مقاتلات أميركية لحماية «قوات سوريا الديمقراطية» بشمال سوريا

تحذيرات من «حرب أهلية» عربية - كردية في الحسكة.. والنظام يقصفها جوًا للمرة الثانية

جانب من الدمار في باب الحديد في إحدى ضواحي مدينة حلب (رويترز)
جانب من الدمار في باب الحديد في إحدى ضواحي مدينة حلب (رويترز)
TT

مقاتلات أميركية لحماية «قوات سوريا الديمقراطية» بشمال سوريا

جانب من الدمار في باب الحديد في إحدى ضواحي مدينة حلب (رويترز)
جانب من الدمار في باب الحديد في إحدى ضواحي مدينة حلب (رويترز)

حذر معارضون سوريون من تطور الاشتباكات بين قوات النظام السوري والميليشيات الكردية في مدينة الحسكة، بشمال شرقي سوريا، إلى «حرب أهلية» بين المكونين العربي والكردي في المنطقة، رغم استبعادهم أن يواصل النظام تصعيده «لأن تطورًا مشابهًا من شأنه أن يقصيه من مركز المحافظة»، وهذا على الرغم من أنه استخدم أمس سلاح الجو للمرة الثانية على التوالي لقصف مواقع يسيطر عليها المقاتلون الأكراد. ومن جانب آخر، تدخلت الولايات المتحدة الأميركية على خط حماية الأكراد في سوريا، إذ أعلنت وزارة الدفاع (البنتاغون)، أمس، أن قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة أرسلت مقاتلات لحماية الميليشيات الكردية العاملة مع مستشارين أميركيين في سوريا، في حين كانت تستهدفهم طائرات النظام السوري.
المتحدث الكابتن، جيف ديفيس، أعلن مساء أمس، بتوقيت سوريا: «تم ذلك كإجراء لحماية قوات التحالف» مشيرا إلى غارات جوية الخميس في محيط مدينة الحسكة. وأضاف: «أعلناها بوضوح أن الطائرات الأميركية ستدافع عن القوات على الأرض إذا تعرضت لتهديد»، وأكد عدم وقوع إصابات. ومن المعروف أن قوات أميركية موجودة في شمال سوريا، تقدم الدعم لميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» التي تقاتل تنظيم داعش.
هذا، وكانت طائرات حربية نظامية قد نفذت، أمس الجمعة، لليوم الثاني على التوالي غارات على مواقع تحت سيطرة الميليشيات الكردية في مدينة الحسكة، عاصمة المحافظة التي تحمل اسمها والتي تحد كلاً من العراق وتركيا، وفق ما أعلنه «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، الذي أكد أن «طائرات النظام الحربية جددت الجمعة قصفها مناطق في حي النشوة الغربية الخاضع لسيطرة القوات الكردية، مستهدفة موقعا لقوات الأمن الكردية الأسايش».
ومن جهة أخرى، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية «أ.ف.ب» تنفيذ الطائرات الحربية ثماني ضربات على المدينة التي يسيطر الأكراد على ثلثي مساحتها، في حين تسيطر قوات النظام السوري على الجزء المتبقي. وللعلم، تدور منذ ليل الأربعاء اشتباكات عنيفة بين قوات «الأسايش» الكردية وميليشيات «قوات الدفاع الوطني» الموالية لقوات النظام، على خلفية توتر في المدينة إثر اتهامات متبادلة بتنفيذ حملة اعتقالات خلال الأسبوعين الأخيرين، وفق «المرصد» الذي أحصى مقتل 40 شخصًا بينهم 9 مقاتلين أكراد و7 مقاتلين من قوات «الدفاع الوطني». وأوضح «المرصد» أن 23 مدنيًا قتلوا، بينهم 9 أطفال و4 مواطنات قضوا جراء قصف قوات النظام والقصف وإطلاق النار المتبادل بين الجانبين.
ولقد تصاعدت حدة هذه الاشتباكات الخميس بعد تنفيذ الطائرات السورية غارات على مواقع للأكراد للمرة الأولى منذ بدء النزاع في سوريا العام 2011. وقال «المرصد» إن الاشتباكات تواصلت الجمعة بين المقاتلين الأكراد والمقاتلين الموالين للنظام في القسم الجنوبي من المدينة.
جدير بالذكر أن مقاتلي ميليشيا قوات الدفاع الوطني القوة الأكبر الموالية للنظام وهم يخوضون المعارك إلى جانبه على كل الجبهات ضد الفصائل المقاتلة والجهاديين.
ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن «مصدر حكومي في المدينة» قوله إن اجتماعات عدة عقدت بين الطرفين «لاحتواء التوتر» لكنها فشلت بعد مطالبة الأكراد بحل «قوات الدفاع الوطني» في المدينة، معتبرًا أن «الضربات الجوية هي بمثابة رسالة للأكراد للكف عن مطالبات مماثلة (حل قوات الدفاع الوطني) من شأنها أن تمسّ بالسيادة الوطنية».
