كتاب لبنانيون: نفضل قراءة الشعر والرواية في الصيف

فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب
فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب
TT

كتاب لبنانيون: نفضل قراءة الشعر والرواية في الصيف

فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب
فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب

الكاتب التلفزيوني والمسرحي فارس يواكيم قراءاته ثرية، وفي الصيف ينصرف إلى الأدب ويقول عن خياراته لهذا الصيف: الرواية الأولى «بوركيني» للبنانية مايا الحاج (منشورات «ضفاف» ومنشورات «الاختلاف») وهي ذات تقنية عالية في الكتابة. تدور الأحداث في فترة زمنية قصيرة: ثلاثة أيام. وفي ثلاثة أماكن رئيسية: المرسم، المقهى، معرض اللوحات. والشخصيات الرئيسية ثلاثة: هي، حبيبها، والمرأة الأخرى، التي كانت من قبل حبيبته. والحدث واحد دارت حوله المتفرعات كالتفاف أغصان الشجرة على جذع واحد. هذه الكثافة في الزمن والشخصيات والأماكن هي أحد مواضع الجمال في الرواية. لكنها تجعل مهمة الكاتبة صعبة في التأليف والسرد. بيد أن مايا الحاج نجحت في تجاوز هذه العقبة من طريق خلق التوتر لدى الشخصية الرئيسية، الرسامة، الفنانة التشكيلية المحجبة. هذا التوتر ناجم عن تساؤل محير حول إمكانية وجود التناقض بين الحجاب والمهنة التي تمارسها، وهي الرسم. وحول إمكانية الإبقاء عليه أو خلعه. وهل هو اختيار يُرضي أم عبء يثقل الكاهل والنفس.
وإذا كانت البطلة نفسها لم تتمكن من تحديد هويتها، فكيف يمكن للآخر أن ينجح في ذلك؟ اللقاء في المقهى بالمرأة الأخرى فجّر مسرى الرواية. تداعيات مختلفة يتداخل فيها الماضي بالحاضر وبتصورات المستقبل. وكلما زادت هذه التفاصيل من كشف شخصية الرسامة وجعلتنا نعتقد أننا نلّم بجوانبها أكثر فأكثر، وجدنا أنفسنا وقد تهنا في تعقيدات هذه الشخصية الحائرة المحيّرة، وهي تتقمص فكر الرجل الذي تحبه: «نظراته توجّه إلي اتهاما فاضحا. أظنه اكتشف فصاميتي فجأة. ولم يعد يفهمني أي امرأة أنا؟ المحجبة الغامضة أم الفنانة المتحررة؟ من حقه أن يعرف أي امرأة أحبها وارتبط بها! لا ينبغي أن ألومه على هذا الضياع. فأنا نفسي ضائعة في دوامة ذاتي التي غدت أكثر تعقيدا من خيوط عنكبوت».
الرواية ممتعة، ولغتها أنيقة وخالية من التعقيد. وكلما تابعنا ما تكشف من هذه الشخصية اقتنعنا بالمنطق الذي تطرحه. ثم اقتنعنا بالمنطق النقيض الذي يخطر في بالها. ويستمر التوتر، بين أن تواصل علاقتها بالحبيب أو أن تقطعها، حتى نهاية الرواية التي تركتها مايا الحاج مفتوحة.
«رسائل إلى مولانا» هو عنوان الديوان الثاني للشاعرة اللبنانية سناء البنا (دار «نلسن») حققت فيه قفزة نوعية قياسا بديوانها الأول «آدم وتاء الغواية» من حيث تماسك القصائد والتوغل في معانيها بعيدا من مجرد التعابير عن أحاسيس ذاتية، لتغدو القصائد في ديوانها الجديد سلسلة متصلة الحلقات، متحدة في المعنى، وتنوعها اللغوي هو لخدمة الموضوع. هي قصائد غزلية، لكنها مغمسة بالأجواء الصوفية، محاكاة لـ«مولانا» الأصلي، ألا وهو جلال الدين الرومي، الشهير الذي كان من أهم شعراء الحب الإلهي في التصوف. والحب عنده هو دواء كبريائنا وفتنتنا بأنفسنا، وطبيب ضعفنا، ومخلصنا من أنانيتنا.
«على بعد غيمة» أيضًا هو ديوان شعر. وقراءة دواوين الأشعار والروايات هي قراءاتي الصيفية المفضلة، حيث التلقي فيها لا يحتاج إلى مراجعة المراجع والتثبت من صحة الرأي المطروح. تجاه الشعر، تقبله أو لا تقبله. تكمل الديوان أو تلقي به جانبا. و«على بعد غيمة» هو للشاعرة المصرية سمية العسقلاني (دار «شرقيات»). بعد دواوين «البوح بالمكنون»، «وجه في دفتر الأبدية»، «خارطة اللون.. قبعة السماء».
في الديوان شذرات قصيرة متوزعة على الصفحات. تضيء على قصائد. وهي والقصائد القصيرة أجمل ما في الديوان. تقول سمية العسقلاني في شذرة: «الحياة نهر وأيامنا زورق من ورق.. نحرص دائما، ألاّ يبتل». وتقرأ الامتداد في قصيدة بعنوان «حرية»: «على هيئة الطير يتشكل قلبي/ في كل صباح أربطه في خيط/ أسمح له بأن يلامس الهواء/ دون أن يطير». إنها حرية الطيران، لكن في قفص. وهذا يتطابق مع الشذرة التي افتتحت الديوان: «كل شيء حولي ناقص/ حتى أنا/ لي ساق واحدة/ قالت لي الشجرة».
هذه المرأة تبوح وتكابر في آن معا. في أقصر القصائد وهي بعنوان «أرق» نقرأ: «أنا لا أتأرق/ فقط/ أحرس وسادتي من عتمة الليل». لكنها ترجو أن تنتصر على ضعفها في قصيدة «الحقيقة» إذ تقول: «لن أخبرك متى ألجأ للألوان الصريحة/ ولا كيف أحتمل الموسيقى/ سأخبرك عن رغبتي في اقتناء قطة/ لأتبادل معها ارتداء المخالب».
وعلى عكس الغالبية الكبرى من الشعراء الشباب، اختارت المحامية الجزائرية الشابة سمية محنش أن تكتب الشعر العمودي الكلاسيكي. وفي أول إطلالة لها نشرت قصائدها في ديوان «مسقط قلبي» (منشورات «ضفاف» و«الاختلاف»). ومن أول قصيدة في الديوان «كامل الحسن» تؤكد شبابها رغم انتمائها شكلا إلى شعر يخص جيلا سابقا.
قصيدة عمودية أم قصيدة تفعيلة أم قصيدة نثر، ما همّ. المهم ما تقوله، ولها أن ترتدي الثوب الذي تهواه شرط أن يتناسب مع المعنى. وفي شعر سمية محنش غنائية، تجعل قصائدها مرشّحة للتلحين.
وقصيدة «لوردة مخضلة» المهداة إلى روح وردة الجزائرية تشي بحب سمية محنش للغناء وبهيامها بابنة بلدها. «هذا المساء كخنجر من سلّهْ/ صوب الضلوع بساعة مختلّه؟/ لكأنه يهذي.. ويهذي أنه/ ذبح الوريد لوردة مخضلة/ كذب هراؤك.. فاختبر غيري بأنباء الوفاة ومدّه بأدلّه/ فالشمس شمس/ من سيطفئها وإن/ عجت سماؤك أنجما/ وأهلّه/ هذي المليكة سرمدى عودها/ عطر لشعب، راية للدولَه».

