«القصر المفقود».. جانب من تاريخ لندن أخفاه الحريق

جولة تفاعلية تعتمد على المؤثرات الصوتية وخيال الزائر لتكوين قصر وايتهول

غرفة الرقص الرائعة التي جملتها رسومات الفنان روبنز - التمثال النصفي للملك تشارلز الأول في مدخل «دار الولائم» - يحمل الزوار جهازا خشبيا تفاعلياً - «بانكويتنغ هاوس» (دار الولائم) كما يبدو اليوم - بوابة خشبية خارج «دار الولائم» تحدد مكان القاعة التي عرضت فيها مسرحية «الملك لير» بحضور الملك جيمس الأول عام 1607 - «بانكويتنغ هاوس» من الداخل - رسم قديم لقصر وايتهول ويبدو فيه واجهة «بانكويتنغ هاوس « (دار الولائم)
غرفة الرقص الرائعة التي جملتها رسومات الفنان روبنز - التمثال النصفي للملك تشارلز الأول في مدخل «دار الولائم» - يحمل الزوار جهازا خشبيا تفاعلياً - «بانكويتنغ هاوس» (دار الولائم) كما يبدو اليوم - بوابة خشبية خارج «دار الولائم» تحدد مكان القاعة التي عرضت فيها مسرحية «الملك لير» بحضور الملك جيمس الأول عام 1607 - «بانكويتنغ هاوس» من الداخل - رسم قديم لقصر وايتهول ويبدو فيه واجهة «بانكويتنغ هاوس « (دار الولائم)
TT

«القصر المفقود».. جانب من تاريخ لندن أخفاه الحريق

غرفة الرقص الرائعة التي جملتها رسومات الفنان روبنز - التمثال النصفي للملك تشارلز الأول في مدخل «دار الولائم» - يحمل الزوار جهازا خشبيا تفاعلياً - «بانكويتنغ هاوس» (دار الولائم) كما يبدو اليوم - بوابة خشبية خارج «دار الولائم» تحدد مكان القاعة التي عرضت فيها مسرحية «الملك لير» بحضور الملك جيمس الأول عام 1607 - «بانكويتنغ هاوس» من الداخل - رسم قديم لقصر وايتهول ويبدو فيه واجهة «بانكويتنغ هاوس « (دار الولائم)
غرفة الرقص الرائعة التي جملتها رسومات الفنان روبنز - التمثال النصفي للملك تشارلز الأول في مدخل «دار الولائم» - يحمل الزوار جهازا خشبيا تفاعلياً - «بانكويتنغ هاوس» (دار الولائم) كما يبدو اليوم - بوابة خشبية خارج «دار الولائم» تحدد مكان القاعة التي عرضت فيها مسرحية «الملك لير» بحضور الملك جيمس الأول عام 1607 - «بانكويتنغ هاوس» من الداخل - رسم قديم لقصر وايتهول ويبدو فيه واجهة «بانكويتنغ هاوس « (دار الولائم)

