اليمين يفتح معركة الرئاسة الفرنسية

مع عقبات سياسية وقضائية تعيق عودة ساركوزي للإليزيه

الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي لدى وصوله إلى ميدان تروكاديرو أمام برج إيفل في باريس لإلقاء خطاب حملة الرئاسة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي لدى وصوله إلى ميدان تروكاديرو أمام برج إيفل في باريس لإلقاء خطاب حملة الرئاسة (رويترز)
TT

اليمين يفتح معركة الرئاسة الفرنسية

الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي لدى وصوله إلى ميدان تروكاديرو أمام برج إيفل في باريس لإلقاء خطاب حملة الرئاسة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي لدى وصوله إلى ميدان تروكاديرو أمام برج إيفل في باريس لإلقاء خطاب حملة الرئاسة (رويترز)

لم يفاجئ نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية الفرنسية السابق، أحدًا بإعلان ترشحه أول من أمس لخوض غمار معركة رئاسة الجمهورية في الربيع المقبل. فساركوزي البالغ من العمر 61 عامًا، يريد أن يكون أول رئيس سابق يعود إلى قصر الإليزيه بعد خمس سنوات من الغياب، بسبب الهزيمة التي أنزلها به في ربيع عام 2012 الرئيس الحالي فرنسوا هولاند. وبذلك، يريد رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني أن يثأر من خصمه السياسي، الذي من المرجح أن يواجهه مجددًا بعد ثمانية أشهر، إذا ما اعتبر نهاية العام الحالي، أن «الظرف السياسي» ملائم للفوز بولاية ثانية من خمسة أعوام.
بيد أن حلم العودة مكللاً بالنصر إلى قصر الإليزيه يواجه عوائق كثيرة؛ أولها الانتخابات الداخلية لحزب «الجمهوريون» التي ستحدد في العشرين والسابع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، هوية مرشحه لمواجهة مرشح الحزب الاشتراكي ومرشحة الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) مارين لوبن. ومن بين المرشحين الـ13 لحزب «الجمهوريون»، يكمن الخطر الذي يهدد ساركوزي في شخص رئيس الحكومة الأسبق ووزير الخارجية السابق، آلان جوبيه، الذي أعلن منذ شهور طويلة خوضه المنافسة الداخلية. ووفق استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إيبسوس» ونشرت نتائجه أمس مجلة «لو بوان»، فإن جوبيه يتصدر لائحة المرشحين لدى «الجمهوريون»، حيث حصد 73 في المائة من أصوات العينة، بينما حصل ساركوزي على 55 في المائة من الأصوات. والأسوأ من ذلك بالنسبة للرئيس السابق الذي خسر 13 نقطة قياسًا للاستطلاع السابق، أنه حل هذه المرة في المرتبة الخامسة، بحيث تقدم عليه رئيس حكومته السابق والمرشح الرئاسي الآخر فرنسوا فيون، ورئيس الحكومة الأسبق (غير المرشح) جان فرنسوا رافاران، وكذلك وزير الاقتصاد الحالي (غير اليميني) إيمانويل ماكرون. أما على المستوى الوطني (أي بغض النظر عن الانتماء الحزبي)، فإن الاستطلاع يبين أن جوبيه يحظى بالمرتبة الأولى (48 في المائة من الآراء الإيجابية)، بينما يحل ساركوزي في المرتبة الـ15 بعيدًا جدًا عن منافسه الأول.
لكن هذا الاستطلاع لا يأخذ بعين الاعتبار، لا كتاب ساركوزي الجديد «كل شيء من أجل فرنسا»، الذي سينزل إلى المكتبات اليوم، والذي سيكون بمثابة برنامجه الانتخابي، ولا إعلانه رسميًا ترشحه للانتخابات الرئاسية، الذي جاء في مقدمة الكتاب المذكور وأعاد ساركوزي التأكيد عليه في تغريدة على حسابه الخاص على «تويتر».
يجمع المراقبون (وهذا ما أبرزته الصحافة الفرنسية الصادرة أمس) على أن ساركوزي يراهن على استدارة المزاج الفرنسي العام إلى اليمين المتشدد، إن لم يكن اليمين المتطرف. ولذا، فإن حملته الانتخابية لن تدور بالدرجة الأولى على المسائل الاقتصادية، من بطالة وغياب النمو وضعف الاقتصاد الفرنسي، ولا على السياسة الخارجية أو مستقبل الاتحاد الأوروبي، بل على ثلاثية الأمن والهوية والإسلام.
وعثر ساركوزي على شعار حملته «لن نتراجع بعد الآن». وبحسب كريستيان جاكوب، رئيس المجموعة البرلمانية اليمينية في الجمعية الوطنية وأحد كبار الداعمين لرئيس الجمهورية السابق، فإن هذا الشعار لا يعني عدم التراجع بوجه انتشار «البوركيني» والبرقع والنساء المحجبات والأوقات المخصصة للنساء في المسابح العمومية، ووجبات الطعام الخصوصية المقدمة في مطاعم المدارس العامة. وبكلام آخر، فإن الشعار يعني ألا تساهل بعد الآن مع كل ما يمكن اعتباره مسًا بـ«الهوية الوطنية»، أو أسلوب الحياة الفرنسي والعلمانية.