عماد موسى: كل صيف حملة

يقول الكاتب الصحافي الساخر عماد موسى: كل صيف أشن حملة على نتاج كاتب أو أكثر. الصيف الماضي قرأت ما تيسر من مؤلفات «راهب الرواية» ربيع جابر وتمتعت بثلاثية «بيروت مدينة العالم» التي تروي سيرة عبد الجواد أحمد البارودي، الرجل المقطوع الذراع، الهارب من سوريا إلى بيروت في عشرينات القرن التاسع عشر. سيرة متخيلة لرجل وسيرة تكوّن حارة وأحياء ووسط مدينة.
وللعشاق الرومانسيين أختار وأنصح بقراءة Le Musée de l›innocence «متحف البراءة». قرأته بالفرنسية، أهديته بالإنجليزية وأعتقد أنه متوافر بلغتنا. قصة حب مجبولة بالانتظار الطويل. قصة رجل أصيب بهوس اقتناء أشياء حبيبته البسيطة. قصة تتوج بمأساة وبولادة متحف موجود اليوم في إسطنبول. كدت أنسى ذكر اسم المؤلّف أورهان باموق.
وهذا الصيف عدت إلى صاحب «الخبز العافي» محمد شكري. عدت متأخرا لأقرأ كتاب «وجوه». وهو جزء من سيرة كاتب ملعون مُصاب بلوثة طنجة وطقوسها وحاناتها وفتيات ليلها.
وهذه الليلة بالذات أنتهي من قراءة رواية «معارضة الغريب» للجزائري كمال داود. رواية مثيرة بغرابتها عن قتيل غامض يروي أخوه سيناريوهات متعددة لموته واختفاء الجثة والقاتل وكيفية انتقامه من مواطن فرنسي بعد تعذّر الوصول إلى القاتل. كامو كتب «الغريب» داود عارَضَهُ. لن أطيل أكثر لأنني لم أصل بعدُ إلى النهاية.

بسمة الخطيب و«الدفتر الكبير»

اختارت الروائية اللبنانية بسمة الخطيب «أرق الروح وزمن المتاهة» ليمنى العيد، وهو السيرة الذاتية للناقدة يمنى العيد وشهادة على العصر بأسلوب روائي سلس وجذاب ولغة غنية. السيرة هذه مرآة لحياة العيد وأيضًا زمنها وأهله، وللأديبة التي تسكنها وتحظى للمرة الأولى بفرصة الإعلان عن نفسها خارج ميدانها الأبرز الذي هو النقد. كتاب آخر هو «الدفتر الكبير» لأغوتا كريستوف. متأخرة جدًا ظهرت ترجمة رواية كريستوف الأولى، ولكن هذا خير من ألا تأتي أبدًا. رواية مرعبة بالمعنى الحرفي، ففظاعات الحرب العالمية الثانية لم تُصوّر بمثل هذه الكثافة والبساطة سابقًا أو ربما لاحقًا. الطريف أن كريستوف أرسلت مسودة روايتها لدار «غاليمار»، فرفضت، لكن دار «سوي» كان لها فضل إطلاق مارد روائي جميل وعظيم اسمه أغوتا كريستوف.
وتنصح الروائية بسمة الخطيب بقراءة «أجمل نظرية» لعالم الفيزياء كارلو روفيللي ترجمة الفنان التشكيلي عادل السيوي. شعر السيوي منذ قرأ الكتاب بالإيطالية أنه على القارئ العربي أن يقرأ هذه الدرة الفكرية، لذا سارع إلى ترجمته، سؤال الزمن والمكان أعطانا نظريات عدة تهنا في متاهاتها منذ الفلكيين الأوائل إلى آينشتاين وهوكينغ، وفي هذا الكتاب نقبض بأيدينا على أجمل نظرية.
وتقول الروائية الخطيب: «ارقد محتضرة» لفوكنر: رواية أسرة، أنصح بها محبي الأدب والراغبين بقراءة كتاب يهزّ مشاعرهم، اخترتها لأن «الصخب والعنف» هي أشهر أعمال فوكنر عربيًا تحديدًا، ولكن هذه الرواية لا تقل عنها قيمةً.

