كتاب لبنانيون: نفضل قراءة الشعر والرواية في الصيف

فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب
فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب
TT

كتاب لبنانيون: نفضل قراءة الشعر والرواية في الصيف

فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب
فارس يواكيم - رزان المغربي - عماد موسى - بسمة الخطيب

الكاتب التلفزيوني والمسرحي فارس يواكيم قراءاته ثرية، وفي الصيف ينصرف إلى الأدب ويقول عن خياراته لهذا الصيف: الرواية الأولى «بوركيني» للبنانية مايا الحاج (منشورات «ضفاف» ومنشورات «الاختلاف») وهي ذات تقنية عالية في الكتابة. تدور الأحداث في فترة زمنية قصيرة: ثلاثة أيام. وفي ثلاثة أماكن رئيسية: المرسم، المقهى، معرض اللوحات. والشخصيات الرئيسية ثلاثة: هي، حبيبها، والمرأة الأخرى، التي كانت من قبل حبيبته. والحدث واحد دارت حوله المتفرعات كالتفاف أغصان الشجرة على جذع واحد. هذه الكثافة في الزمن والشخصيات والأماكن هي أحد مواضع الجمال في الرواية. لكنها تجعل مهمة الكاتبة صعبة في التأليف والسرد. بيد أن مايا الحاج نجحت في تجاوز هذه العقبة من طريق خلق التوتر لدى الشخصية الرئيسية، الرسامة، الفنانة التشكيلية المحجبة. هذا التوتر ناجم عن تساؤل محير حول إمكانية وجود التناقض بين الحجاب والمهنة التي تمارسها، وهي الرسم. وحول إمكانية الإبقاء عليه أو خلعه. وهل هو اختيار يُرضي أم عبء يثقل الكاهل والنفس.
وإذا كانت البطلة نفسها لم تتمكن من تحديد هويتها، فكيف يمكن للآخر أن ينجح في ذلك؟ اللقاء في المقهى بالمرأة الأخرى فجّر مسرى الرواية. تداعيات مختلفة يتداخل فيها الماضي بالحاضر وبتصورات المستقبل. وكلما زادت هذه التفاصيل من كشف شخصية الرسامة وجعلتنا نعتقد أننا نلّم بجوانبها أكثر فأكثر، وجدنا أنفسنا وقد تهنا في تعقيدات هذه الشخصية الحائرة المحيّرة، وهي تتقمص فكر الرجل الذي تحبه: «نظراته توجّه إلي اتهاما فاضحا. أظنه اكتشف فصاميتي فجأة. ولم يعد يفهمني أي امرأة أنا؟ المحجبة الغامضة أم الفنانة المتحررة؟ من حقه أن يعرف أي امرأة أحبها وارتبط بها! لا ينبغي أن ألومه على هذا الضياع. فأنا نفسي ضائعة في دوامة ذاتي التي غدت أكثر تعقيدا من خيوط عنكبوت».
الرواية ممتعة، ولغتها أنيقة وخالية من التعقيد. وكلما تابعنا ما تكشف من هذه الشخصية اقتنعنا بالمنطق الذي تطرحه. ثم اقتنعنا بالمنطق النقيض الذي يخطر في بالها. ويستمر التوتر، بين أن تواصل علاقتها بالحبيب أو أن تقطعها، حتى نهاية الرواية التي تركتها مايا الحاج مفتوحة.