تعكس الاشتباكات توترًا كبيرًا بين الطرفين، وسط مخاوف من أن تتحول إلى حرب أهلية، كما قال مصدر سوري معارض لـ«الشرق الأوسط»، لافتًا إلى أن التوتر «بدأ يتخذ الطابع العرقي بين العرب والأكراد»، علما بأن قسمًا كبيرًا من سكان المدينة هم من السوريين العرب. لكن مسؤولين أكرادا، وناشطين في الحسكة، شككوا بأن تتحول المعارك إلى حرب أهلية. وقال الباحث السياسي سليمان اليوسف، المقيم في الحسكة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «في المرحلة الحالية، لا مصلحة للنظام بإشعال الفتنة، لكونه مأزوما ومحاصرا»، لافتًا إلى أن «فتنة مشابهة، من شأنها أن تنهي النظام في المحافظة»، لكون «القوات الكردية في شمال العراق يمكن أن تدخل في أي لحظة إذا وقعت فتنة بغرض حماية الأكراد».
وتابع اليوسف أن «التصعيد لم يكن للمرة الأولى في المنطقة بين النظام والأسايش»، مشيرًا إلى أن «ما حصل أن قوات سوريا الديمقراطية، تحاول بين كل فترة وأخرى قضم نفوذ النظام والتمدد في شمال سوريا»، وأضاف: «ربما أرادت قوات سوريا الديمقراطية شيئا من المكافأة في الحسكة بعد تحرير منبج، لكن النظام، عوضًا عن مكافأتها، عاقبها، وكان ذلك شيئا مفاجئا».
ورأى اليوسف أن النظام «أراد إرسال رسالة قوية لقوات سوريا الديمقراطية بأن سقف نفوذها في الحسكة معروف»، واضعًا الغارات الجوية في إطار «ردع حزب الاتحاد الديمقراطي (بي واي دي) عن التمادي في الحسكة». واستطرد قائلا إن النظام «يحاول كسب ود المكوّن العربي في الحسكة واستمالة العشائر لصالحه، بالنظر إلى شكاوى وصلت إليه مفادها أن قوات الأسايش تعيق عمل ما تبقى من مؤسسات الدولة بالحسكة»، علما بأن الحسكة هي مركز المحافظة، وتتضمن مركز المحافظ وقوات أمنية وإدارات حكومية.
اليوسف الذي أكد أن «حالة تقاطع المصالح بين الأكراد والنظام وحاجتهما لبعضهما التي تمنع النظام من قطع علاقته مع الأكراد، تفضي إلى استبعاد الحرب الأهلية بين المكونين». ويلتقي بذلك مع الأكراد الذين يستبعدون الحرب الأهلية، لأسباب أخرى.
من جانب آخر، قال رئيس المركز الكردي للدراسات، نواف خليل، لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك ضبطًا للوضع الداخلي، موضحًا أن «قسمًا كبيرًا من العشائر العربية تعمل مع الإدارة الذاتية، وهناك مشاركة حقيقية للعرب في جميع التشكيلات العسكرية والأمنية في الحسكة يمنع الانقسامات التي تؤدي إلى حرب أهلية». وادعى خليل أن المقاتلين العرب «يشكلون 35 في المائة من قوات سوريا الديمقراطية، ويتواجدون في قوات الأسايش و (وحدات حماية الشعب) وفي التشكيلات المدنية»، وأردف أن قسمًا منهم «موجود في تلك التشكيلات منذ ما قبل تأسيس قوات سوريا الديمقراطية».
وتابع خليل أن النظام «يعمل منذ 50 سنة على ضرب المكونات ببعضها، سواء أكانت عشائر أو جماعات عرقية أو طائفية، لكنه لم يستطع تحقيق هدفه. وكانت السنوات الخمس الماضية كفيلة بدرء مخاطر تلك المخططات.. وأي خطوة من النظام للتصعيد، ستؤدي إلى حصاره في مربع أمني في مدينة الحسكة».
في هذه الأثناء، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أنه استمر التوتر في مدينة الحسكة وسط استمرار الأهالي في محاولات النزوح نحو مناطق بعيدة عن الاشتباكات والقصف، في حين ساد الهدوء محاور عدة شهدت اشتباكات بين ميليشيا «قوات الدفاع الوطني» والمسلحين الموالين للنظام من جانب، والميليشيات الكردية و«الأسايش» من جانب آخر، في حين شهدت محاور أخرى اشتباكات تراجعت وتيرتها من عنيفة إلى متقطعة، وسط سماع دوي انفجارات في المدينة يعتقد أنها ناجمة عن قصف لقوات النظام على مناطق تسيطر عليها القوات الكردية في المدينة. وانسحبت قوات النظام تدريجيا من المناطق ذات الغالبية الكردية منذ عام 2012 محتفظة بمقار حكومية وإدارية وبعض القوات، لا سيما في مدينتي الحسكة والقامشلي.
من ناحية اخرى احتدمت العمليات العسكرية يوم أمس الجمعة في مدينة حلب عاصمة شمال سوريا بعد ساعات على إعلان موسكو موافقتها على الالتزام بهدنة إنسانية أسبوعية مدتها 48 ساعة اعتبارا من الأسبوع المقبل، بينما رجّح معارضون سوريون أن تؤسس هذه الهدنة لتثبيت المواقع الحالية لطرفي الصراع بعد تركز المعارك عند خط الدفاع الأخير عن الأحياء الغربية التي يسيطر عليها النظام.