رزان نعيم المغربي
و«مصائر» ربعي المدهون

الروائية الليبية رزان نعيم المغربي تقول: حينما تكون المكتبة بعيدة المنال، تصبح القراءة الإلكترونية الأكثر مشقة والأقل متعة. خلال عام ونصف العام كان معظم ما اطلعت عليه، كتبا أرسلها الأصدقاء من خلال النسخ المصورة، وبعض يسير من الكتب الورقية، استمتعت بقراءتها، فهل أثر ذلك على مزاجي؟ لا أعلم. ولكن أختصر القول إن كثيرًا من الإصدارات وصلت إلي ولن يتسع المجال لاستعراضها، مثل رواية «ذئبة الحب» و«الكتب» للروائي محسن الرملي، و«الذين مسهم السحر» للروائية روزا ياسين حسن، بالإضافة إلى رواية «شوق الدراويش» للروائي الشاب حمور زيادة، وكلها أعمال أرشحها للقارئ مع ما استعرض هنا من روايات بإيجاز شديد: «فئران أمي حصة»، للروائي سعود السنعوسي، ذات بيئة كويتية محلية، إلا أنها تحمل تحذيرا شديدا ينسحب على بلداننا التي تشهد صراعات دموية. والرواية لا تخلو من العنف والقسوة رغم ما نلمسه من معان إنسانية وقصص تحدث أثناء الحروب، تناول فيها الماضي واستشرف المستقبل بسوداوية، وخوف مما يمكن أن ينتظر الكويت فيما لو لم ينتبهوا إلى بذرة طائفية مقيتة أخذت تظهر على السطح.
رواية «توليب مانيا» لليبية وفاء البوعيسي المقيمة في هولندا. هي النص الأول في غربتها وسبقها ثلاثة أعمال روائية. في هذا العمل تسرد تجربتها مع الإسلاميين في ليبيا والنظام الليبي دون حذر من ذكر أسماء أشخاص عملوا مع النظام، ذلك بالتوازي مع حكاية عشرة أشخاص تجاورت معهم في مركز اللجوء، وتشابكت العلاقات الإنسانية بينهم مما جعل علة السرد سلسة لتحكي قصة كل واحد منهم منذ خروجه وحتى وصوله إلى هولندا.
«صراخ في الطابق السفلي» للروائية الليبية فاطمة الحاجي، وقد صدرت في بيروت عن «دار النهضة» تستعرض أحداثا حقيقية جرت أيام النظام السابق. وهي شنق طلاب الجامعة على مدرجاتها وأمام زملائهم. وتدور الأحداث حول هذه الواقعة من خلال قصة حب تجمع بين طالبة (الساردة)، وأحد الطلاب المنضمين إلى اللجان الثورية مما يجعل الصراع على أشده بين القلب والعقل الرافض لهذه الجريمة. اقترح أيضًا «سماء قريبة من بيتنا» للروائية شهلا العجيلي، حيث مسرح الأحداث مدينة الرقة السورية التي أصبحت إمارة لتنظيم الدولة، وهي تشبِّهه بسرطان هاجم المدينة من خلال تجربة البطلة بأسلوب سردي رشيق، تتوالى الحكايات لتشكل عملا سرديا متجاوزة الصراع على مفهوم الثورة أو الأزمة. كذلك «مصائر» لربعي المدهون الحائزة على جائزة البوكر العربية. هي رواية الأمكنة في فلسطين، تتداخل فيها النصوص السردية وتتقاطع حول أحداث المغتربين الذين عادوا لزيارة قصيرة ولسبب معين. السارد يتجول في مدن فلسطينية وكأنه سائح يتعرف عليها وتبدو هذه الجولة مقصودة. القصة التي لفتت انتباهي هي حول صراع الفلسطيني بين المهجر وفي بلده، بسبب قمع الاحتلال الذي لا خلاص منه إلا بهروب جديد إلى المهجر.



«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات
TT

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«آيرلندا موجودة لكن الكاتب لا يتحمل وزر إن زارها أحدهم ولم يجدها»، بهذه العبارة يقدم الكاتب الألماني الشهير هاينريش بول (1917 - 1985) لكتابه المعنون «يوميات آيرلندية» لأنه يعرف عن يقين أن الآخرين لن يشاهدوا آيرلندا بعينيه، التي وثق رحلته إليها بمزيج نادر من الحس الإنساني مع الملحوظات العفوية المشحونة بالسخرية اللاذعة.