«رسائل إلى مولانا» هو عنوان الديوان الثاني للشاعرة اللبنانية سناء البنا (دار «نلسن») حققت فيه قفزة نوعية قياسا بديوانها الأول «آدم وتاء الغواية» من حيث تماسك القصائد والتوغل في معانيها بعيدا من مجرد التعابير عن أحاسيس ذاتية، لتغدو القصائد في ديوانها الجديد سلسلة متصلة الحلقات، متحدة في المعنى، وتنوعها اللغوي هو لخدمة الموضوع. هي قصائد غزلية، لكنها مغمسة بالأجواء الصوفية، محاكاة لـ«مولانا» الأصلي، ألا وهو جلال الدين الرومي، الشهير الذي كان من أهم شعراء الحب الإلهي في التصوف. والحب عنده هو دواء كبريائنا وفتنتنا بأنفسنا، وطبيب ضعفنا، ومخلصنا من أنانيتنا.
«على بعد غيمة» أيضًا هو ديوان شعر. وقراءة دواوين الأشعار والروايات هي قراءاتي الصيفية المفضلة، حيث التلقي فيها لا يحتاج إلى مراجعة المراجع والتثبت من صحة الرأي المطروح. تجاه الشعر، تقبله أو لا تقبله. تكمل الديوان أو تلقي به جانبا. و«على بعد غيمة» هو للشاعرة المصرية سمية العسقلاني (دار «شرقيات»). بعد دواوين «البوح بالمكنون»، «وجه في دفتر الأبدية»، «خارطة اللون.. قبعة السماء».
في الديوان شذرات قصيرة متوزعة على الصفحات. تضيء على قصائد. وهي والقصائد القصيرة أجمل ما في الديوان. تقول سمية العسقلاني في شذرة: «الحياة نهر وأيامنا زورق من ورق.. نحرص دائما، ألاّ يبتل». وتقرأ الامتداد في قصيدة بعنوان «حرية»: «على هيئة الطير يتشكل قلبي/ في كل صباح أربطه في خيط/ أسمح له بأن يلامس الهواء/ دون أن يطير». إنها حرية الطيران، لكن في قفص. وهذا يتطابق مع الشذرة التي افتتحت الديوان: «كل شيء حولي ناقص/ حتى أنا/ لي ساق واحدة/ قالت لي الشجرة».
هذه المرأة تبوح وتكابر في آن معا. في أقصر القصائد وهي بعنوان «أرق» نقرأ: «أنا لا أتأرق/ فقط/ أحرس وسادتي من عتمة الليل». لكنها ترجو أن تنتصر على ضعفها في قصيدة «الحقيقة» إذ تقول: «لن أخبرك متى ألجأ للألوان الصريحة/ ولا كيف أحتمل الموسيقى/ سأخبرك عن رغبتي في اقتناء قطة/ لأتبادل معها ارتداء المخالب».
وعلى عكس الغالبية الكبرى من الشعراء الشباب، اختارت المحامية الجزائرية الشابة سمية محنش أن تكتب الشعر العمودي الكلاسيكي. وفي أول إطلالة لها نشرت قصائدها في ديوان «مسقط قلبي» (منشورات «ضفاف» و«الاختلاف»). ومن أول قصيدة في الديوان «كامل الحسن» تؤكد شبابها رغم انتمائها شكلا إلى شعر يخص جيلا سابقا.
قصيدة عمودية أم قصيدة تفعيلة أم قصيدة نثر، ما همّ. المهم ما تقوله، ولها أن ترتدي الثوب الذي تهواه شرط أن يتناسب مع المعنى. وفي شعر سمية محنش غنائية، تجعل قصائدها مرشّحة للتلحين.
وقصيدة «لوردة مخضلة» المهداة إلى روح وردة الجزائرية تشي بحب سمية محنش للغناء وبهيامها بابنة بلدها. «هذا المساء كخنجر من سلّهْ/ صوب الضلوع بساعة مختلّه؟/ لكأنه يهذي.. ويهذي أنه/ ذبح الوريد لوردة مخضلة/ كذب هراؤك.. فاختبر غيري بأنباء الوفاة ومدّه بأدلّه/ فالشمس شمس/ من سيطفئها وإن/ عجت سماؤك أنجما/ وأهلّه/ هذي المليكة سرمدى عودها/ عطر لشعب، راية للدولَه».

عماد موسى: كل صيف حملة

يقول الكاتب الصحافي الساخر عماد موسى: كل صيف أشن حملة على نتاج كاتب أو أكثر. الصيف الماضي قرأت ما تيسر من مؤلفات «راهب الرواية» ربيع جابر وتمتعت بثلاثية «بيروت مدينة العالم» التي تروي سيرة عبد الجواد أحمد البارودي، الرجل المقطوع الذراع، الهارب من سوريا إلى بيروت في عشرينات القرن التاسع عشر. سيرة متخيلة لرجل وسيرة تكوّن حارة وأحياء ووسط مدينة.
وللعشاق الرومانسيين أختار وأنصح بقراءة Le Musée de l›innocence «متحف البراءة». قرأته بالفرنسية، أهديته بالإنجليزية وأعتقد أنه متوافر بلغتنا. قصة حب مجبولة بالانتظار الطويل. قصة رجل أصيب بهوس اقتناء أشياء حبيبته البسيطة. قصة تتوج بمأساة وبولادة متحف موجود اليوم في إسطنبول. كدت أنسى ذكر اسم المؤلّف أورهان باموق.
وهذا الصيف عدت إلى صاحب «الخبز العافي» محمد شكري. عدت متأخرا لأقرأ كتاب «وجوه». وهو جزء من سيرة كاتب ملعون مُصاب بلوثة طنجة وطقوسها وحاناتها وفتيات ليلها.
وهذه الليلة بالذات أنتهي من قراءة رواية «معارضة الغريب» للجزائري كمال داود. رواية مثيرة بغرابتها عن قتيل غامض يروي أخوه سيناريوهات متعددة لموته واختفاء الجثة والقاتل وكيفية انتقامه من مواطن فرنسي بعد تعذّر الوصول إلى القاتل. كامو كتب «الغريب» داود عارَضَهُ. لن أطيل أكثر لأنني لم أصل بعدُ إلى النهاية.

بسمة الخطيب و«الدفتر الكبير»

اختارت الروائية اللبنانية بسمة الخطيب «أرق الروح وزمن المتاهة» ليمنى العيد، وهو السيرة الذاتية للناقدة يمنى العيد وشهادة على العصر بأسلوب روائي سلس وجذاب ولغة غنية. السيرة هذه مرآة لحياة العيد وأيضًا زمنها وأهله، وللأديبة التي تسكنها وتحظى للمرة الأولى بفرصة الإعلان عن نفسها خارج ميدانها الأبرز الذي هو النقد. كتاب آخر هو «الدفتر الكبير» لأغوتا كريستوف. متأخرة جدًا ظهرت ترجمة رواية كريستوف الأولى، ولكن هذا خير من ألا تأتي أبدًا. رواية مرعبة بالمعنى الحرفي، ففظاعات الحرب العالمية الثانية لم تُصوّر بمثل هذه الكثافة والبساطة سابقًا أو ربما لاحقًا. الطريف أن كريستوف أرسلت مسودة روايتها لدار «غاليمار»، فرفضت، لكن دار «سوي» كان لها فضل إطلاق مارد روائي جميل وعظيم اسمه أغوتا كريستوف.
وتنصح الروائية بسمة الخطيب بقراءة «أجمل نظرية» لعالم الفيزياء كارلو روفيللي ترجمة الفنان التشكيلي عادل السيوي. شعر السيوي منذ قرأ الكتاب بالإيطالية أنه على القارئ العربي أن يقرأ هذه الدرة الفكرية، لذا سارع إلى ترجمته، سؤال الزمن والمكان أعطانا نظريات عدة تهنا في متاهاتها منذ الفلكيين الأوائل إلى آينشتاين وهوكينغ، وفي هذا الكتاب نقبض بأيدينا على أجمل نظرية.
وتقول الروائية الخطيب: «ارقد محتضرة» لفوكنر: رواية أسرة، أنصح بها محبي الأدب والراغبين بقراءة كتاب يهزّ مشاعرهم، اخترتها لأن «الصخب والعنف» هي أشهر أعمال فوكنر عربيًا تحديدًا، ولكن هذه الرواية لا تقل عنها قيمةً.

