سبينوزا ومواجهة الانفعال السلبي

يمكن إزالته إذا استطعنا تكوين فكرة واضحة عن الأسباب المحركة له

سبينوزا
سبينوزا
TT

سبينوزا ومواجهة الانفعال السلبي

سبينوزا
سبينوزا

يلقب «جيل دولوز» الفيلسوف سبينوزا بـ«أمير الفلاسفة»، ويعتبره نيتشه سلفًا حقيقيًا له، حين يقول: «أنا مندهش جدا، فقد اكتشفت أخيرا أن لي سلفا». فمن هو هذا الفيلسوف؟
ولد سبينوزا (1632 - 1677) في أمستردام، لأسرة يهودية كانت قد فرت من بطش محاكم التفتيش البرتغالية واستقرت في هولندا. درس العبرية واللاهوت والتعاليم اليهودية، وتلقن التلمود أيضا. فوالداه كانا يطمحان في يصبح حاخاما. لكن ميوله كانت تسير على خلاف ذلك. فتعلم اللاتينية، وكانت مفتاحا جعله يخترق النصوص التي تكون في الغالب للنخبة. التهم فلسفة مفكري القرون الوسطى، وعلى رأسهم توما الأكويني، وفلاسفة عصره، وأهمهم فرنسيس بيكون وتوماس هوبز وديكارت.
ونظرًا لشدة أسئلته وجدله داخل الكنيس اليهودي، سيطرد، بل ويجري فصله ولعنه من طرف الطائفة اليهودية، وحرمانه من حقوقه الدينية، وهو في الرابعة والعشرين من عمره. والأكثر من ذلك، ستجري ملاحقته والتحريض ضده في كل مكان، إلى درجة أن كاد أحد المتعصبين يقتله. فما كان من سبينوزا، إلا أن ينفي نفسه متنازلاً عن كل شيء بما في ذلك ثروة أبيه. فقد كان رجلا هادئا لا يحب المال والصخب والملذات والمناصب. اختار عزلة في إحدى ضواحي أمستردام، واشتغل بحرفته، وهي صقل عدسات زجاج النظارات، ليضمن بقاءه، وينكب كلية في العمل على إكمال مشروعه الفلسفي. لكنه لسوء الحظ، مات صغيرا في عمر الخامسة والأربعين، بمرض السل الذي زاد من حدته استنشاقه لكميات هائلة من غبار الزجاج. وعلى الرغم من ذلك، خلف لنا كتبا لا يزال صداها وتأثيرها قائما إلى الآن، ومنها: «رسالة في إصلاح العقل»، و«رسالة في اللاهوت والسياسة»، و«علم الأخلاق».
وفي الكتاب الأخير هذا، قدم سبينوزا تصورا هائلا ونسقيا للعالم، بأسلوب كتابي خاص جدا، جاء على شاكلة رياضية، تجعل من يقرأه يشعر بأنه يقرأ «الأصول» لإقليدس. ففيه التعريف والقضية والبرهان واللازمة والحاشية.
أما فلسفته، فسأختار منها قضية واحدة، هي قضية السعادة، والسبيل إليها لمناقشتها. ولمعالجة هذا الأمر أطرح السؤال التالي: كيف نتحكم في الانفعال السلبي ونحقق الغبطة؟
* الإرادة مجرد وهم
جاءت فلسفة سبينوزا، في معظمها، كنقاش مع الفيلسوف ديكارت، الذي أعلن وبقوة، إن الإنسان حر حرية مطلقة ودونما قيود، ما دام قادرًا على إثبات الشيء أو نفيه، على الفعل أو عدم الفعل، على الإقدام أو الإحجام. فالشك دليل مهم عند ديكارت على إرادة الإنسان، إذ من يمكنه من تعليق الأحكام وعدم إصدارها حول القضايا، ناهيك بأن الحرية هي الضامنة للمسؤولية، ومن ثم إعطاء مسوغ العقاب والثواب بجميع أنواعه الديني «العقاب الأخروي»، والاجتماعي «العقاب