الكتاب صدرت ترجمة جديدة له أنجزها ماجد الخطيب عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، وتبلغ أهمية الكتاب أنه أدار في ستينات القرن الماضي دفة مئات الآلاف من السياح الألمان نحو آيرلندا؛ مواطنين يودون مشاهدة آيرلندا بعيني الكاتب بعد أن قرأوا القصص الغريبة والطريفة والانطباعات الذكية التي أوردها بول في نصوصه، حتى أن الكاتب الآيرلندي البارز هوغو هاملتون يعترف بأنه تحول إلى سائح في بلده ينظر إلى البشر والحواضر بشكل آخر بعد أن قرأ هذا العمل الأيقوني ضمن سياق أدب الرحلات.

يضم الكتاب انطباعات ومشاهدات وسرداً قصصياً من الحياة اليومية للآيرلنديين آنذاك عبر الغور العميق في الروح الإنسانية، الذي عُرف به الكاتب المنحدر من مدينة كولونيا، مؤكداً أن الآيرلنديين كانوا شعباً يحاول الاستفاقة من كابوس التاريخ في أوروبا، أو مجرد بقعة منسية من أوروبا على المحيط الأطلسي لا تزال تغط في سباتها رغم أن غبار الحرب العالمية الثانية لم يبلغها، كما لاحظ جيمس جويس.

يرى بعض النقاد الألمان أن بول كان يبحث في آيرلندا عن هويته التي طمستها إلى حد ما سنوات الحكم النازي والحرب العالمية، فراح يبحث في هذه البقعة من الأرض عن السلام والاطمئنان الذي فقده في ألمانيا بسبب التهم السياسية والأمنية التي كانت تلاحقه. أراد أن يعثر على ما يفتقده في شخصيته من مرح وسخرية وعفوية، فالألماني نقيض الآيرلندي في العديد من النواحي، حيث إنه منضبط ودقيق وجاد ومبرمج، على عكس فوضوية وسخرية وعفوية الآيرلندي.

يقول الآيرلندي: «حينما خُلق الزمن... خلق منه الكثير»، لذلك لم يكن للزمن قيمة عنده في تلك السنوات في حين يسابق الألماني الوقت لإعادة بناء ما خلفته الحرب، حتى أنه عندما يتأخر عرض الفيلم ساعتين في السينما لا يتذمر أحد، وربما لن تجد ساعة حائط حتى في محطة قطارات دبلن الرئيسية في ذلك التوقيت.

يقدم بول لوحة غنية بالتفاصيل عن حياة الآيرلنديين التي لا تحسب حساباً للوقت ويصف تعلقهم بشرب الشاي ليلاً ونهاراً وتدينهم المفرط وإدمانهم الكحول والمراهنات في سباق الخيول. اللافت أن الآيرلنديين في الخمسينات قاموا بتحويل دور السينما إلى مجتمع صغير تتطاير فيه أغطية الشمبانيا في حين يسرد أحدهم وهو جالس في الصف الثالث من قاعة العرض نكتة إلى آخر يجلس في الصف العاشر. لم يكتف بول بوصف «قمرة النوتي» في أماكن اللهو والشراب، بل دخلها وعاش تجربة احتساء الكحوليات في كبائن صغيرة لا تزيد مساحتها على متر مربع يجلس فيها الزبون منفرداً، ويظل يحتسي الشراب ولا يخرج منها إلا إذا انتهت نقوده أو سقط مغشياً عليه وتم نقله بعربة الإسعاف.

يلاحظ الكاتب أن كثيراً من الآيرلنديين يعزون مصائبهم وفقرهم إلى الأقدار التي لا يمكن مقاومتها، وهي ظاهرة سلبية تنطوي على مفارقة لافتة، فهم لا يفعلون شيئاً لتغيير ذلك، بل يفقد الواحد ساقه في حادث أو ينهار بيته في حريق أو يغرق المركب الذي يهاجر فيه إلى الولايات المتحدة لكنه يكتفي بترديد مقولة «أنه كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ».

المطر العاصف ظاهرة يومية في حياة الآيرلنديين، بفضله تحوّل البلد إلى بقعة خضراء من الأرض ينمو عليها العشب والأشجار والمحاصيل الزراعية، لكن الشمس نادرة للغاية حتى أن البعض يؤرخون للوقائع الشهيرة في حياتهم باليوم المشمس الفلاني أو الصباح المشرق في سنة كذا. ومن أمثلة ذلك أن يحكي شرطي المرور للمؤلف عن ابنته التي وُلدت في يوم مشمس قبل اليوم الذي قتلت فيها امرأة مجنونة أحد رجال الدين الذين تحبهم بدعوى إرساله إلى الجنة.

ولد هاينريش بول عام 1917 في مدينة كولونيا لعائلة ذات جذور إنجليزية، وطبعت مرارة العيش بصماتها على طفولته، فعانى ويلات الجوع بعد الحرب العالمية الأولى، ثم زجّت به الأقدار جندياً في أتون الحرب العالمية الثانية، لتشكل التجارب القاسية في جبهات القتال جوهر رؤيته الأدبية ومواقفه السياسية الرافضة للظلم. ويعد بول مهندس «إعادة الاعتبار» للأدب الألماني بعد عام 1945؛ إذ نجح في كسر العزلة الثقافية لبلاده ومنح أدبها اعترافاً دولياً، وبحسب كاتب سيرته «هاينريش فومفيغ»، لم يحظَ أديب ألماني في العصر الحديث بمثل ذلك التأثير العميق والحب العالمي الذي ناله بول.

وكان قطباً بارزاً في «مجموعة 47»؛ تلك النخبة الأدبية التي سعت لبناء وعي ألماني جديد فوق ركام الهزيمة، وبصفتهم رواداً لهذا التحول، حاول هو ورفاقه - مثل غونتر غراس - تطهير اللغة من الآيديولوجيا النازية، معالجين قضايا الذنب، والعدمية، والمسؤولية التاريخية، مستلهمين ذلك من الفلسفة الوجودية.

أثمرت موهبته الاستثنائية سلسلة من الروائع الخالدة التي تُرجمت للعربية، وحُوّلت لأعمال سينمائية ومسرحية، منها «وصل القطار في موعده»، و«لم ينطق بكلمة واحدة»، و«بلياردو في التاسعة والنصف». وتوجت هذه المسيرة الإبداعية بحصوله على جائزة نوبل للآداب، ليبقى رمزاً للجندي الذي تمرد بقلمه على بشاعة الحرب.


شخصية المثقف في واقع مضطرب

غلاف مذكرات خاتون كرخية
غلاف مذكرات خاتون كرخية
TT

شخصية المثقف في واقع مضطرب

غلاف مذكرات خاتون كرخية
غلاف مذكرات خاتون كرخية

تقدّم رواية «مذكرات خاتون كرخية» للروائي خضير فليح الزيدي تصويراً مركّباً ومعمّقاً لشخصية المثقف في سياق اجتماعي وسياسي مضطرب، وذلك من خلال عدسة مقهى شعبي يتحوّل إلى مرآة لأزمات المثقف العربي عامة، والعراقي على وجه الخصوص، إذ تعكس الرواية صورة المثقف، ليس كشخصية نخبوية منعزلة، بل ككائن منغمس في هموم اليومي، ويعاني من التناقضات بين المثال والواقع، بين الحلم بالفاعلية والوقوع في شراك الهامشية والوضع الاقتصادي المزري.

من خلال تحليل الرواية، نستكشف تشريحاً وجوديّاً واجتماعيّاً لصورة المثقف بوصفه شاهداً، وضحية، وحاملاً للذاكرة، إذ يظهر «جميل القربان» ككاتب شكاوى وناقل للحكايات، وهو نموذج للمثقف العضوي الذي يعيش بين الناس ويكتب همومهم. مهنته في كتابة الشكاوى سمحت له بأن «مرّت من خلف نظارته كل مشكلات الكون»، ممَّا يجعله أرشيفاً حيّاً للألم اليومي. هذا الدور يشبه دور المؤرخ الشعبي الذي يسجل ما يتجاهله التاريخ الرسمي، فضلاً عن أن اهتمامه بحكاية سعاد خاتون الكرخية التي اغتصبها أحد أقاربها، يضعه في موقع حامل الذاكرة الجريحة، ممَّا يعكس مسؤولية المثقف في حفظ قصص المظلومين والمهمّشين وإعادة الاعتبار لهم.

أمَّا شخصية الكاتب الراحل حسب الحاج (والد الراوي) فتقدّم كنموذج للمثقف الذي وقع في فخّ النجاح المبكر، وعانى من عقدة الإبداع والإخفاق، ولم يستطع تجاوزه. قصته (منشور سري) التي نشرها على جدران المدينة، أصبحت بمثابة العقدة التي منعته من الإنتاج الأدبي اللاحق، هذه العقدة ترمز إلى أزمة المثقف العربي الذي يقع تحت وطأة النجاح الأول أو الصورة النمطية، فيفشل في تطوير ذاته أو تجاوز ذاك الإنجاز. كما أن موته من دون تحقيق حلمه الأدبي يكشف عن الفجوة بين الطموح الرومانسي والإمكانات الواقعية، وهي فجوة يعيشها العديد من المثقفين في عالم تخلّى عن دعمه للثقافة بشكل عام.

ويبدو أن الراوي ومن خلفه (خضير فليح الزيدي) أراد من خلال علاقة المثقفين في المقهى بنظام الديون (جدولة الديون) أن يقدّم نقداً لاذعاً لوضعية المثقف الاقتصادية الهشّة، فـ«جميل القربان» نفسه مدين للحاج حمادة، وهذا الدين يحدُّ من حريته ويجعله رهينة لانتظار عمل كتابي يسدّد به دينه. هذه الحالة تظهر التبعية المادية التي تقوض استقلالية المثقف وتجعله خادماً لمن يملك المال. حتى المثقف المغترب القادم حديثاً من النرويج، الذي قدّم مفهوم «الجدولة» يظهر كمحاولة لإبراز الذات الثقافية من دون فهم عميق للواقع المحلي، الأمر الذي يعكس أزمة المثقف المنفصل عن سياقه.