رزان نعيم المغربي
و«مصائر» ربعي المدهون

الروائية الليبية رزان نعيم المغربي تقول: حينما تكون المكتبة بعيدة المنال، تصبح القراءة الإلكترونية الأكثر مشقة والأقل متعة. خلال عام ونصف العام كان معظم ما اطلعت عليه، كتبا أرسلها الأصدقاء من خلال النسخ المصورة، وبعض يسير من الكتب الورقية، استمتعت بقراءتها، فهل أثر ذلك على مزاجي؟ لا أعلم. ولكن أختصر القول إن كثيرًا من الإصدارات وصلت إلي ولن يتسع المجال لاستعراضها، مثل رواية «ذئبة الحب» و«الكتب» للروائي محسن الرملي، و«الذين مسهم السحر» للروائية روزا ياسين حسن، بالإضافة إلى رواية «شوق الدراويش» للروائي الشاب حمور زيادة، وكلها أعمال أرشحها للقارئ مع ما استعرض هنا من روايات بإيجاز شديد: «فئران أمي حصة»، للروائي سعود السنعوسي، ذات بيئة كويتية محلية، إلا أنها تحمل تحذيرا شديدا ينسحب على بلداننا التي تشهد صراعات دموية. والرواية لا تخلو من العنف والقسوة رغم ما نلمسه من معان إنسانية وقصص تحدث أثناء الحروب، تناول فيها الماضي واستشرف المستقبل بسوداوية، وخوف مما يمكن أن ينتظر الكويت فيما لو لم ينتبهوا إلى بذرة طائفية مقيتة أخذت تظهر على السطح.
رواية «توليب مانيا» لليبية وفاء البوعيسي المقيمة في هولندا. هي النص الأول في غربتها وسبقها ثلاثة أعمال روائية. في هذا العمل تسرد تجربتها مع الإسلاميين في ليبيا والنظام الليبي دون حذر من ذكر أسماء أشخاص عملوا مع النظام، ذلك بالتوازي مع حكاية عشرة أشخاص تجاورت معهم في مركز اللجوء، وتشابكت العلاقات الإنسانية بينهم مما جعل علة السرد سلسة لتحكي قصة كل واحد منهم منذ خروجه وحتى وصوله إلى هولندا.
«صراخ في الطابق السفلي» للروائية الليبية فاطمة الحاجي، وقد صدرت في بيروت عن «دار النهضة» تستعرض أحداثا حقيقية جرت أيام النظام السابق. وهي شنق طلاب الجامعة على مدرجاتها وأمام زملائهم. وتدور الأحداث حول هذه الواقعة من خلال قصة حب تجمع بين طالبة (الساردة)، وأحد الطلاب المنضمين إلى اللجان الثورية مما يجعل الصراع على أشده بين القلب والعقل الرافض لهذه الجريمة. اقترح أيضًا «سماء قريبة من بيتنا» للروائية شهلا العجيلي، حيث مسرح الأحداث مدينة الرقة السورية التي أصبحت إمارة لتنظيم الدولة، وهي تشبِّهه بسرطان هاجم المدينة من خلال تجربة البطلة بأسلوب سردي رشيق، تتوالى الحكايات لتشكل عملا سرديا متجاوزة الصراع على مفهوم الثورة أو الأزمة. كذلك «مصائر» لربعي المدهون الحائزة على جائزة البوكر العربية. هي رواية الأمكنة في فلسطين، تتداخل فيها النصوص السردية وتتقاطع حول أحداث المغتربين الذين عادوا لزيارة قصيرة ولسبب معين. السارد يتجول في مدن فلسطينية وكأنه سائح يتعرف عليها وتبدو هذه الجولة مقصودة. القصة التي لفتت انتباهي هي حول صراع الفلسطيني بين المهجر وفي بلده، بسبب قمع الاحتلال الذي لا خلاص منه إلا بهروب جديد إلى المهجر.



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»