القانوني»، والأخلاقي «تأنيب الضمير». كل ذلك هو مؤشرات يجعل منها ديكارت، حجته في إثبات أن للإنسان إرادة حرة. وهذه الإرادة موطنها النفس لا الجسد. لأن الجسد مثل الطبيعة، خاضع للآلية والسببية أي للحتمية. فهو قاصر وعاطل، ومحكوم لا يفكر ولا يختار أبدا. بينما النفس بها الإرادة الموجهة والمتحكمة، بل المسيطرة. هذه الفكرة الديكارتية التي يؤمن بها تقريبا كل الناس، يرفضها سبينوزا رفضا قاطعا. فكيف ذلك؟ يقول سبينوزا: «ليست النفس (إمبراطورية داخل إمبراطورية)، بل هي تتحرك والجسد بطريقة متوازية وبشكل متزامن. فما يحدث في الجسم، يحدث في العقل، والعكس صحيح. فكل فعل أو انفعال في أحدهما، يوازيه ما يماثله في الآخر. إنهما وجهان لعملة واحدة. لذلك كلما استطاع العقل، كقوة طبيعية في الإنسان، أن يوضح أفكار الأشياء وصورها الذهنية، وجعلها منتظمة ومرتبة وواضحة، فإن انفعالات الجسم ستكون على نظام العقل نفسه».
فإذا كان ديكارت يرى أن حدوث الفعل في النفس يؤدي إلى حدوث انفعال في الجسد، والعكس صحيح، فإن سبينوزا يؤكد على العكس تماما. ففعل النفس كصفة فكرية، يوازيه فعل جسدي كصفة امتدادية والعكس صحيح. باختصار الفعل أو الانفعال يحدث للإنسان في كليته، وكل ما هنالك أنه يتجلى في النفس بصفة التفكير، أي كإدراك، وفي الجسم بصفة الامتداد، أي كتجسد ملموس. فالخجل يوازيه مثلا احمرار الوجه. إن النفس بحسب سبينوزا، ليست شيئًا متعاليًا ومفارقًا ومتحكمًا ومسيرًا ومبثوثًا في الجسد. بل هي وجه آخر للجسد و«بشكل محايث».
ويبقى الأقوى في أطروحة سبينوزا، قوله بوهم الإرادة، ليؤكد عوضًا عن ذلك، على شيء واحد هو الرغبة. أي الجهد والقدرة، أو ما يسميه سبينوزا «الكوناتوس» الذي يسري وبطريقة متساوية في الإنسان وفي كل موجودات العالم. إن الإنسان عند سبينوزا، هو جزء من الطبيعة، وهو ليس مملكة للنفس قابعة داخل مملكة الجسد. بل المملكتان هما مملكة واحدة بعنصرين أو بصفتين، تارة الفكر وتارة الامتداد. فالإنسان ليس كائنا غريبا عن هذا العالم أو استثناء، أو مفارقا. بل هو يخضع للقوانين الصارمة والمحركة للطبيعة، ولموجوداتها التي تسعى كلها نحو الاستمرار في الوجود. فهمّ الإنسان الأول والأخير، هو البقاء وبذل الجهد والطاقة للاستمرار. لهذا ليس هناك حرية، بل حتمية مطلقة وقانونية صارمة، نابعة من الطبيعة الكلية التي نحن مجرد جزء منها. وما نعتقده نحن أنه إرادة، هو، في الأصل، رغبة لا نعرف سببها. فالطفل يعتقد أنه يشتهي الحليب بحرية، والسكير يظن أنه يقوم بقرار حر منه، والأمر نفسه ينطبق على الهذائي والثرثار. فهم يرون أنهم يتصرفون بحريتهم، وأنهم لا يخضعون لأي إكراه. لكن الحفر في السبب، سيظهر أنهم مسيرون بقوى خفية تجبرهم. فلا وجود لإرادة تسلك من تلقاء ذاتها. فالإنسان قوامه «الكوناتوس»، أي الجهد. فعندما يقول أحدنا إنه يريد ممارسة الجنس، فهل الأمر أمره حقًا، والقرار قراره؟ إنه في الحقيقة يلبي نداء أقوى منه، هو نداء البقاء، ومحركاته مجهولة لديه. وهذا الجهل هو الذي يدفعه، وهمًا، إلى الاعتقاد في كونه حرًا ويختار.
* الانفعال والعبودية
هل يعني هذا أن سبينوزا من دعاة الحتمية؟ الجواب: نعم. لكن يبقى هناك أمل في التحرر من الحتمية، إذا جرى إدراكها ومعرفتها. بعبارة أخرى، متى ضبط الإنسان الأسباب تمكن من التحكم والتوجيه، فالخلاص في المعرفة.
ولكي نفهم قصد سبينوزا، نقدم المثال التوضيحي التالي: لنتصور شخصا مريضا بالسكري لكنه غير مدرك لحقيقة مرضه. نتيجة ذلك أن المرض سيعبث به ويتحكم بمسار حياته. لكنه بمجرد اكتشاف العلة، سيبدأ في العلاج، وتلقي الإنسولين، ويحرص على الحمية الغذائية، ومن ثم التحكم، والتحكم كما نعلم حرية. يقال الأمر نفسه أيضا، عن مريض نفسي تستبد به عقدة معينة، فهو لن يتحرر منها إلا إذا جرى الحفر بعيدا في أعماق النفس مع محلل نفساني، لإيجاد السبب المتحكم. فالإنسان يتحرر ويتحكم في الطبيعة، عندما يدخل مغامرة البحث عن الأسباب.
إن مأزق الناس ومعاناتهم، يكمن في ماهيتهم المتمثلة في الرغبة. فمعظم الناس يجهلون الميكانيزمات المتحكمة فيهم، لأنهم خاضعون لقوانين الطبيعة. فحين ينطلق الجهد كفعل خارج الذات، تصطدم قوة هذا الجهد بالقوى الخارجية المتناثرة في كل العالم، التي تعرقل سيرها. فينعكس ذلك عليها بانفعال سلبي (حزن، غضب، قلق، تذمر، تشاؤم... إلخ) يكدر عليها صفو حياته.
يرى سبينوزا أن قدر الإنسان هو أن لا يهزم الانفعالات، لأنه باختصار، محاط بوابل من القوى العارمة التي تصطدم بقوته في كل حين، وقد يكون الاصطدام محطما. لكن، وعلى الرغم من ذلك، بإمكان الإنسان أن يحسن توجيه تلك القوى عن طريق العقل. فالعقل كقوة طبيعية أيضا، موكول له مهمة استيعاب آليات اشتغال الطبيعة وقوانينها وأسبابها. وهو ما يسمح بتقليل الانفعال السلبي وأخذه نحو الإيجاب. بكلمة أكثر تبسيطًا، يمكن إزالة الانفعال السلبي إذا استطعنا تكوين فكرة واضحة ومتميزة عن الأسباب المحركة للانفعال. آنذاك نحصل على الهدوء، ونكتشف أن الأمر طبيعي. فلم القلق إذن؟ إن الناس تحترق بالسلب نظرا لجهلها الأسباب. ولا خروج من عبودية الانفعالات، ولا تحقيق للغبطة إلا بالمعرفة. وهنا يعلن سبينوزا تفوق الحكيم على الجاهل.
في الختام نقول، إن فكر سبينوزا وجد له صدى هائلا، حيث تحركت البشرية بحمى، نحو الاشتغال العلمي، بما هو استخدام للعقل بحثا عن الأسباب القريبة للظواهر.
وهو ما مكن من مجابهة كثير من المشكلات في كل المجالات، وتوجيه الأشياء لصالح الإنسان وليس ضده. فاكتشاف البنى الخفية الموجهة للسلوكات الإنسانية، سواء البيولوجية (الطب)، أو النفسية (علم النفس)، أو الاجتماعية (علم الاجتماع)، مكن من مزيد من التحرر.



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.