ومن تجليات صور المثقف في الرواية نجد صورة المثقف الهامشي والمهمّش الذي يعيش صراعاً بين الحفاظ على ما تبقى من كرامته أو التخلي عن ثوابته الأخلاقية، فالشخصيات المثقفة في المقهى مثل: ياسر الطويل، والمطرب العاطل، تعيش على هامش المجتمع، فياسر الطويل، الذي «يقرأ المقامات الأكثر صعوبة بنشاز واضح»، يرمز إلى المثقف أو الفنان الذي فقد مكانته في زمن التحولات الثقافية والسياسية، إذ لم يعد «سوق له بعد اليوم ولا مقبوليّة، حتّى إن ركب الموجة العارمة، فصورته الماثلة لا تنسجم مع روح العصر». هذه الهامشية تجعل المثقف يلجأ إلى التكيف السلبي أو الخنوع، كما يظهر في توقيع الشهود على الكمبيالة بدافع الخوف أو المصلحة. المقهى هنا يصبح ملجأ للمثقفين المنكسرين الذين فقدوا صوتهم في الفضاء العام. كما يسلط النص – بحرفيّة عالية - الضوء على التوتر بين دور المثقف كناقد وواجبه كفرد يحاول البقاء. «سمّوعي اللئيم» (إسماعيل عبد الحق) الذي كان يعمل في النظام السابق «رجل أمن كان مخلصاً في عمله، بدراجة هوائيّة يراقب حتّى النمل والصراصير في المقاهي والسينمات، لكنّه الآن لم يُعد من أزلام النظام المنهار»، ويحاول الآن التكيف مع النظام الجديد، يمثل نموذجاً للمثقف الذي يضحي بمبادئه من أجل الأمان. توقيعه كشاهد على الكمبيالة مقابل تخفيف ديونه يظهر كيف يمكن أن يتحوّل المثقف (أو من يحمل وعياً) إلى أداة في يد السلطة المتمثلة بصاحب المقهى عندما تكون مصلحته الشخصية على المحك.

إنّ الوصايا المعلقة على جدران المقهى، التي تشكل «مخطوطة كتاب الحياة»، تمثل حكمة جماعية راكمها «الرحالون» من المثقفين والعارفين بالحياة. هذه الوصايا مثل: «كن حذراً في التكيّف مع الحياة» و«إيّاك أن تنغمس في حبّ الحياة»، تعكس وعياً وجوديّاً متشائماً، وتُظهر المثقف بوصفه حاملاً لوعي تاريخي متشظٍّ شكّلته تجارب مريرة في تاريخ العراق المضطرب، فالمثقف – في هذا السياق - هو ناقل لهذا الوعي التراجيدي، الذي يخلق خطاباً موازياً للخطاب الرسمي المتفائل، ممَّا يجعله حارساً للذاكرة النقدية، وضحية لتاريخ دموي، وشاهداً منهكاً يحمل عبء الحكايات والديون والذاكرة، لكنّه يظل حاملاً لمشعل الحكاية، حتى إن كان ضوءه خافتاً، فقد أصبح المقهى بوصفه فضاءً مغلقاً وزمناً متجمّداً سجناً وجوديّاً للمثقف، لكنَّه أيضاً منبره الوحيد من خلال شخصيات مثل: «جميل»، و«حسب الحاج»، و«ياسر الطويل». وأصبح السرد نفسه محاولة أخيرة للخلاص، أو على الأقل للمقاومة عبر الكلمة، في عالم حيث «الحياة ليست سوى جدولة الماضي وحساباته المبررة».


تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ
TT

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

بعد نصف قرنٍ على ولادة «أبل» في مرآبٍ صغيرٍ بوادي السيليكون، يبدو الاحتفاء بها أقرب إلى تأملٍ في سيرة عصرٍ كاملٍ تشكّل على وقع الشاشة، واللمس، والصورة، والسرعة، والرغبة الدائمة في امتلاك الأحدث. الحكاية التي بدأت تجربة تقنية محدودة، اتسعت لتغدو إحدى أكثر العلامات حضوراً في الوعي اليومي للإنسان المعاصر. عبر خمسة عقود تحولت «أبل» من مشروعٍ صغيرٍ إلى كيانٍ ينسج صلته بتفاصيل حياة مئات الملايين من البشر: في العمل، والتواصل، والذاكرة، والذائقة، وتمثيل الذات أمام الآخرين. تبدو هذه الرحلة أبعد من قصة صعودٍ مالي، وأعمق من سجل ابتكاراتٍ ناجحة؛ إنها درسٌ في قدرة التكنولوجيا على التحول إلى ثقافة، وقدرة المنتج على اكتساب معنى رمزيّ يتجاوز وظيفته المباشرة. لذلك يمنح اليوبيل الذهبي لـ«أبل» مناسبةً لتفكيك الشيفرة التي جعلت «التفاحة المقضومة» علامةً على الحداثة، والتميز، والانتماء إلى زمنٍ يرى العالم فيه نفسه من خلال شاشات مضيئة.

قبل أن تبلغ «أبل» منزلة الأيقونة الثقافية المعولمة، وجب عليها استيعاب درسٍ تأسيسيٍ: الجودة ثقافة قبل أن تكون تقنية. درس تمتد جذوره إلى اليابان الخارجة من الحرب العالمية الثانية، حين أرسل الجنرال دوغلاس ماك آرثر الفيزيائي هومر ساراسون للمساهمة في إعادة بناء قطاع الاتصالات الياباني، حيث وجد أن جوهر الأزمة يتصل بالعقلية المؤسسية: خوفٌ من مساءلة السلطة، وترددٌ في اتخاذ القرار، وانعدام المبادرة. كان الخلل في تصور العمل ذاته: العلاقة بين العامل والنظام، والفرد والمسؤولية، والمنتج ومعناه الأخلاقي.

