احتدام المواجهات في نهم وتعز.. وضبط أسلحة روسية حديثة مع الميليشيات

الجيش اليمني يكشف عن معسكرات تجنيد سرية للانقلابيين * «الشرعية» تمهد لتحرير البيضاء بتجهيزات نوعية

مقاتل يمني ضمن قوات الشرعية في جبهة داخلية في تعز (أ.ف.ب)
مقاتل يمني ضمن قوات الشرعية في جبهة داخلية في تعز (أ.ف.ب)
TT

احتدام المواجهات في نهم وتعز.. وضبط أسلحة روسية حديثة مع الميليشيات

مقاتل يمني ضمن قوات الشرعية في جبهة داخلية في تعز (أ.ف.ب)
مقاتل يمني ضمن قوات الشرعية في جبهة داخلية في تعز (أ.ف.ب)

احتدمت المعارك في مديرية نهم، بشمال شرقي العاصمة صنعاء، وسط تقدم كبير لقوات الشرعية، التي سيطرت على مزيد من المواقع وعثرت على أسلحة روسية حديثة الصنع في المواقع التي كان يسيطر عليها الانقلابيون. ويتزامن ذلك مع تجدد الاشتباكات قبل 6 أيام، في إطار العملية العسكرية واسعة النطاق التي أطلقها الجيش الوطني اليمني لتحرير مناطق مديرية نهم، التي تعد الأكبر في صنعاء.
وقال عبد الله الشندقي، المتحدث الرسمي للمقاومة الشعبية في محافظة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن مدفعية الجيش الوطني بدأت في قصف أهداف في ضواحي العاصمة صنعاء، مؤكدا قصف مبنى جهاز الأمن القومي الكائن في «جولة آية»، على طريق منطقة الحتارش، بشمال شرقي العاصمة. وأكد الشندقي أن الخطة العسكرية، التي وضعها الجيش الوطني والمقاومة وتشرف عليها القيادة السياسية ممثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي، تقضي بتطهير مديرية نهم بالكامل، ومن ثم انتظار التوجيهات للتحرك في ضوء ذلك.
وأكد متحدث المقاومة أن الميليشيات الانقلابية في مديرية نهم منيت بخسائر مادية، واعتبرت التعزيزات العسكرية التي تدفع بها الميليشيات، إلى جبهة نهم «دلالة على إفلاسها وعلى خسائرها الميدانية». وكشف الشندقي لـ«الشرق الأوسط» أن قوات الجيش الوطني والمقاومة «عثرت، في المواقع التي سيطرت عليها، على قاعدة صاروخية ومنصة إطلاق صواريخ أسلحة روسية حديثة صنعت عام 2015، ما يدل على أنها أدخلت خلال فترة الهدنة والمشاورات، وعلى أن الأخيرتين لم تستخدمهما الميليشيات رغبة في السلام، وإنما للهروب وإعادة التموضع وإدخال أسلحة إلى البلاد».
وتعد مديرية نهم أكبر مديريات محافظة صنعاء، ويقول البعض إن مساحتها تصل إلى أربعة أضعاف مساحة العاصمة، ويقول الشندقي إن معظم المناطق لا تشهد قتالا، وإن قوات الشرعية سيطرت على نحو 70 في المائة من المواقع الاستراتيجية، لافتا إلى أنه تبقى لدى الميلشيات موقع استراتيجي واحد وهو «نقيل بن غيلان، وهو هدف المرحلة المقبلة من العمليات».
وأشار الشندقي إلى أنه وفي ضوء إعلان رئيس هيئة الأركان اللواء المقدشي أن معركة الحسم بدأت، فإنها قد تشمل محاور الجوف والضالع وغيرها من المحاور.
في السياق ذاته، وصل إلى محافظة مأرب، الفريق الركن على محسن الأحمر، نائب الرئيس اليمني، وقالت مصادر في المحافظة لـ«الشرق الأوسط» إنه باشر بعقد سلسلة من اللقاءات والاجتماعات مع القادة العسكريين بهدف مراجعة الخطط العسكرية واللمسات الأخيرة لعملية الحسم العسكري، التي أعلن عنها قبل بضعة أيام، في وقت صدرت توجيهات إلى كافة الألوية والوحدات العسكرية بالرد على كافة خروقات الانقلابيين، في كافة الجبهات «من دون استثناء».