سمير نشار، عضو الائتلاف السوري المعارض، قال لـ«الشرق الأوسط» بأن هدنة الـ48 ساعة المرتقبة قد تمتد لفترة أطول تمهيدا لإعلان التهدئة ووقف شامل لإطلاق النار انطلاقا من مدينة حلب، ورجح أن يكون هناك توجه لتثبيت الوضع الميداني على ما هو عليه بعدما باتت قوى الثورة والمعارضة على بُعد 100 متر فقط عن القلب الحيوي لحلب المتمثل بالأحياء الغربية التي تسيطر عليها قوات النظام.
وأوضح نشار أن المعارك حاليا تتركز عند خط الدفاع الأخير عن أحياء النظام والمتمثل بخط يمتد من الراموسة حتى مبنى المخابرات الجوية، أي على مساحة تقارب الـ7 أو 8 كلم، لافتا إلى أن الأكاديمية العسكرية ومدفعية الزهراء وفروع الأمن كلها تتركز على هذا الخط. وأضاف: «في حال تمكن الثوار من السيطرة على قطاع الزهراء فذلك يعني دخولهم قلب الأحياء الغربية التي يعيش فيها المدنيون».
واعتبر نشار أن «أي تطور من هذا النوع سيكون له تداعيات خطيرة، خاصة أن نحو مليون ونصف مدني يعيشون في الأحياء الغربية والشرقية لحلب، والمعارضة تعي تماما أن الدخول إلى الأحياء الغربية وتحريرها ليس بالقضية السهلة». وأردف «الأرجح أن الهدنة المطروحة هدفها تثبيت خطوط الاشتباك القائمة حاليا كما المواقع المتقدمة للمعارضة والإبقاء على قوات النظام على خط الدفاع الأخير عن الأحياء الغربية».
في المقابل، أعلن الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف أن هدنة الـ48 ساعة التي وافقت عليها موسكو هدفها «إفساح المجال أمام إيصال المساعدات إلى سكان حلب»، مشيرا إلى أن «الموعد والوقت الدقيقين سيحددان بعد تلقي الأمم المتحدة المعلومات حول تحضير القوافل والضمانات من جانب شركائنا الأميركيين بأنها ستنقل بأمان».
ومن جانبها، دعت وزارة الخارجية الألمانية يوم أمس إلى إيضاح تفاصيل الهدنة، التي أعلنت روسيا عن استعدادها لتطبيقها في حلب، في أسرع وقت ممكن. وقالت متحدثة باسم الوزارة اليوم الجمعة إنه «من المهم أيضا عدم تكثيف المعارك قبل بدء هذه الهدنة مثلما حدث أكثر من مرة من قبل في مواقف مشابهة».
أما ستيفان دي ميستورا، الذي رحب مساء الخميس بالقرار الروسي فأفاد بيان صادر عن مكتبه أن «المبعوث الخاص يرحب بإعلان الاتحاد الروسي والفريق الإنساني للأمم المتحدة مستعد الآن للتحرك لمواجهة هذا التحدي». وتابع أن «الأمم المتحدة تعول على الاتحاد الروسي لتنفيذ جانبه من الاتفاق، وخصوصا العمل على أن تلتزم القوات المسلحة السورية بالهدنة بمجرد أن تدخل حيز التنفيذ». وأوضح أن الأمم المتحدة «تعول أيضا على كل من يمكنهم التواصل أو التأثير على المعارضة المسلحة، ولا سيما الولايات المتحدة (...) وكذلك غيرها من أعضاء المجموعة الدولية، لضمان أن تحترم المعارضة المسلحة أيضا الهدنة الإنسانية لمدة 48 ساعة».
في هذه الأثناء، ميدانيا، احتدمت الاشتباكات في محيط الكلية الفنية الجوية بالراموسة والعامرية جنوب غربي حلب، بين قوات النظام السوري والمسلحين الموالين لها من جهة، والفصائل المعارضة والإسلامية - ومنها جبهة فتح الشام والحزب الإسلامي التركستاني - من جهة أخرى، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان» الذي قال: إن طائرات حربية أغارت على مناطق الاشتباك، بينما استهدفت فصائل المعارضة بصاروخ موجه، تجمعًا لعناصر من قوات الحكومة في ضاحية الأسد غربي حلب، ما أدى لمقتل وجرح عدد منهم.
كذلك تحدث مدير المكتب الإعلامي لـ«تجمع فاستقم» محمد حاج قاسم عن «عملية عسكرية واسعة نفذتها قوات الأسد والميليشيات التي تقاتل إلى جانبها صباح الجمعة بمحاولة للتقدم باتجاه الراموسة واحتلال المنطقة وبالتالي قطع طريق الإمداد الوحيد الحالي للمعارضة»، لافتا إلى أن الهجوم كان عنيفا والغارات مكثفة. وقال قاسم لـ«الشرق الأوسط»: «الثوار تصدوا لهذه الحملة وتم استيعاب الصدمة واحتواؤها وإيقاع الكثير من الخسائر في صفوفهم، وقد تأكدنا من مقتل مجموعة من الضباط أصحاب رتب بينهم رائد ومقدم».
ومن جهة ثانية، أفاد «مكتب أخبار سوريا» بمقتل تسعة مدنيين في بلدة خان طومان الخاضعة لسيطرة المعارضة بريف محافظة حلب الجنوبي، جراء استهداف الطيران الحربي الروسي لها.



العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
TT

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)

يوماً بعد يوم، تكتسب العاصمة المصرية الجديدة زخماً سياسياً من خلال فعاليات تعزز مكانتها رسمياً وشعبياً، وإن ظل الإشغال السكني محدوداً.

وحسب تصريحات رسمية لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة»، خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن، مع زيادة يومية في أعداد المنتقلين إلى العاصمة».

وتوقع عباس، في تصريحات تلفزيونية الشهر الماضي، وصول عدد السكان المقيمين بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص، استناداً إلى طلبات تركيب عدادات الخدمات التي تلقتها شركة «العاصمة».

ويعود تاريخ مشروع العاصمة الجديدة إلى مارس (آذار) 2015، حين بدأ بوصفه محاولة لتخفيف الضغط عن القاهرة عبر إنشاء مدينة جديدة على مساحة نحو 700 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 170 ألف فدان، تُنفذ على 3 مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى نحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، بما يعادل تقريباً نصف مساحة القاهرة، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان.

من افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وكان من المقرر بدء تشغيلها فعلياً عام 2020، لكن جائحة «كوفيد-19» وما تبعتها من توترات جيوسياسية في المنطقة والعالم، أدّتا إلى تأجيل التشغيل الرسمي للمدينة إلى عام 2024، حين بدأ نقل الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، تلا ذلك انتقال البرلمان ومؤسسات الدولة الرسمية.

ورغم تنفيذ الدولة مشروعات للطرق وخطوط المواصلات، لا يزال حجم الإشغال السكني محدوداً مقارنة بحجم الإشغال الحكومي الرسمي، لا سيما في ظل كثرة الفعاليات الرسمية الهادفة إلى تعزيز مكانة العاصمة، وكان آخرها افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

لكن الخبير العقاري أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «نسبة الإشغال طبيعية رغم محدوديتها»، موضحاً أن «المدن الجديدة عادة ما يكون الإشغال السكني فيها تدريجياً مع زيادة الخدمات والأحداث».

وأضاف: «قبل سنوات، كان الناس يعدّون مدناً مثل القاهرة الجديدة وأكتوبر بعيدة، لكن اليوم يجري التسويق للعقارات بمستوى قربها من الجامعة الأميركية بالتجمع الخامس بوصفها وسط البلد الحالية».

وفي تصريحاته، دافع رئيس شركة «العاصمة» عن نسب الإشغال، مؤكداً أنها «ليست قليلة»، وقال إن «مساحة المرحلة الأولى تعادل 4 أضعاف مساحة مدينة الشيخ زايد أو مدينة الشروق». وأضاف: «العاصمة ليست مجرد مبانٍ محدودة وسط الصحراء، كما يتصور البعض»، مشيراً إلى اكتمال أعمال البنية التحتية للمرحلة الأولى بالكامل، وبيع نحو 70 في المائة من أراضي العاصمة لمطورين عقاريين.

وتعول مصر على العاصمة الجديدة بوصفها «خطوة محورية تُعيد تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا»، حسب التصريحات الرسمية.

وتستضيف العاصمة الجديدة حالياً الاجتماعات الرسمية للحكومة والمؤتمرات الصحافية لمختلف الجهات الرسمية، إضافة إلى المقابلات الرسمية للمسؤولين. وأخيراً خصصت منطقة مجهزة لمتابعة مباريات كأس العالم، سُميت «الفان زون»، إضافة إلى استضافتها مؤتمرات رسمية عدة.