علّم ساراسون اليابانيين أن الجودة تبدأ من طريقة التفكير، والثقافة التي تحيط بالإنتاج، والقدرة على تحويل كل تفصيلٍ صغيرٍ إلى جزءٍ من منظومةٍ واعية. غادر اليابان عام 1950، وبقيت أفكاره طازجة في فضاء الصناعة اليابانية حتى صارت فلسفةً شاملةً تحكم أداء كبرى الشركات. وبحلول أواخر السبعينات، كانت المنتجات اليابانية قد رسخت سمعةً عالميةً في الدقة والإتقان. أما «أبل»، التي تأسست عام 1976، فاحتاجت زمناً أطول كي تجعل هذا الدرس جزءاً من بنيتها الداخلية.

عندما أسس ستيف جوبز شركة «نيكست» بعد خروجه من «أبل»، تصوّر أن جمع العقول اللامعة تحت ضغطٍ عالٍ يكفي لإنتاج أشياء عظيمة. لكن تجربته كشفت سريعاً أن العبقرية الفردية تحتاج إلى هندسةٍ ثقافيةٍ تنظّمها، والطاقة الخلاقة تبلغ أثرها حين تتحول إلى عمليةٍ قابلةٍ للتكرار والتحسين. وقد أيقن أن الموهبة الخام تحتاج إلى نظام، والإلهام يحتاج إلى بنية، والمنتج العظيم يولد من عقلٍ جمعي يقيس، ويصحح، ويعيد البناء.

في تلك المرحلة استنار جوبز بأفكار الثمانيني جوزيف غوران، أحد كبار مهندسي الجودة في الولايات المتحدة، الذي دعا إلى النظر في كل شيء بوصفه عملية متكررة، وأن القياس طريق السيطرة على الجودة. انجذب جوبز إلى هذه الرؤية، التي منحت الحدس الإبداعي جسداً قابلاً للإدارة. لكن التحول جاء متأخراً بالنسبة إلى «نيكست»، التي توقفت عن التصنيع عام 1993. انتقل هذا الإدراك مع جوبز إلى تجاربه التالية، وتحول إلى ذخيرةٍ فكريةٍ ستظهر آثارها لاحقاً.

ولدى شرائه شركة «بيكسار»، واجه معضلة ثقافية مغايرة، إذ ضم الاستوديو نخبةً مبدعةً قادرةً على إنتاج فيلمٍ ناجح، ثم تخرج منهكةً عقب كل مشروع، وكأن النجاح يستنزف شروط استمراره. طبق جوبز فلسفة العملية المنظمة: بناء نظامٍ يسمح بانتقال العمل، وتراكم المعرفة، واستكمال المشروع من أي نقطة. وبهذا المعنى، تحولت «بيكسار» من ورشةٍ إبداعيةٍ عميقة الموهبة إلى مؤسسةٍ قادرةٍ على الاستدامة، ومن حالةٍ فنيةٍ استثنائيةٍ إلى بنيةٍ تنتج الخيال بانتظام.

عاد جوبز إلى «أبل» في 1997، وكانت الشركة على حافة الانهيار وجلب معه خبراء تشربوا دروس الجودة من «هيوليت باكارد» و«موتورولا»، ومزج خبراتهم بما تعلمه في «بيكسار» و«نيكست» ليقدم بهم منجزه الأكثر تأثيراً: المنتج الأيقوني ثمرة منظومةٍ كاملة، والجمال الصناعي نتاج ثقافةٍ مصنعية تجعل الجودة قابلةً للتوسع على نطاقٍ هائل. ومع جهاز «iPod nano» عام 2005، بدأت العناصر المتفرقة تتجمع في صيغةٍ واحدة: تصميمٌ رشيق، تصنيعٌ دقيق، تجربة مستخدمٍ سلسة، ورغبةٌ قادرةٌ على تحويل الجهاز الصغير إلى علامةٍ على زمنٍ جديد.

تجاوز مشروع «أبل» مسألة التصنيع إلى طرح ثقافيٍّ أعمق: تحويل الحرفة إلى خوارزمية، واللمسة الإنسانية إلى إجراءٍ قابلٍ للتكرار. لقد تعاونت الشركة مع حرفيين في اليابان لتطوير عملياتٍ دقيقة، من بينها صناعة الهيكل الفولاذي العاكس. سُجلت أدق التفاصيل: زاوية المعصم، ومقدار الضغط، والسرعة، وإيقاع الحركة، وحتى صوت التلميع. تحولت الحرفة، التي كانت تنتقل بالتوارث والخبرة اليدوية، إلى كودٍ رياضي، ثم نُقلت إلى الصين كي تُعاد على نطاقٍ صناعيٍّ شاسع. عند تلك اللحظة أبرق نجم «أبل»: الجمع بين روح الفن ومنطق المصنع، وبين أثر اليد وصرامة الآلة، وبين الهالة الجمالية ومتطلبات الإنتاج الضخم.

خارج المصانع، بنت «أبل» لنفسها موضعاً خاصاً في المخيلة العالمية. فمنذ ظهوره، تجاوز الآيفون وظيفة الاتصال، وصار حاملاً لمعانٍ اجتماعيةٍ وثقافية، ومرآةً لطريقة حضور الفرد في العالم. الهاتف هنا وسيلةٌ للحديث، وكاميرا للذاكرة، ومحفظة للهوية، ومسرحٌ صغيرٌ يمارس عليه الإنسان صورته اليومية. هكذا غدا اقتناء الجهاز إشارةً إلى موقعٍ رمزي، وانضماماً إلى جماعةٍ متخيلةٍ ترى نفسها أقرب إلى الإبداع، والأناقة، والتميز.

روّجت «أبل» لنفسها عبر فكرة «التفكير بشكل مختلف»، فشيدت حول منتجاتها وعداً ثقافياً: من يختارها يقترب من عالمٍ أكثر صفاءً وجرأةً وقدرةً على تحويل العمل إلى أسلوب حياة. بهذا الوعد تشكل ولاءٌ استثنائيٌّ، حيث ارتبطت الأجهزة بصورة الذات الحديثة: ذات أنيقة، خفيفة، خلاقة، واثقة من أدواتها. وتظهر إعلانات «أبل»، في معظمها، كدعوةٍ إلى نمط عيشٍ مرغوب، أكثر من كونها شرحاً لمواصفاتٍ تقنية. الشاشة اللامعة نافذةٌ على هوية، والجهاز امتدادٌ للجسد، والواجهة البيضاء لغةٌ بصريةٌ توحي بالنقاء والسيطرة والانسجام.

تشير القراءات السيميائية إلى أن «أبل» بنت علامتها عبر ثلاثية: الاسم، والمنتج، والمزاج. الاسم/ الشعار «تفاحة»، يحمل خفةً ومرحاً وسهولةً في التحول إلى أيقونةٍ عابرةٍ للغات والثقافات. والمنتجات تمنح العلامة أرضيتها العملية عبر الأداء والجودة والتكامل. أما المزاج فقد تحرك عبر مراحل متوالية: روح التمرد في الثمانينات، طموح الريادة في التسعينات، ثم الراحة الواثقة في الألفية الجديدة. ومن هذا التداخل بين الاسم والشيء والإحساس، صارت «أبل» ظاهرةً تتجاوز حدود الشركة، ورمزاً ثقافياً معولماً لعصر الإنترنت بأكمله.

بحلول عام 2011، اعتلت «أبل» قمة القيمة السوقية العالمية. وبعد رحيل جوبز المبكر، قاد تيم كوك الشركة إلى طورٍ جديدٍ تضاعفت فيه أرباحها، واتسع فيه مفهومها لذاتها، إذ تحولت تدريجياً من شركةٍ تتمحور حول دورة الأجهزة الكبرى إلى منظومةٍ رقميةٍ واسعة، يشكل قطاع الخدمات فيها رافداً مركزياً من روافد الربح: عمولات متجر التطبيقات، واشتراكات التخزين، وصفقات البحث، ومجمل البنية التي تجعل المستخدم يعيش داخل فضاءٍ مغلقٍ ومريحٍ في آنٍ واحد. تجاوزت قاعدة المستخدمين ملياراً ونصف المليار إنسان، وتحولت هذه الكتلة إلى مجتمعٍ رقميٍّ هائل، وسوقٍ ثقافيةٍ يحرص صانعو التطبيقات والمحتوى والمنافسون على الوجود داخلها.

هذا التحول يعيد تعريف معنى شركة التكنولوجيا. صارت «أبل» صانعة أجهزة، وحارسة بوابة، ومنسقة نظامٍ بيئيٍّ كامل. المستخدمون داخل هذا العالم يصنعون المحتوى، ويستهلكونه، ويشترون التطبيقات، ويدفعون الاشتراكات، ويعيدون إنتاج الولاء نفسه عبر عاداتٍ يوميةٍ صغيرة. في هذا الكون، تبيع «أبل» الجهاز والتجربة، الراحة والانتماء، الأداء والإحساس، وتحوّل علاقة المستهلك بالمنتج إلى علاقةٍ طويلةٍ مع بيئةٍ كاملةٍ من الخدمات والرموز والإيماءات.

قصة «أبل»، بهذا المعنى، قصة انتقال معرفةٍ عبر القارات، وخطوط التجميع، وأنظمة الإدارة، وأشكال الخيال. إنها قصة تعلمت فيها الصناعة الأميركية من اليابان، ثم أعادت صياغة الدرس بين مختبرات كاليفورنيا ومصانع آسيا. وهي أيضاً قصة الصين التي راكمت خبرةً صناعيةً هائلةً من خلال إنتاج أجهزة صُممت لتبدو كأنها قادمةٌ من عالمٍ أملس، خفيف، ومثالي. وفي العمق، إنها قصة شركةٍ استطاعت أن تجعل من شعارٍ بسيطٍ حاملاً لمعاني التمرد، والإبداع، والتميز، والانتماء.

اليوم، تدخل «أبل» مرحلةً جديدةً مع صعود جيلٍ قياديٍّ وسط تحديات الذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية، وأسئلة سلسلة التوريد، والبحث عن الموجة التالية من الابتكار. لكن جوهر الحكاية يبقى في قدرة هذه الشركة على عكس تحولات عصرها وصناعتها في آنٍ واحد. «أبل» مرآةٌ للحداثة الرقمية: تصنع المنتجات، وتصوغ الرغبات، وتؤثر في الذائقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأدواته. وبعد 50 عاماً، تبدو «التفاحة المقضومة» أكثر بكثير من علامةٍ تجارية؛ إنها استعارةٌ كبرى لعصرٍ كامل، وحلمٌ صناعيٌّ تحول إلى أسطورةٍ ثقافية، وتذكيرٌ بأن تفاحة المعرفة، منذ بدء التكوين، كانت دائماً بوابةً إلى عالمٍ آخر.