إلى ذلك، كثفت طائرات التحالف غاراتها على مواقع الميليشيات الحوثية والقوات الموالية للمخلوع صالح في العاصمة صنعاء، كما استهدفت الغارات منازل قيادات انقلابية تابعة للحوثي وصالح حولها قاطنوها إلى مواقع عسكرية ومخازن أسلحة وغرف لإدارة العمليات العسكرية،، إضافة إلى غارات استهدفت تبة التلفزيون والكلية الحربية والمطار وقاعدة الديلمي وعطان ومعسكري النهدين والحفا إلى جانب معسكرات الحرس الجمهوري في الصباحة.
وفي سياق متصل، حصل الجيش اليمني، على معلومات عسكرية سرية، عن تحركات ميليشيا الحوثيين وحليفهم الاستراتيجي الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، في عدد من الجبهات التي يسيطر عليها الانقلابيون، وهذه المعلومات وفقا لمسؤولين عسكريين ستغير من مسار المعارك في الأيام القلية المقبلة بشكل كبير وتدفع الميليشيا للانسحاب وفي مرحلة متقدمة للاستسلام.
ومن أبرز المعلومات العسكرية، التي يتعامل معها الجيش الوطني، بعد أن أفضى بها أسرى من قيادات الحوثيين، تتمثل في وجود معسكرات مخصصة لتدريب المجندين، مجهولة موجودة في مواقع بعيدة ومتوارية عن الأنظار، ويصعب الوصول إليها، وهذه المراكز أنشئت خلال الأشهر الماضية المتوافقة مع خسائر الانقلابيين للكثير من الجبهات وفرار مقاتليهم وأتباعهم في المواجهات المباشرة.
كما حصل الجيش على معلومات عسكرية، تفيد بأن الانقلابيين يجهزون خلال هذه الفترة مجموعة من الألوية يزيد قوامها على 7 آلاف فرد، خضعوا لتدريبات عسكرية غير متكاملة، ويتوقع الزج بهم في فترة وجيزة لسد النقص البشري التي تعاني منه الميليشيا في الجبهات، وذلك بهدف إعادة الثقة لدى أفرادها بعد أن شوهد تراجعهم وبشكل كبير.
وأوقف الجيش الوطني، بحسب المعلومات التي حصل عليها من الأسرى، زحف اللواء الثالث للحرس الجمهوري، أثناء توجهه إلى «باب المندب» وجرى التعامل مع هذه القوة بمساندة المقاومة الشعبية، إذ كان لواء الحرس الجمهوري، وفقا للمعلومات العسكرية، يسعى للتقدم باتجاه المدينة بعد تطهيرها وطرد الميليشيا من المواقع التي كانوا يسيطرون عليها.
وقال اللواء أحمد سيف، قائد المنطقة العسكرية الرابعة لـ«الشرق الأوسط» إن المعلومات السرية التي حصل الجيش عليها وجار التعامل معها، كان يصعب الحصول عليها خلال الفترة الحالية التي تشتد فيها المعارك في مواقع مختلفة من البلاد، وهي معلومات سيتعمد الجيش عليها بعد أن ثبت صحتها وأهميتها في تغيير موازين القتال في المرحلة المقبلة.
وأضاف اللواء سيف أن هذه المعلومات أقر بها عدد من الأسرى، بعد التحقيق معهم من قبل وحدة متخصصة في الجيش بإجراءات التحقيق، وهذه الوحدة تركز في استجواباتها على معرفة الجهة العسكرية التي يتبع لها الأسير، ومن أين كانت انطلاقته في المواجهات المباشرة مع الجيش الوطني، ومعرفة المهمة التي أوكلت إليه، ومن ثم تحلل هذه المعلومات حسب رتبة الأسير العسكرية، ويتعامل معها الجيش بشكل دقيق.