وفي إطار تسهيل الوصول إلى العاصمة، بدأت مصر أخيراً تشغيل خط «مونوريل» شرق النيل، ليربط القاهرة بالعاصمة الجديدة.

وقال عبد الفتاح إن «نسب الطلب على حجز الوحدات السكنية في العاصمة لا تزال أقل من الطلب على وحدات مماثلة في القاهرة الجديدة، وإن كان الطلب عليها في تزايد»، موضحاً أن «مشروعات العاصمة لا تزال في مرحلتي التخطيط والإنشاء، وأن كثيرين يسعون إلى حجز وحدات بتسهيلات لتكون مقراً سكنياً لهم في المستقبل».

مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وأضاف: «يبلغ متوسط سعر المتر السكني للشقق في العاصمة نحو 50 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً)، ويرتفع إلى 85 ألفاً في الفيلات»، مشيراً إلى أن «الأسعار في العاصمة أقل مقارنة بالقاهرة الجديدة، بسبب اختلاف مستوى الخدمات واكتمال تنفيذ المشروعات». وأكد عبد الفتاح أن «العاصمة تُمثل مستقبل السكن في السوق العقارية»، متوقعاً «زيادة الإقبال عليها خلال الفترات المقبلة».

وتستهدف العاصمة الجديدة نحو نصف مليون نسمة في مرحلتها الأولى. لكن عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الخبير الاستراتيجي، الدكتور عبد المنعم سعيد، يتوقع أن يصل تعداد السكان في العاصمة إلى مليون نسمة بحلول 2030، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الزخم الرسمي الذي اكتسبته العاصمة الجديدة بالافتتاحات الأخيرة ونقل الوزارات والمؤسسات الرسمية، عزز من وجودها»، لافتاً إلى أحداث ومؤتمرات زادت من شعبيتها.

وأضاف: «حجم الإشغال طبيعي، لا سيما مع كونها جديدة»، متوقعاً زيادة تدريجية في السكان وفي الدور الرسمي والسياسي مع مرور الوقت، أسوة بتجارب دول أخرى بما عواصم جديدة.


كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
TT

كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)

لم تتعامل القيادة اليمنية مع أزمة الطائرة الإيرانية التي حاولت الهبوط في مطار صنعاء، الاثنين الماضي، على أنها حادثة طيران يمكن التغاضي عنها منعاً لمزيد من التصعيد، بل نظرت إليها بوصفها اختباراً مباشراً لسيادة الدولة، ومحاولة لفرض واقع سياسي وعسكري جديد خارج مؤسساتها الشرعية، في توقيت إقليمي يشهد توتراً غير مسبوق.

وعلى خلاف أزمات سابقة اتسمت بردود فعل أقل ثباتاً، جاءت إدارة الأزمة هذه المرة عبر منظومة متكاملة جمعت بين القرار العسكري المحسوب، والتحرك السياسي المنظم، والجهد القانوني والدبلوماسي، مع الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة أوسع كانت الحكومة ترى أن طهران تسعى إليها لتحويل اليمن مجدداً ساحةَ صراع إقليمي.

وبرزت خلال الأزمة رسالة مركزية حرصت القيادة اليمنية على تثبيتها منذ الساعات الأولى، هي أن الدفاع عن السيادة لا يتعارض مع التمسك بخيار السلام، وأن الدولة قادرة على فرض القانون دون التخلي عن مسؤوليتها في حماية المدنيين أو المحافظة على فرص التسوية السياسية.

العليمي خلال اجتماع لمجلس الدفاع الوطني اليمني (إعلام حكومي)

ولذلك؛ لم يكن استهداف مدرج مطار صنعاء- لمنع هبوط الطائرة الإيرانية- سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإجراءات السياسية والقانونية التي سبقت استخدام القوة، بعد أن قالت الحكومة إنها استنفدت جميع المبادرات لتشغيل المطار عبر القنوات الرسمية، وأتاحت بدائل تضمن استمرار الرحلات المدنية بواسطة «الخطوط الجوية اليمنية» بوصفها الناقل الوطني المخول قانوناً.

ولعل ما ميّز أداء الحكومة اليمنية خلال الأزمة أنها لم تكتف بالرد على الحدث، بل سعت إلى إدارة الرواية السياسية المصاحبة له، فمنذ اللحظة الأولى ركزت البيانات الرسمية على أن الخلاف ليس مع تشغيل مطار صنعاء أو سفر المواطنين، وإنما مع محاولة انتزاع إحدى أهم صلاحيات الدولة السيادية، وهي التحكم في المجال الجوي والمنافذ الدولية.

ولهذا كررت القيادة اليمنية في كل بياناتها أن المشكلة لا تكمن في الطائرة بحد ذاتها، وإنما في تشغيل رحلات دولية دون موافقة السلطات الشرعية، في مخالفة لـ«اتفاقية شيكاغو للطيران المدني» ولقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن.

جانب من قصف مدرج مطار صنعاء لمنع وصول الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

كما أظهرت الحكومة أنها قدمت حلولاً عملية قبل التصعيد، بينها نقل الوفد الحوثي من طهران عبر طائرة تستأجرها «الخطوط الجوية اليمنية»، وهو عرض قالت إن الجماعة رفضته، بما عزز روايتها أمام المجتمع الدولي بأنها لم تلجأ إلى القوة إلا بعد استنفاد الخيارات الأخرى.

وفي الوقت نفسه، حرص رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على تأكيد أن الأولوية كانت حماية أرواح المدنيين والممتلكات العامة، وعدم توسيع دائرة المواجهة لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه إيران بزج اليمن في صراعات إقليمية، وهي رسالة استهدفت طمأنة الداخل، وإظهار أن القرار العسكري ظل خاضعاً لحسابات سياسية دقيقة، وليس لردود فعل انفعالية.

كما عكست حالة الانعقاد الدائم للحكومة، وتشكيل فريق وطني لإدارة الأزمة، انتقال مؤسسات الدولة إلى نمط إدارة موحد يجمع بين الجوانب العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية، مما منح الأداء الرسمي قدراً أكبر من الانسجام مقارنة بأزمات سابقة.

التأييد الداخلي والدولي

في ظل الأزمة، يرى مراقبون أن الحكومة اليمنية نجحت أيضاً في تحويلها من مواجهة ثنائية بينها وبين الحوثيين إلى قضية تتعلق باحترام سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.

فعلى المستوى الداخلي، سارع مجلسا النواب والشورى وهيئة التشاور والمصالحة، والتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، إلى إعلان تأييدهم الكامل الإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي، وعَدّ ما جرى انتهاكاً للسيادة اليمنية وليس مجرد خلاف سياسي.

وأهمية هذا الاصطفاف أنه جاء من المؤسسات الرسمية والحزبية التابعة للشرعية، بما منح القيادة غطاءً سياسياً في مواجهة أي محاولات لتصوير أن الشرعية تفتقد التوافق بين مكوناتها في مواجهة الأزمة.

نائبة المندوب الأميركي خلال جلسة مجلس الأمن التي ناقشت انتهاك إيران سيادة اليمن (الأمم المتحدة)

أما خارجياً، فقد بدا واضحاً أن التحرك الدبلوماسي اليمني سبق انعقاد جلسة مجلس الأمن، بعدما تمكنت الحكومة من دفع عدد من الدول الكبرى إلى تبني خطاب قريب من الرواية الرسمية.

فقد وصفت الولايات المتحدة الهبوط الإيراني بأنه انتهاك لسيادة اليمن، وربطته باحتمال نقل خبراء ومعدات عسكرية إلى الحوثيين، عادّةً أن ذلك يمثل خرقاً لقرارات مجلس الأمن، في حين أكدت بريطانيا أن أي رحلات تجري دون موافقة الحكومة الشرعية تُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي، وطالبت بالتحقيق عبر آليات الأمم المتحدة.

كما ذهبت فرنسا إلى أبعد من ذلك عندما ربطت الحادثة بالسلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، وجددت مطالبتها بوقف نقل المعدات العسكرية إلى الحوثيين، مع تأكيدها التمسك بوحدة اليمن وسيادته.

ورغم أن الأمم المتحدة حافظت على خطابها التقليدي الداعي إلى خفض التصعيد، فإنها شددت أيضاً على احترام وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، مما منح الحكومة سنداً سياسياً إضافياً في الدفاع عن موقفها.

رسائل متعددة

يمكن قراءة إدارة أزمة الطائرة الإيرانية من قبل الشرعية اليمنية بوصفها محاولة لإيصال 3 رسائل متوازية؛ الرسالة الأولى إلى إيران، ومفادها بأن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة لفرض الوقائع عبر الرحلات الجوية أو المنافذ السيادية، وأن أي محاولة لتجاوز مؤسسات الدولة ستواجه بإجراءات عملية، حتى مع استمرار التمسك بخيار السلام.

أما الرسالة الثانية فكانت موجهة إلى الحوثيين، ومضمونها أن استخدام معاناة المدنيين أو مطار صنعاء ورقةً سياسيةً لن يؤدي إلى انتزاع اعتراف بسلطات موازية للدولة، وأن الحكومة لن تسمح بتكريس أي صلاحيات سيادية خارج مؤسساتها.

صورة للطائرة الإيرانية التي هبطت في مطار الحديدة بعد منع وصولها إلى صنعاء (إ.ب.أ)

توازياً، حملت الرسالة الثالثة بعداً دولياً؛ إذ دعت الحكومة مجلس الأمن إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع، عبر التطبيق الصارم للعقوبات وقرارات المجلس، خصوصاً القرارين «2140» و«2216»، عادّةً أن استمرار التغاضي عن الانتهاكات يشجع على تكرارها.

لكن على الرغم من المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققتها الشرعية اليمنية، فإن الأزمة لم تنته عملياً، إذ ما زالت مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على ترجمة مواقف الإدانة إلى إجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الحوادث، وتفرض احترام سيادة الدولة اليمنية على جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية.

كما أن استمرار تحركات المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، بالتوازي مع المواقف الدولية الداعمة خفض التصعيد، يعكس إدراكاً متنامياً بأن الحفاظ على الهدنة الهشة يتطلب معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمها إنهاء الانقلاب الحوثي، ومنع استخدام الملفات الإنسانية والمنافذ السيادية أدواتٍ للصراع.

وبالنسبة إلى الحكومة اليمنية- يرى مراقبون- أن الأزمة مثلت اختباراً سياسياً أكبر منه عسكرياً، وقد سعت من خلاله إلى ترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن الدفاع عن السيادة لا يتناقض مع السعي إلى السلام، وأن الدولة قادرة على الجمع بين ضبط النفس والحزم، وبين احترام القانون الدولي وفرض هيبتها.


الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يعمّقون انهيار الصحة باختطاف الأطباء وحرمان المرضى

يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)
يمنيات يحملن أطفالهن بأحد مشافي صنعاء التي تعاني شحاً في الأدوية (إ.ب.أ)

يتواصل تدهور القطاع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع تصاعد الانتهاكات بحق الكوادر الطبية وتفاقم الأزمات التي تطال المرضى والخدمات الأساسية، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي يواجهها المدنيون بعد أكثر من عقد من الحرب.

ففي وقت تتزايد فيه حملات اعتقال الأطباء والعاملين الصحيين، تتسع معاناة آلاف المرضى نتيجة انقطاع الأدوية الأساسية، بالتزامن مع أزمات بيئية وصحية تهدد بانتشار الأوبئة في العاصمة صنعاء.

وتكشف ثلاث أزمات متزامنة في صنعاء وإب عن صورة أكثر قتامة للقطاع الصحي؛ إذ تتهم مصادر طبية وحقوقية الجماعة الحوثية بمواصلة استهداف الكوادر الطبية عبر الاعتقالات التعسفية، في وقت يشكو فيه مرضى الأمراض المزمنة من انعدام الأدوية المنقذة للحياة، بينما يواجه آلاف السكان مخاطر صحية متزايدة بسبب طفح مياه الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات لا تعكس فقط تراجع الخدمات الطبية، بل تنذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة، مع استمرار هجرة الكفاءات الصحية وتراجع قدرة المرافق الطبية على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

اختطاف الأطباء

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظة إب تصاعداً ملحوظاً في حملات استهداف الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، وسط اتهامات للجماعة الحوثية بمواصلة سياسة الاعتقال والإخفاء القسري بحق الكوادر الطبية.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن مسلحين حوثيين نفذوا خلال الفترة الأخيرة عمليات دهم لمنازل ومقار عمل عدد من الأطباء والعاملين الصحيين في صنعاء وإب، قبل اقتيادهم إلى جهات مجهولة دون إبلاغ أسرهم بأماكن احتجازهم أو أسباب اعتقالهم.

القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين يزداد انهياراً بعد تراجع التمويل الأممي (الأمم المتحدة)

وكان آخر تلك الحوادث إعادة اعتقال طبيب العظام والمفاصل ماجد الخزان في صنعاء، إثر شكوى تقدم بها مسؤولون فيما يسمى «الجمعيات الطبية» التي يديرها القيادي الحوثي مجاهد معصار، رئيس ما يعرف بـ«المجلس الطبي الأعلى»؛ الأمر الذي تسبب في تعطيل عدد من العمليات الجراحية المقررة لمرضاه.

وأكد الطبيب الخزان، في تسجيل مرئي، أنه لا يعرف أسباب احتجازه، عادَّاً أن دفاعه عن المرضى وحقوق المواطنين كان سبباً في استهدافه.

وأفاد مقربون منه بأنه يعاني حالة صحية تستدعي متابعة منتظمة بعد خضوعه سابقاً لقسطرة قلبية، محذرين من تعرض حياته للخطر أثناء الاحتجاز، ومحمّلين الجماعة المسؤولية الكاملة عن سلامته.

وسبق ذلك بأيام اعتقال استشاري العظام لبيب باعباد في مدينة إب عقب افتتاحه مركزاً طبياً خاصاً، حيث داهم مسلحون حوثيون المركز واقتادوه إلى جهة مجهولة بناءً على بلاغ من مسؤول حوثي يدير مستشفى «أطباء المنار»، الذي استولت عليه الجماعة قبل سنوات.

مستشفى أطباء المنار الأهلي الخاضع لإدارة الحارس القضائي الحوثي في إب (الشرق الأوسط)

كما لا يزال الطبيب مصطفى باشا، رئيس قسم الأشعة التشخيصية في مستشفى العدين الحكومي، محتجزاً منذ أسابيع بعد مطالبته بصرف مستحقاته المالية، في حين تستمر الجماعة منذ نحو عامين في احتجاز الطبيب علي المضواحي، رغم المناشدات المتكررة للإفراج عنه.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن هذه الانتهاكات تدفع مزيداً من الكفاءات الطبية إلى مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين أو التوقف عن ممارسة المهنة، في وقت يعاني فيه النظام الصحي أصلاً نقصاً حاداً في الكوادر والإمكانات.

تهديد حياة المرضى

بالتوازي مع استهداف الكوادر الطبية، يواجه آلاف المرضى في محافظة إب أزمة حادة نتيجة انقطاع أدوية السكري، وفي مقدمتها الإنسولين، منذ نحو ثلاثة أشهر.

وأكدت مصادر صحية أن أكثر من خمسة آلاف مريض حُرموا من العلاج المجاني الذي يعتمدون عليه بصورة أساسية، بعد نفاد المخزون الدوائي وغياب أي حلول لإعادة توفيره.

وأوضحت المصادر أن الأزمة تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة مع تعثر وصول الإمدادات الطبية، محذرة من أن استمرار الوضع يهدد حياة المرضى ويضاعف احتمالات تعرضهم لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

مرضى يتجمعون في مكان ضيق داخل مستشفى بمدينة الحديدة (رويترز)

واتهمت المصادر قيادات حوثية بالتسبب في تعطيل وصول الأدوية إلى مستحقيها، داعية إلى تحقيق مستقل يكشف أسباب الأزمة ويضمن وصول العلاج بعيداً عن أي تدخلات.

ويقول أحد المرضى في مدينة إب إنه اضطر إلى شراء الإنسولين من الصيدليات التجارية بأسعار تفوق قدرته المالية، في حين يقضي أحياناً أياماً من دون جرعات منتظمة بسبب عدم توفر الدواء.

أما والدة طفل مصاب بالسكري في مديرية العدين، فتؤكد أنها اضطرت إلى الاستدانة مراراً لتأمين العلاج، مشيرة إلى أن استمرار الانقطاع يعرض حياة ابنها للخطر، بينما بدأ مرضى آخرون في تقليل الجرعات المتاحة لديهم لتوفيرها لأطول فترة ممكنة، رغم ما يحمله ذلك من مضاعفات صحية خطيرة.

ويحذّر مختصون من أن استمرار انقطاع أدوية الأمراض المزمنة لا يهدد المرضى فحسب، بل يرفع معدلات المضاعفات والوفيات، ويضاعف الضغط على المستشفيات التي تعاني أصلاً ضعف الإمكانات.

مشكلة بيئية

في العاصمة المختطفة صنعاء، يواجه آلاف السكان في حي السنينة أزمة بيئية وصحية متفاقمة بعد استمرار طفح مياه الصرف الصحي في الشوارع والحارات لأكثر من أسبوعين، وسط غياب أي تدخل لمعالجة المشكلة.

ويؤكد سكان أن المياه الراكدة تسببت في انتشار الروائح الكريهة والحشرات وإعاقة حركة المواطنين، كما ألحقت أضراراً بالمنازل والمحال التجارية، وأثارت مخاوف من تلوث مياه الشرب.

وقال عدد من الأهالي إنهم لاحظوا تغير لون المياه الواصلة إلى منازلهم وانبعاث روائح منها؛ ما دفعهم إلى التوقف عن استخدامها للشرب والطهي والاعتماد على شراء مياه صالحة للاستهلاك، وهو ما زاد من الأعباء المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

حي في صنعاء تغمره المياه الملوثة بسبب انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

ويحذّر مختصون في الصحة العامة من أن استمرار تجمع المياه العادمة يوفر بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة، إلى جانب الأمراض الجلدية والتنفسية.

وأكد مصدر طبي في أحد المراكز الصحية بالحي أن المرفق شهد خلال الأيام الأخيرة زيادة ملحوظة في أعداد المصابين بالإسهالات المائية والأمراض الجلدية والحميات، إضافة إلى حالات يشتبه بإصابتها بالكوليرا والتيفوئيد والملاريا، مرجعاً ذلك إلى التلوث البيئي الناتج من طفح مياه الصرف الصحي.

ويتهم سكان الحي سلطات الجماعة الحوثية بالتقاعس عن معالجة الأزمة، رغم استمرارها لأكثر من أسبوعين، ويقولون إن الجماعة تواصل تحصيل الرسوم والجبايات تحت مسميات «النظافة» و«تحسين المدينة» و«الصرف الصحي»، دون أن ينعكس ذلك على مستوى الخدمات الأساسية.