفسه، مع طلب قوي مماثل، ما يعكس اتساع الاهتمام عبر مختلف آجال الاستحقاق الطويلة.

استراتيجية تمويل مستمرة

وتؤكد بكين أنَّها ستواصل إصدار هذه السندات طويلة الأجل جداً على مدى السنوات المقبلة، والتي بدأت في إصدارها من عام 2024؛ بهدف تمويل استراتيجيات وطنية رئيسية، تشمل مشروعات البنية التحتية والتنمية الاقتصادية.

كما يتم توزيع الإصدارات على مراحل من أبريل (نيسان) إلى أكتوبر (تشرين الأول)، في محاولة لتجنب أي ضغوط مفاجئة على السيولة في السوق.

ورغم الإقبال القوي، فإنَّ محللين يحذِّرون من تحديات محتملة في الأجل المتوسط، أبرزها زيادة المعروض من السندات الحكومية، إضافة إلى احتمالية تقلب الأسواق في حال ارتفاع تكاليف التمويل قصيرة الأجل.

كما أنَّ أي تغيُّر في مسار التوترات الجيوسياسية قد يؤثر على اتجاهات المستثمرين، خصوصاً في ظلِّ ارتباط الأسواق العالمية بتطورات الشرق الأوسط.

وتَزامَنَ طرح السندات مع تحركات متباينة في الأسواق الآسيوية، حيث تراجعت الأسهم الصينية تحت ضغط التوترات، بينما شهدت بعض القطاعات، مثل أشباه الموصلات، انتعاشاً بدعم من تطورات تكنولوجية. وفي الوقت نفسه، تراجع اليوان الصيني بشكل طفيف أمام الدولار، الذي استفاد من الطلب عليه بوصفه ملاذاً آمناً.

وتعكس هذه التطورات توازناً دقيقاً في الأسواق المالية، حيث يسعى المستثمرون إلى تحقيق عوائد مستقرة في بيئة تتسم بعدم اليقين. لكن في النهاية، تشير هذه الخطوة إلى استمرار اعتماد الصين على أدوات الدين طويلة الأجل بوصفها وسيلةً لدعم الاقتصاد، مع الحفاظ على استقرار الأسواق في ظلِّ تحديات داخلية وخارجية متزايدة.