تعتز بريطانيا بتاريخها الثري، وتحافظ على آثاره مهما صغرت، في كل مدينة فيها هناك مواقع تراثية ترعاها جهات مختلفة إما حكومية أو خيرية، ولعل القصور الملكية هي الجواهر في تاج الآثار البريطانية، معظمها قاوم آثار الزمن وما زال يفتح أبوابه للزوار. ولكن هناك الكثير من المعالم التي لم يكتب لها النجاة من كوارث طبيعية مثل حريق لندن في عام 1669. منطقة الوزارات ومقر رئيس الوزراء 10 داونينغ ستريت الحالي كان لها تاريخ آخر؛ فهي كانت ضمن محيط قصر «وايتهول» الذي كان المقر الرئيسي لملوك بريطانيا في الفترة من 1530 إلى عام 1698 عندما تسبب حريق في القضاء على جميع مباني القصر ما عدا «بانكويتنغ هاوس» (دار الولائم)، التي ما زالت قائمة حتى الآن. قصر «وايتهول» في زمنه كان أكبر قصور أوروبا حيث كان يحتوي على 1500 حجرة، ولكن بعد أن دمر تماما في الحريق بقي اسمه الذي أطلق على الطريق الذي يضم حاليا المباني الحكومية للمملكة المتحدة.
يبقى «بانكويتنغ هاوس» هو الشاهد على تاريخ طويل شهد زواج هنري الثامن من زوجته الثانية آن بولين ثم مر بعصر الثورة الإنجليزية، التي أودت بحكم الملك تشارلز الأول وأدت إلى قيام الجمهورية لفترة قصيرة ومن ثم عودة الملك تشارلز الثاني ليتسلم عرش أبيه.
بعد تاريخ عريق ودموي في أحيان تحول «بانكويتنغ هاوس» ليصبح متحفا، يحمل تمثالا نصفيا للملك تشارلز الأول ويقدم لزواره غرفة الرقص الرائعة التي جملتها رسومات الفنان روبنز.
وهذا الصيف تحول القصر الصغير ليصبح شاهدا ناطقا على وقائع تاريخية وقصص مثيرة حدثت بين جنباته وبالقرب منه أيضا. فعبر برنامج تفاعلي نظمته إدارة هيئة القصور الملكية التي تُعنى بقصور بريطانيا، أصبح من الممكن للسائح أن يتجول في أراضي قصر «وايتهول» محملا بجهاز إلكتروني خاص يبث عبر سماعات أذن إرشادات للزائر، يصاحبه ليقتفي آثار شخصيات عاشت في القصر، ويرشدنا عبر نقاط تجمع وضعت عليها أبواب خشبية وأقواس وأعمدة، كل منها يحدد مكان واقعة حدثت ومبنى طواه النسيان.
نبدأ الرحلة من داخل «بانكويتنغ هاوس» (دار الولائم) حيث تسلمنا موظفة الاستقبال الجهاز الإلكتروني الغريب الشكل، فهو خشبي ذو قاعدة عريضة سوداء، تشرح لنا كيفية استخدامه: «هذا الجهاز سيصاحبكم في الجولة الافتراضية في (القصر المفقود)، كل ما عليكم هو وضع السماعات على الأذنين وتنفيذ ما يقوله الدليل الصوتي، في بعض الأحيان سيطلب منهم أن ترفعوا الجهاز لأعلى أو وضعه على سطح ما أو حتى استخدامه كسلاح». تلحظ دهشة على وجوه الزوار وتستطرد: «لتكون الزيارة ممتعة سنحاول عبر هذا الجهاز أن ندخل فيها عناصر أخرى غير الصوت، فستستطيعون لمس أجزاء مهمة من تاريخ القصر وبالجهاز سيمكنكم الاطلاع على تفاصيل أكثر».
بدهشة وحس بالمغامرة تنطلق المجموعة الصغيرة محملة بالجهاز الخشبي، نبدو كفريق من المستكشفين الذين يبحثون عن الكنوز الدفينة، وهو وصف لا يبتعد عن الحقيقة بالفعل.
الخطوة الأولى من داخل القصر، يصحبنا الدليل الصوتي إلى غرفة خافتة الإضاءة، بها طاولة خشبية عليها مجسم لقصر «وايتهول» القديم، عبر الدليل الصوتي والأضواء التي تسلط على أماكن محددة من المجسم، يبدأ الدليل بتحديد مساحة «القصر المفقود»، يسلط الضوء على المكان الذي نقف فيه، ونجد أن المبنى على ضخامته يبدو وكأنه نقطة في بحر، القصر المفقود كما يروى لنا كان يمتد على مساحة 23 فدانًا، وضم حدائق شاسعة و1500 حجرة، وكان أكبر مقر ملكي خلال عصر التيودور والستيوارت.
يأخذنا الدليل الصوتي لخارج المبني، نتبعه ونقف في المدخل الذي يحمل التمثال النصفي للملك تشارلز الأول، يشير الدليل علينا برفع الجهاز الإلكتروني ووضع القاعدة العريضة منه على جانب من السور الحديدي، بمجرد أن نفعل ذلك تتعالى أصوات من السماعات، نتخيل المشهد أمامنا حسب الأصوات التي تتهادى لآذاننا، هناك جماهير كثيفة تتوافد خارج السور الحديدي، أصوات لأناس يتحدثون، امرأة تحث ابنها على الإسراع، رجال يتبادلون الحديث حول الحدث المهم الذي سيشاهدونه. الجماهير، كما سنعرف، تجتمع لمشاهدة إعدام الملك تشارلز الأول الذي خلعته الثورة التي تزعمها البرلمانيون بقيادة أوليفر كرومويل، وبعد القبض على الملك أقيمت مقصلة في مدخل «بانكويتنغ هاوس» شهدت إعدامه.
من مشهد الإعدام نخرج إلى الشارع لنقف أمام باب خشبي أسود، نلمسه بأجهزتنا لنسمع منه أصواتًا أخرى تخبرنا عن أن هذا المكان يعلو قبو النبيذ الذي بناه الملك هنري الثامن وما زال موجودا حتى الآن، منه نمر عبر بوابة خشبية سوداء، نلمسها ونسمع تفاصيل محادثة مع الكاتب الأشهر ويليام شكسبير وبطلة مسرحية «الملك لير»، نعرف أن قاعة القصر في هذا المكان شهدت العرض الأول لمسرحية شكسبير في عام 1607 وكانت في حضرة الملك جيمس الأول وشكسبير نفسه. الطريف أن الدليل الصوتي يحثنا على التمثيل أيضا، فيتحول الزائر تحت إرشاداته إلى ممثل في المسرحية.
يبدي بعض المشاركين تردده والبعض الآخر يضحك ساخرا من الطلب الغريب، ولكن بما أن الجولة معدة للعائلات والأفراد فمن الطبيعي أن تحاول الوصول للأطفال لتلقنهم جانبا من التاريخ بطريقة طريفة. قد تلقى هذه الطريقة ترحيب أو سخرية الزوار ولكن من المؤكد أنها تحاول جذب الزوار إلى داخل العالم الافتراضي لسكان قصر «وايتهول».
الجولة تأخذنا لموقع وزارة الدفاع الحالية، وإلى المكان الذي اندلعت منه الحريق الذي أتى على القصر في عام 1669، ونسمع القصة عبر ممثلة تتقمص شخصية الخادمة التي تسببت في الحريق، بعد أن تركت ملاءات سرير معلقة إلى جانب مدفأة، وأدى تطاير الشرر من النار لحريق بدأ بالملاءة، وانتهى بالقصر كله.
من الجوانب الطريفة في الجولة مشاهدة الزوار وهم يحاولون تنفيذ تعليمات الدليل الصوتي، فالبعض يتردد في استخدام الجهاز كسيف في مبارزة، ولكن بعد رؤية الآخرين وهم يفعلون ذلك نندمج جميعا في ذلك، ولا يصبح الأمر غريبا ففي العالم الافتراضي الذي نعيش على صوته ومؤثراته الصوتية نسمع صليل السيف ووقع ضرباته.
نمر بـ«مدخل هولبين»، ونقف لنسمع محادثة بين الملك تشارلز الأول السجين الذي ينتظر الإعدام والقسيس، يتحول الجهاز وقتها ليصبح قلب الملك الذي يتحلى بالشجاعة لمواجهة مصيره، الجهاز يخفق بين أيدينا ويخبرنا الدليل أن نمشي في طريق محددة مشى فيها تشارلز الأول حتى وصل للمقصلة، تعلو ضربات القلب التي نسمعها عبر السماعات، ونحس بها عبر الجهاز في أيدينا، وبعد محادثة قصيرة بين الملك والسياف يسود الصمت.
تنتهي الجولة داخل «بانكويتنغ هاوس»، وتحديدا في قاعة الرقص البديعة التصميم، في أرجاء الحجرة وضعت مقاعد «بيني» المحشوة والتي يمكن الاستلقاء عليها، نتمدد على المقاعد لنتأمل السقف المزين برسومات الفنان العالمي روبنز، بينما نستمع لمشهد تمثيلي ينقل لنا حفلاً راقصًا أُقِيم هنا، يقوم زوج من الزوار ليصاحبا الدليل الصوتي بالرقص على أنغام الموسيقى.
يجب القول إن الزيارة التفاعلية رغم غرابتها وسذاجتها في بعض الأحيان، إلا أنها تنجح في جذب الزائر ليصبح زائرًا خفيًا لفصول من التاريخ المثير للندن، حتى وإن كان لا يعرف الكثير عنه، فالحكايات المروية والجولة في منطقة من أجمل مناطق العاصمة والاستمتاع بالقاعة المدهشة في «بانكويتنغ هاوس» تعوض الزائر عن كثير مما ينقصه.
* جولة «القصر المفقود» التفاعلية تستمر حتى 4 سبتمبر (أيلول) المقبل.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».