كشفت مصادر عسكرية رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» عن تجهيز نوعي بآليات عسكرية حديثة ومتطورة إلى محافظتي مأرب وعدن؛ للمشاركة في تحرير محافظة البيضاء، مشيرة إلى أن قرار التحرير تم اتخاذه، وسينطلق عبر أكثر من محور خلال الأيام المقبلة.
وذكرت المصادر أن العملية جرى الإعداد لها مبكرا، بتدريب أكثر من ألفي جندي بإشراف مباشر من قوات التحالف العربي، ومن خلال غطاء جوي لطيران التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن.
سبق ذلك، الانتشار الواسع لقوات الحزام الأمني بما يربو على ألف جندي ومائة عربة عسكرية تشهدها مديريات يافع منذ أسبوع لحفظ الأمن والاستقرار بالمنطقة، وتعقب الجيوب الإرهابية وتأمين حدود يافع المحاذية لمحافظة البيضاء، وتقول المصادر إنها مهمة ثانوية، أما المهمة الرئيسية من انتشارها أيضًا فتتمثل في تأمين خطوط مرور القوات العسكرية القادمة لمعركة البيضاء عبر مأرب، وأخرى داعمة لها ستتقدم عبر عدن فلحج فالبيضاء.
وتأتي تلك التحركات الميدانية بعد أقل من يومين من وصول نائب الرئيس اليمني اللواء علي محسن الأحمر إلى محافظة مأرب لتولي قيادة المعركة ميدانيًا، وهي معركة ستتولى في وقت واحد اقتحام العاصمة اليمنية صنعاء، وتحرير محافظة البيضاء الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثيين، وقوات المخلوع صالح منذ أكثر من عام.
وفي تعز، احتدمت المواجهات العنيفة، أمس، بين قوات الشرعية (الجيش الوطني والمقاومة الشعبية)، من جهة، وميليشيات الحوثي والموالين لهم من قوات المخلوع صالح في جبهات القتال المختلفة في محافظة تعز.
وتركزت المواجهات التي وصفت بأنها الأعنف جبهات ثعبات والجحملية، الجبهة الشرقية، لليوم الثالث على التوالي، حيث حققت فيها قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية تقدما كبير واستعادوا عددا من المواقع والمباني التي كانت خاضعة لسيطرة الميليشيات الانقلابية بعد انسحاب الميليشيات من بينها جامع عقبة ومبنى هراش ويقتربون من السيطرة على مدرسة عقبة والدخول على حي قريش بعد سقوط قتلى وجرحى من الميليشيات ومن بينهم مقتل أحد قناصي الميليشيات الذي حاول التسلل إلى أحد المباني في منطقة الكمب، في حين لا تزال المواجهات مستمرة، علاوة على احتدام المواجهات في جبهة الصلو، جنوب تعز.
ورافق المواجهات القصف العنيف من قبل ميليشيات الحوثي والمخلوع صالح، من مواقع تمركزها من تبة سوفياتل بمختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة على مواقع المقاومة الشعبية والجيش الوطني في الجبهة الشرقية لإعاقة تقدم قوات المقاومة الشعبية والجيش الوطني وتطهير الجبهة بشكل كامل من الميليشيات، علاوة على قرى ومواقع الشرعية في مديرية الصلو، وعدد من المواقع والأحياء السكنية في مدينة تعز وقرى وأرياف المحافظة، وسقط على إثرها قتلى وجرحى من المدنيين العُزل. كما قصفت الميليشيات وبشكل عنيف قلعة القاهرة التاريخية والأحياء المجاورة من مواقع تمركزها في تبة سوفتيل، شرق المدينة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.