واقع الأمر أن الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا منذ يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، وارتباط منفذيها المزيف بالإسلام وزعمهم بأنهم يقومون بها للدفاع عنه، لم ينتج عنه فقط ارتفاع الشعور المعادي للإسلام والعرب في المجتمع الفرنسي، بل أيضًا ازدياد التنافس بين السياسيين للظهور بمظهر المدافع العنيد عن الهوية الوطنية وأمن المواطنين، والوقوف بوجه ما ينظر إليه على أنه «تمدد» للإسلام في الحياة الفرنسية. وليس الجدل الذي لم يهدأ بعد حول ارتداء «البوركيني» لبضع عشرات من النساء المسلمات (من بين مئات الآلاف) على الشواطئ الفرنسية، سوى المظهر «اليومي» لشعور مستبطن للعداء المتنامي لـ«ظهور» الإسلام.
من بين المرشحين اليمينيين الكثيرين، يريد ساركوزي الظهور بمظهر «الرجل القوي»، الذي يستطيع إعادة الهيبة للدولة التي «استسلمت»، كما يقول، بوجه القوانين التي يتعين التقيد بها. لكن موقف ساركوزي له بعد آخر محض انتخابي. فالرئيس السابق، عبر تبينه خطابًا متشددًا، يريد من جهة مسايرة الرأي العام الفرنسي، ولكنه من جهة أخرى يريد أن «يستعيد» أصوات اليمين التي ذهبت إلى الجبهة الوطنية. وهذه الأخيرة جعلت منذ سنوات الدفاع عن الهوية الوطنية والتنديد بعدم قابلية الإسلام للتأقلم والاندماج في المجتمع الفرنسي ورفض الهجرات الكثيفة والمطالبة بالتشدد في التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين، أساس دعايتها السياسية والانتخابية التي نجحت، إلى حد أن مارين لوبن التي ستخوض بلا أدنى شك، المواجهة الانتخابية الرئاسية، غالبًا تحتل المرتبة الأولى في استطلاعات الرأي، ويبدو أنها ستكون حاضرة في الجولة الثانية من الانتخابات، مما يعني تقدمها إما على المرشح الاشتراكي أو على المرشح اليميني. لكن هذا الحضور لا يعني آليًا أنها ستكون الرئيسة القادمة للجمهورية الفرنسية، إذ إن المجتمع الفرنسي لا يبدو أنه أصبح «مستعدًا» للقبول برئيس يميني متطرف في قصر الإليزيه. ولذا، فإنه من المرجح أن يكون المرشح الذي سيواجه لوبن في الجولة الثانية هو الرئيس القادم لفرنسا. من هنا، حدة المنافسة يمينًا للفوز بترشيح حزب «الجمهوريون»، لأن ضعف اليسار الاشتراكي وتراجع شعبية هولاند إلى الحضيض، يعنيان إزاحة المرشح اليساري من سباق الدورة الثانية، مما يفتح الباب لمرشح اليمين «الكلاسيكي» للفوز بالرئاسة.
من هذه الزاوية، تبدو استراتيجية ساركوزي بالغة البساطة؛ المزايدة يمينًا والرهان على إبراز العضلات وفرض نفسه مرشحًا يتمتع بالخبرة في إدارة شؤون الدولة وطرح اليسار أرضًا. لكن إلى جانب صعوبة التغلب على منافسيه، وأولهم جوبيه، يتعين عليه أن يتخطى صعوباته القضائية. فالرئيس السابق موضع اتهام رسميًا في فضيحتين اثنتين؛ الأولى مالية وتتناول التمويل غير القانوني لحملته الرئاسية السابقة التي تخطت بالملايين ما يسمح به القانون، والثانية تتناول سوء استخدام النفوذ والإفساد وانتهاك سر التحقيق القضائي الخاص بدوره في التدخل لمصلحة قاضٍ كبير، مقابل معلومات تتناول مشكلاته مع العدالة. كذلك، فإن اسم ساركوزي وارد في مجموعة أخرى من الفضائح، منها حصوله على تمويل ليبي زمن العقيد القذافي لحملته الانتخابية، ودوره في فضيحة نتيجة تحكيم حصل بموجبه النائب والوزير السابق وصديق ساركوزي، برنار تابي، على ما يزيد على 400 مليون يورو من الخزينة الفرنسية عام 2008، تعويضًا عن عطل وضرر تسبب بهما مصرف فرنسي كان تابعًا للدولة. يضاف إلى ذلك كله فضيحتان مزعجتان؛ الأولى تتناول استطلاعات للرأي بملايين الدولارات أعطيت لشركة عائدة لمستشارين للرئيس ساركوزي من غير مناقصة عامة يفرضها القانون، والثانية تتناول ظنونًا بدفع عملات ناتجة عن صفقة عسكرية مع باكستان عندما كان ساركوزي أحد مسؤولي حملة المرشح الأسبق للرئاسة، إدوار بالادور، مع وجود دور لرجل الأعمال اللبناني الأصل زياد تقي الدين.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended