قاعدة القيارة.. معركة ورسائل

من عهد صدام حسين إلى «هدية» هيلاري كلينتون

قاعدة القيارة.. معركة ورسائل
TT

قاعدة القيارة.. معركة ورسائل

قاعدة القيارة.. معركة ورسائل

على الرغم من تخلي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عن الشأن العراقي بالقياس إلى سلفه جورج بوش، وبالقياس أيضا إلى فترة إدارته الأولى حيث كانت المرشحة الديمقراطية الرئاسية الحالية هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية، فإن الاهتمام الأميركي المتأخر بالشأن العراقي لجهة الحرب على الإرهاب – على وجه الخصوص - بات يرتبط في أذهان الكثيرين بمعركة الموصل. وعلى الرغم من الرمزية الهائلة التي تحتلها هذه المعركة، سواء بالنسبة إلى تنظيم داعش الإرهابي المتطرف كون الموصل عاصمة «الخلافة الإسلامية» المزعومة التي شهد أحد مساجدها الخطبة الأولى لـ«أبو بكر البغدادي» في أول جمعة بعد احتلال الموصل، أو بالنسبة للعراقيين الذين يعدونها آخر معاركهم الكبرى، أو الولايات المتحدة الأميركية التي تريد إدارتها الحالية تقديم رأس «البغدادي» على طبق من ذهب لكلينتون. ويرى مراقبون مطلعون أنه من المؤكد أن يغدو القضاء على زعيم «داعش» هو «الجائزة الأهم» المؤهلة لهيلاري كلينتون للعودة إلى البيت الأبيض بعدما فارقته لمدة عقد ونصف العقد من الزمن حين كانت «سيدة أولى» على امتداد ثماني سنوات في عهد زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
إن مدينة الموصل، التي ظهر في أحد مساجدها «أبو بكر البغدادي» في أول خطبة له بعد احتلالها بيومين وهو يحمل سيفًا في اليد اليسرى وعلى معصمه ساعة غالية الثمن من نوع «رولكس» في اليد اليمنى على طريقة «كبار المتدينين»، باتت المكان المتوقع أن يدفع فيه الثمن.. ولكن من خلال كلمة سر اسمها «القيارة». ثم إنه، على الرغم من وجود قواعد عسكرية أميركية أخرى في العراق (في كل من محافظات الأنبار وصلاح الدين وكركوك) فإن قاعدة القيارة، في ضوء عملية إعادة ترتيب – أو قل رسم – الخرائط في منطقة الشرق الأوسط وسط حالة تقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، تبدو هذه القاعدة بالذات هي الأهم على صعيد هذه الترتيبات الجديدة في العراق والمنطقة. والجدير بالذكر هنا أن المنطقة المجاورة لهذه القاعدة تمثل اليوم مركزًا حيويًا لتنظيم داعش ذلك أنها تقع بين مدينتي تكريت والموصل وفيها آبار نفط ومصفاة متقادمة ومخازن سلاح ومعسكرات وأحياء مأهولة بالسكان.
طبقا لما كشفه سياسي عراقي لـ«الشرق الأوسط» في وقت سابق من هذا العام، فإن الولايات المتحدة الأميركية بدأت بإعادة تأهيل قاعدة القيارة الجوية بشمال غربي العراق من خلال إحالة عدد من المقاولات الخاصة ببناء وتجهيز القاعدة إلى عدد من الشركات الأجنبية، علما بأن الاتفاقات الخاصة بذلك أجريت في مقر السفارة الأميركية في الكويت.
يومذاك أضاف السياسي العراقي المطلع أن «الفرقة الأميركية المجوقلة 101 سوف تستقر في هذه القاعدة الاستراتيجية، وأن الجانب الأميركي أدخل إلى هذه القاعدة معدات تستخدم لأول مرة في الجيش الأميركي».

اهتمام وإعادة تأهيل
وأوضح المسؤول العراقي الرفيع المستوى أن «الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر في اليوم التالي لتحرير القاعدة من سيطرة تنظيم داعش تأتي في سياق الاهتمام الأميركي». وكانت قاعدة القيارة قد بنيت أواخر سبعينات القرن الماضي على أيدي شركات يوغسلافية ضمن مشروع القواعد العملاقة للاستفادة من دروس الحروب العربية مع إسرائيل بين عامي 1967 و1973. وكانت هذه القاعدة لعبت دورًا مهما خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980ـ1988)، إذ كانت تؤوي أسراب طائرات «الميغ» الروسية و«الميراج» الفرنسية.
وتضم القاعدة مدرجين بطول 3505 و3596 مترا، ونحو 33 حظيرة طيران ويحيط بها سياج بقطر 20 كيلومترا مربعا، ومع السياج حزام أخضر من الأشجار يطوّق القاعدة لغرض حجب الرؤية وضمان السرية. وفي حين استخدمت القوات الأميركية قاعدة القيارة عند احتلالها العراق بعد عام 2003 فإنها سلمتها فيما بعد إلى الحكومة العراقية عام 2010 حين بدأ الأميركان يعدون العدة للانسحاب من العراق (أواخر عام 2011). ثم، في يونيو (حزيران) عام 2014 سقطت القيارة بيد تنظيم داعش المتطرف إبان هجومه الواسع في شمال غربي العراق الذي أسفر عن احتلاله الموصل.

أولويات أميركية
واستنادا لهذه الأهمية الاستراتيجية من حيث الموقع والتحصينات الدفاعية التي بنيت القاعدة وفقًا لاعتباراتها منذ نحو أربعة عقود فإن أولويات الاهتمام الاستراتيجي الأميركي بهذه القاعدة، التي تقع في منطقة ذات غالبية سنية مطلقة تقريبا، تسبق أولويات الجانب الحكومي العراقي.
فأولويات الحكومة العراقية برئاسة الدكتور حيدر العبادي تتركز الآن في تحرير الموصل فقط كمحافظة عراقية، في حين يبدو الأمر مختلفا سواء للجانب الأميركي أو الجانب السنّي المتمثل بأهالي تلك المناطق وما باتت تفرزه من زعامات سنّيّة وعشائرية لديها هي الأخرى أولويات. ذلك أن الحكومة العراقية – وفيها ثقل كبير للمكوّن الشعبي – ليست متحمسة لبناء قواعد أميركية في العراق لكنها تغض النظر حاليًا لأسباب يرى المراقبون السياسيون أنها تتمثل في الحاجة إلى الدعم الأميركي لإخراج «داعش».
ثم إن وجود مثل هذه القاعدة يأتي في سياق تقاسم النفوذ بين موسكو وواشنطن، غير أنه بغض نظر إيراني بعدما ضمنت واشنطن لطهران مناطق نفوذ أخرى في العراق، وهذا بالإضافة إلى تراجع الموقف الأميركي (السلبي سابقًا) من مشاركات «الحشد الشعبي» ذي الغالبية الشيعية في المعارك الدائرة حاليًا ضد تنظيم داعش، بما في ذلك معركة الموصل. إذ باتت مشاركة «الحشد الشعبي» اليوم شبه محسومة، والمتوقع أن يكون دوره مشابهًا لدوره في كل من معركتي الرمادي والفلوجة. وهذا يعني أنه سيكون جزءًا من المعركة لكنه قد لا يشارك مباشرة في عملية اقتحام مدينة الموصل التي بدأ أهاليها يشعرون بالخوف والهلع منذ الآن تخوفًا من الحرب القادمة، خصوصًا أن تنظيم داعش بدأ بدوره يحشد أعدادًا كبيرة من مقاتليه فيها.
أما أولوية أهالي الموصل ومحيطها، التي لخصها الزعيم السنّي البارز أسامة النجيفي في حديث أدلى به لـ«الشرق الأوسط» فهي أن يصار إلى إقامة «الأقاليم الفيدرالية لكن على أسس إدارية وليست طائفية». ولقد بيّن النجيفي أنه «يمكن تقسيم محافظة نينوى إلى عدة محافظات ينتظمها إقليم واحد وهو ما ينطبق على محافظات صلاح الدين والأنبار وديالى».

تناقضات في الرؤية
بيد أن أولوية النجيفي تتناقض مع أولويات أخرى لبعض القيادات السنّيّة هناك تعارض هذا التوجه، وهذا ما يلخصه موقف مشعان الجبوري، النائب في البرلمان العراقي عن محافظة صلاح الدين. وللعلم، فإن الجبوري وهو قيادي في «تحالف القوى العراقية» الذي ينتمي إليه أسامة النجيفي نفسه إلا أنه يخالفه في الرؤية والمنهج، وفي تصريحه لـ«الشرق الأوسط» اعتبر أن «الأقاليم الفيدرالية هي وصفة لتقسيم العراق ولن نسمح بها على الإطلاق». وردا على سؤال بأن الدستور العراقي ثبّت الفيدرالية في الكثير من مواده، قال الجبوري إن «الوقت غير مناسب لذلك، حتى لو بدأ الأمر بغطاء دستوري. يضاف إلى ذلك أن هناك مشاريع تقسيم في المنطقة لن نقبل بها، وتركيا التي يؤيدها السيد النجيفي جزء من هذه الترتيبات».
من جانبها، فإن الولايات المتحدة الأميركية التي قررت إرسال 560 جنديًا إلى قاعدة القيارة التي هي الآن قيد الإعداد وصل منهم الأسبوع الماضي 400 جندي، تعد العدة الآن لمعركة الموصل لأن الترتيبات المستقبلية في قاعدة القيارة و«الجائزة الكبرى» لهيلاري كلينتون تتوقف على خطة تحرير الموصل. ومن أجل تطبيق الرؤية الأميركية على أرض الواقع أرسلت واشنطن الكثير من الوفود الرفيعة المستوى إلى بغداد، مثل وزراء الخارجية والدفاع وقائد القيادة المركزية الأميركية والناطق باسم التحالف الدولي ورئيس هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأميركية وذلك بهدف تهيئة كافة الاستعدادات للمعركة الفاصلة.
وهنا تبدو بغداد، على لسان المتحدث الإعلامي بمكتب رئيس الوزراء سعد الحديثي، مهتمة بهذه الرؤية. إذ يقول الحديثي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاهتمام الأميركي في تحرير الموصل يتمثل في مستوى الدعم المتواصل الذي بدأت تقدمه واشنطن للعراق، وهو ما يتضح من خلال ما تجريه الإدارة الأميركية من اتصالات مع رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي تعده واشنطن شريكا رئيسيا لها في مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى أنها تدرك أن العراق بات يمثل الخط الأمامي في المواجهة ضد تنظيم داعش. وبالتالي، فإن هناك طمانة أميركية مستمرة للعراق بالوقوف إلى جانبه في مختلف الجوانب، وهو ما ترك أثره على طبيعة ومستوى الإعداد للمعركة من مختلف جوانبها».

دور القاعدة الاستراتيجي
ومما يستحق الإشارة، أن وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر كان قد أعلن أن الرئيس أوباما سينشر 560 عسكريًا أميركيًا إضافيًا في العراق للمساعدة في تحرير الموصل من تنظيم داعش على أن تكون وجهة هؤلاء الجنود نحو قاعدة القيارة. وطبقا لما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الحسنة الاطلاع فإنه «بهذا العدد الإضافي سيصل مجموع القوات الأميركية في العراق إلى 4647 عسكريًا، ومن ثم سيتم نشر الكثير من هذه القوات في مطار قاعدة القيارة». وأضافت الصحيفة نقلا عن كارتر أن «القادة العسكريين الأميركيين يعتزمون استخدام قاعدة القيارة الجوية كمطار ومنطقة انطلاق لتقديم الدعم اللوجستي للقوات العراقية المتقدمة نحو الموصل، فيما يوجد متخصصون في دعم البنية التحتية، مثل الجسور، التي سيحتاجها العراقيون في الهجوم على الموصل بسبب تدمير (داعش) الكثير منها في المدينة».
أيضًا، في سياق هذه الترتيبات فإن معركة الموصل المتوقع انطلاق صفحتها الرئيسية مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل صرح مصدر مطلع رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط» بأن واشنطن سوف تبدأ باستخدام طائرات الأباتشي المتطورة في معركة الموصل بدءا من شهر سبتمبر المقبل بالإضافة إلى النصيحة التي قدمها الأميركان للقيادة العراقية بالإبقاء «على قضاء الشرقاط محاصرا دون قتال الأمر الذي سوف يجبر عناصر تنظيم داعش الموجودين فيه حاليًا على الهرب، كما أن من شأن ذلك تجنب عمليات النزوح الهائلة التي يمكن أن ترافق العمليات القتالية ما قد يؤخر عملية التقدم نحو الموصل».

مطامح الأكراد والشيعة
أما بالنسبة لمفهومي الاختلاط والتمدد في الموصل شيعيًا وكرديًا، فإنه في الوقت الذي تبدو خطة إيران غير واضحة المعالم، وهي تعتمد على التمدد والتوغل تحت أغطية مختلفة منها حماية أبناء المذهب الشيعي في تلك المناطق ذات الغالبية السنّيّة، فإن الوضع الكردي مختلف حيث يقوم على أساس ما يعتبره «عائدية جغرافية». فالقوميون الأكراد المتشددون يتعاملون مع هذه المناطق على أنها تتبع «إقليمهم» بصرف النظر عن التنوع السكاني فيها، مع العلم أنه يعيش في هذه المناطق الأكراد والعرب والمسلمون والمسيحيون، وبالتالي، فإن الجغرافيا هي التي تحكم العلاقة المستقبلية مع إقليم كردستان في تلك المناطق.
وعلى صعيد آخر، يجمع الخبراء العسكريون والاستراتيجيون على أن قاعدة القيارة ذات أهمية استراتيجية سواء اليوم على صعيد الحرب على «داعش» - وسط التحضيرات الجارية الآن لخوض معركة الموصل الفاصلة والتي لا يمكن كسبها ما لم يتم انطلاق الطائرات منها - أو على صعيد الترتيبات المستقبلية. فبالنسبة لعمليات الطيران فإن الطائرات الحربية التي ستنطلق من القاعدة سوف لن تحتاج إلى إعادة التزود بالوقود نظرا لقرب المسافة. كما أنها يمكن أن تؤدي هدفها بسهولة ويسر على صعيد تكثيف الضربات الجوية التي أثبتت الحرب ضد «داعش» في العراق خلال السنتين الماضيتين أن الطيران كان ولا يزال العامل الحاسم في ترجيح كفة المعركة لدى الجانب العراقي على الرغم من الأهمية القصوى التي ينطوي عليها موضوع السيطرة على الأرض في الحروب.
ولكن في المعارك التي جرت ضد «داعش»، بما في ذلك المعارك التي أمكن فيها استعادة مدن مهمة مثل تكريت والرمادي والفلوجة، فإنه لولا الجهد الجوي خصوصًا جهد طيران التحالف الدولي المتمثل في ضرب أهداف التنظيم من حيث التجمعات والمخازن والأعتدة وقوافل السيارات والدبابات في الصحراء، لما تم تحقيق النصر في معارك لا تستند إلى قواعد الحرب التقليدية التي هي عبارة عن مواجهة بين جيشين.
كذلك، فإن الموقع الذي تحتله القاعدة بين محافظتي صلاح الدين والموصل، خصوصًا في مناطق شمال محافظة صلاح الدين وصولا لمدينة الموصل، سيكون له الدور الأبرز في المعارك المقبلة ضد التنظيم، لا سيما أن القوات الحكومية العراقية تمكنت أخيرا من استعادة ناحية القيارة (16 كم شمال القاعدة) التي تتبع لها القاعدة من الناحية الإدارية.
لهذه الأسباب والعوامل السابقة الذكر كلها جاء السعي الأميركي للسيطرة على هذه القاعدة، ومن ثم إعادة تأهيلها، لكي تضاف إلى قواعدها الأخرى في العراق مثل عين الأسد في الأنبار وبلد في صلاح الدين. وطبعًا يضاف إلى ما تقدم أن السيطرة على هذه القاعدة سيساعد في تمترس القوات البرية وتحصنها داخلها. وبذلك تشكل عقدة عسكرية مهمة ضد التنظيم. وهنا نشير إلى طريقين يربطان القيارة بالموصل: الأول هو طريق بغداد - الموصل وهو طريق سريع باتجاهين، والثاني طريق قديم ذو ممر واحد محاذ لنهر دجلة، وهذا، فضلا عن قربه من بلدة مخمور حيث مقر قيادة عمليات تحرير نينوى.
وبعد استعادة السيطرة على ناحية القيارة بعد نحو شهرين من استعادة قاعدتها الجوية فإنه لم يعد يفصلها عن الموصل سوى ناحيتي الشورة وحمام العليل وما يتبعهما من قرى. والمرتقب أنه لن يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن البعد النفسي سيكون في غاية الأهمية لدى سكان تلك المناطق الذين كانوا قبل سيطرة «داعش» يرتدون «الجينز» ويدخنون السجائر وينصبون «الستلايت» ويستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، وكل هذه أمور حرّمها التنظيم المتطرف بعد فرضه سيطرته على تلك المناطق.
هذا يعني أن عملية التحرير ما عادت ترتبط بالبعد السياسي الملتصق بالسيادة الوطنية بل ترتبط أيضًا بالحريات الشخصية التي كانت متاحة للسكان بلا حدود، والتي سلبها «داعش» أيضًا بلا حدود.. وبمجموعة إجراءات تعسفية ولدت حالة من الاحتقان والاختناق. ما جعل أبناء تلك المناطق يرحبون بأقوى جهاز أمني عراقي كانوا على خلاف عميق معه قبل عام 2014 وهو جهاز مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى ترحيبهم بالأميركان الذين طالما قاوموهم بعد عام 2003 وحتى انسحابهم من العراق عام 2011.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.